بايت دانس الصينية توقّع اتفاقًا لتجنّب حظر تيك توك في أميركا
استمع إلى الملخص
- بموجب الاتفاق، سيحصل مستثمرون مثل أوراكل وسيلفر ليك على 80.1% من الكيان الجديد، بينما تحتفظ بايت دانس بنسبة 19.9%، مع تقدير قيمة الشركة الأمريكية بنحو 14 مليار دولار.
- رغم الاتفاق، تظل هناك تساؤلات حول العلاقات التجارية مع بايت دانس، خاصة بشأن حماية البيانات وأمن الخوارزميات، في ظل التدقيق الأمريكي المتزايد.
وقّعت شركة بايت دانس، المالكة الصينية لتطبيق تيك توك، اتفاقيات ملزمة لتشكيل مشروع مشترك يمنح السيطرة على عمليات تطبيق تيك توك في الولايات المتحدة لمستثمرين أميركيين وعالميين، في خطوة كبيرة تهدف إلى تجنّب حظر أميركي محتمل، ووضع حدّ لسنوات من عدم اليقين. ويُعدّ هذا الاتفاق محطة مفصلية للتطبيق القصير للفيديوهات، الذي يستخدمه بانتظام أكثر من 170 مليون أميركي، بعد سلسلة من المعارك القانونية والسياسية بدأت في أغسطس/آب 2020، عندما حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمرة الأولى، من دون نجاح، حظر التطبيق بدعوى مخاوف تتعلق بالأمن القومي الأميركي، بحسب ما نقلت "رويترز".
وتتوافق تفاصيل الاتفاق مع ما جرى طرحه في سبتمبر/أيلول الماضي، حين أرجأ ترامب حتى 20 يناير/كانون الثاني تنفيذ القانون الذي يحظر التطبيق ما لم يُقدم مالكوه الصينيون على بيع حصتهم، في إطار الجهود الرامية إلى فصل أصول تيك توك في الولايات المتحدة عن المنصة العالمية. