مساعدات غزة... سلاح الاحتلال في حرب التهجير

05 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 06:42 (توقيت القدس)
مسنّة أمام خيام مؤقتة في دير البلح، 29 يناير 2025 (أشرف عمرا/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تفرض إسرائيل قيودًا مشددة على دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، مما يعوق دخول السلع الغذائية والمساعدات الدولية ويحد من كميات الوقود، مما يفاقم الأوضاع الصحية والاقتصادية ويزيد من مخاوف الحرب والهجرة.
- تعطل إسرائيل دخول الشاحنات عبر معبري العوجة وكرم أبو سالم، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الغلاء، بينما يعيق الدمار في معبر رفح وصول المساعدات إلى شمال غزة.
- تمنع إسرائيل دخول المعدات الكهربائية والهندسية، مما يزيد من صعوبة الحياة، بينما يسهم الدعم الأمريكي في تجفيف المساعدات الدولية، ودعت قيادات مصرية لإنشاء صندوق لإغاثة غزة.

في مخالفة لافتة لبنود اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ تنفيذه في 19 يناير/ كانون الثاني الماضي بين حركة حماس وإسرائيل، تفرض قوات الاحتلال الإسرائيلي قيودا مشددة على دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، تحول دون دخول السلع الغذائية والمساعدات المجانية الدولية ومعدات نصب الخيام وتحجيم كميات الوقود اللازم لتشغيل محطات المياه والكهرباء والصرف، وهو ما يضعه خبراء في إطار خطة محكمة لفرض حصار اقتصادي على غزة يعمّق خطورة البقاء في القطاع، ويزيد الكوارث الصحية والاقتصادية والمخاوف من عودة الحرب، بما يدفعهم إلى الهروب للخارج.

وتعطل إسرائيل دخول الشاحنات القادمة عبر منفذي العوجة وكرم أبو سالم، ولم يدخل منهما سوى أقل من 50% من الكميات المتفق عليها يومياً، مع منحها أولوية للبضائع المدفوعة الثمن، لتضمن تحصيل عوائد جمركية وتسربها لأسواق غزة بأسعار مرتفعة تزيد من حالة الغلاء والتضخم وتشعل موجات الغضب الشعبي بين المواطنين.

في سياق متصل، أعلن الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم، أمس الثلاثاء، "مواصلة الاحتلال الإسرائيلي مراوغته في تنفيذ المسار الإنساني في اتفاق وقف إطلاق النار ويتعمد تأخير وإعاقة دخول المتطلبات الأكثر أهمية وإلحاحا، وخاصة الخيام والبيوت الجاهزة، والمعدات الثقيلة لرفع الأنقاض"، مؤكدا أن ما يجري تنفيذه في هذه الجوانب أقل بكثير من الحد الأدنى المتفق عليه، وهو ما يعني عدم التزام واضح بالموضوع الإغاثي والإنساني.

عقبات أمام قوافل المساعدات

أكدت مصادر مطلعة في منفذ رفح لـ"العربي الجديد"، وضع الإسرائيليين عقبات أمام دخول قوافل المساعدات، وتغيير قواعد الإفراج عن البضائع من يوم لآخر بما يربك عمليات النقل والتفتيش ويعرض للتلف آلاف الأطنان من المعونات المكدسة في الحافلات أمام المعابر.

ويشير مصدر مطلع إلى أن الدمار الذي أحدثته قوات الاحتلال بمعبر رفح أخرجه من الخدمة تماما من الجانب الفلسطيني، وأن الضربات العسكرية التي أصابت الطرق المؤدية لمنفذ العوجة وكرم أبو سالم داخل القطاع، أوجدت صعوبة في وصول المساعدات إلى المناطق المحتاجة، خاصة شمال غزة، مشيرا إلى خضوع الشاحنات لعمليات تفتيش عميقة تؤدي إلى تأخير دخول المساعدات، التي تدخل عادة بدون ضمانات أمنية عند مرورها إلى القطاع من اللصوص وهجمات المتطرفين الإسرائيليين.

وقالت القيادية في الجبهة الشعبية الفلسطينية مريم أبو دقة، لـ"العربي الجديد"، إن حجم المساعدات التي تدخل من مصر إلى غزة لا يمثل سوى 30% من عدد الشاحنات المحددة وفقا لاتفاق وقف إطلاق النار، مشيرة إلى تعطيل الجانب الإسرائيلي دخول المساعدات المجانية التي يقدمها المتبرعون من مصر وأنحاء العالم، مفضلة ترك الأغذية والمواد الطبية والخيام التي تحملها لإيواء المتضررين من العدوان مكدسة لصالح دخول الشاحنات المحملة بالبضائع التجارية التي تباع في الأسواق، والتي تشمل مواد تموينية بسيطة.

وتؤكد أبو دقة المقيمة في مصر، أن الاحتلال يدرك حاجة المحاصرين داخل القطاع إلى المساعدات المجانية التي ينتظرها كافة المواطنين، بينما يفرج عن بعض السلع المدفوعة، لتكون المنقذ الوحيد لحياة الناس، بما يدفع بمعدلات الغلاء، ويشعل فتنة بين القادرين على الشراء وغيرهم من الأكثرية الذين لا يملكون شيئا يدفعونه لتوفير قوت يومهم، كما أوضحت أن تقييد دخول المساعدات يأتي في إطار سياسة ممنهجة لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو للتملص من استحقاقات الاتفاق، وبدء مرحلة الإبادة السياسية التي تديرها حكومته اليمينية الدموية، بعدما حققت أهداف الإبادة العسكرية التي هدمت 90% من مباني ومنشآت القطاع لإجبار أهل غزة على الهروب من المجاعة التي يفرضها الاحتلال، ويصعب عليهم الاستمرار في العيش تحت الحصار الاقتصادي المستمر، والضغط عليهم عبر الإيحاء بإمكانية العودة للحرب مرة أخرى في حال رفضهم التهجير القسري.

تحذيرات برنامج الأغذية العالمي

وفي هذا السياق، قال برنامج الأغذية العالمي، الأحد الماضي، إن "الاحتياجات الإنسانية بغزة هائلة وسط عودة الأسر الفلسطينية النازحة إلى مناطقها في شمال القطاع"، بعد نحو 16 شهرا من الإبادة الإسرائيلية. وشدد البرنامج، في منشور على حسابه عبر منصة إكس، على أن "أي أمل في تعافي قطاع غزة يتطلب استجابة إنسانية شاملة مع تكاتف جميع الوكالات الأممية".

وحسب مصادر تحدثت لـ"العربي الجديد"، وصلت إلى غزة 2000 شاحنة خلال الأيام الستة الأولى من وقف إطلاق النار، ولم يتجاوز دخول الشاحنات في اليوم الأول من تنفيذ الاتفاق 60% من الكميات المحددة بالاتفاق بمعدل 600 شاحنة يوميا، ثم تراجعت إلى أقل من ذلك في الأيام التالية.

ورغم صدور قرار من محكمة العدل الدولية في يناير الماضي، يلزم إسرائيل بالسماح الفوري غير المشروط بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، لتوفير الخدمات الأساسية والإمدادات الضرورية للسكان المدنيين، تضع إدارة الاحتلال قيودا على دخول الوقود والمواد الطبية، بزعم إمكانية استخدام بعضها لأغراض عسكرية. وعلى مدى ثمانية أشهر، حظرت إسرائيل دخول المساعدات إلى القطاع إلى أن سمحت بذلك عقب وقف إطلاق النار تحت إشراف الاتحاد الأوروبي ومجموعات فلسطينية، ورقابة مصرية - قطرية، من السادسة صباحا حتى الخامسة مساء يوميا.

وفي إطار متصل، أكد مسؤولو برنامج الغذاء العالمي في بيان صحافي على ضرورة التزام إسرائيل ببنود اتفاق وقف إطلاق النار، مشيرين إلى وجود حاجة ملحة لوصول المساعدات الإنسانية من الأغذية والأدوية، خاصة للعائدين إلى شمال غزة الذي شهد تدميرا شاملا لبنيته الأساسية. ووفقا لتصريحات مدير منظمة الصحة العالمية إدهانوم غيبريسوس، فإن المنظمة شاركت في إجلاء 5383 مصابا من غزة، خلال الفترة من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى نهاية يناير/ كانون الثاني 2025، مؤكدا في تصريحات رسمية حاجة 12 ألف مصاب آخرين إلى إجلاء طبي من القطاع، أصيبوا جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية على القطاع، بينما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في تصريحاته بنهاية الأسبوع الماضي، حاجة 2500 طفل إلى إجلاء فوري من غزة.

ضغوط من أجل التهجير

أشارت الخبيرة الاقتصادية الفلسطينية نعيمة أبو مصطفى إلى عدم سماح الاحتلال بدخول المعدات الكهربائية والهندسية اللازمة لتثبيت الخيام، وتشغيل مرافق المياه والصرف، في ظل انقطاع كامل للمياه والكهرباء عن المناطق الشمالية بالقطاع، وجزئيا في جنوب غزة، وهو ما يفاقم صعوبة تثبيت الخيام على الغزيين التي يقيمونها على أنقاض منازلهم.

وأكدت أبو مصطفى منع الاحتلال دخول معدات رفع الأنقاض من المناطق المحيطة بالمنازل المدمرة، ليخلق ذلك صعوبات جديدة أمام المواطنين، ويجبرهم على البقاء بخيام لا تأويهم من البرد القارس، وهو ما يزيد مخاوفهم من الحياة داخل القطاع خلال الفترة المقبلة. وفي السياق، أكدت أبو مصطفى أنه من الواضح أن الاحتلال يزيد مخاوف الناس من البقاء في غزة تحت الضغوط الاقتصادية والأمنية، مع حرمانهم من المساعدات الإنسانية الدولية والعربية، بالإضافة إلى تقديمه تسهيلات خروج بعض المصابين بمرافقة أسرهم، مشترطا الخروج من القطاع بلا عودة، مشيرة إلى أن غياب السلطة الفلسطينية، والدعم النفسي والإداري للمرضى والمواطنين، يعمق كوارث العدوان الإسرائيلي، ويزيد الخشية من اضطرار الناس إلى الهجرة تحت الضغوط الاقتصادية والنفسية الخطيرة.

وأوضحت الخبيرة الاقتصادية في حديث لـ"العربي الجديد"، أن تدمير الاحتلال الإسرائيلي معبر رفح والطرق المؤدية إليه من داخل غزة، يحول دون قدرة الجانب المصري على استخدامه إلا عند وصول المصابين إلى البوابة المصرية، ونقلهم بعربات الإسعاف التابعة للهلال الأحمر إلى المستشفيات المصرية، بينما يتم تكديس مئات الشاحنات أمام منفذ العوجة ومعبر كرم أبو سالم وهي محملة بالبضائع، وهو ما يعرض الأغذية الطازجة للتلف ويحول دون دخول شاحنات الوقود بالكميات المحددة سلفا بنحو 50 شاحنة يوميا، بزعم إمكانية استفادة قوات حماس من تشغيل المنشآت التابعة لها.
ولفتت أبو مصطفى إلى أن الصعوبات المالية التي تواجه الفلسطينيين للعيش في مصر تعاظمت خلال الفترة الماضية، مع إصرار الجهات الرسمية على تحصيل رسوم إقامة بقيمة 370 دولارا على الفرد الواحد، تدفع إجباريا منذ سبتمبر/ أيلول 2024، وتعميمها على الفلسطينيين المولودين في مصر، بما يزيد من الضغوط عليهم.

دعم أميركي للاحتلال عبر وقف المساعدات

تذكر القيادية في الجبهة الشعبية مريم أبو دقة أن الدعم الأميركي بقيادة الرئيس دونالد ترامب لرؤية اليمين الصهيوني في تل أبيب وواشنطن يستهدف تجفيف منابع المساعدات الدولية التي توفرها منظمات الأمم المتحدة، كالصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية، ووقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، التي تدعم المعونات الفلسطينية بنحو 1.3 مليار دولار سنويا، بما يسهل خطة شطب حق العودة للفلسطينيين الذي تشرف عليه تلك المنظمات، بالإضافة إلى ترسيم خطته الاستعمارية بإعادة تقسيم الشرق الأوسط.

صندوق لإغاثة غزة وإعمارها

دعت قيادات اجتماعية ودينية في مصر إلى إنشاء صندوق لإغاثة وإعمار قطاع غزة برعاية شيخ الأزهر أحمد الطيب وقيادة الكنيسة القبطية، يشارك في تمويله كافة المصريين والعاملين بالخارج، وفتحه أمام تبرعات المواطنين بالدول العربية.

وطالب رئيس حزب المحافظين أكرم قرطام الحكومة بعدم فرض ضرائب أو رسوم أو إتاوات على كافة البضائع المنقولة من مصر إلى قطاع غزة، مؤكدا في بيان أرسله إلى "العربي الجديد"، أهمية عدم تحميل الفلسطينيين أي أعباء على مساعدات تستهدف توفير متطلبات العيش اليومية أو إعادة إعمار المرافق والمنشآت. وفي السياق، تقدمت شركات استشارية واقتصادية بعروض لإرسال معدات فنية لإزالة الأنقاض وتكسيرها لإعادة تدوير ما فيها من مواد إسمنتية وحديد وأخشاب، تساهم في إعادة البناء وتشغيل المباني العامة والخاصة، لتقليص الحاجة إلى الاستيراد وإزالة القيود التي تضعها إسرائيل على دخول تلك المنتجات إلى القطاع.

كما أكدت مصادر منع إسرائيل دخول أي منتجات بناء شاملة الإسمنت والحديد والمعدات الصحية إلى غزة، مع قصر دخولها خلال الفترة القادمة على المنتجات من داخل الأراضي المحتلة وبكميات تحددها السلطات الإسرائيلية.

وفي تصريحات لوزارة الخارجية، أكدت مصر التزامها بتكثيف الجهود الإنسانية وإيصال المساعدات الغذائية والطبية لقطاع غزة يوميا. وقد دفعت السلطات بأكبر شحنة تابعة لصندوق "تحيا مصر" عبارة عن 305 شاحنات تحمل بضائع تزن 4200 طن من السلع والأجهزة الطبية والملابس والأغطية الثقيلة، في 29 يناير الماضي، وتتولى مؤسسات التحالف الوطني للعمل الأهلي والمجتمع المدني والهلال الأحمر ووزارة الخارجية المصرية إدارة غرفة عمليات في القاهرة لمتابعة إيصال المساعدات إلى غزة، التي تأتي من تبرعات المواطنين للشعب الفلسطيني)

المساهمون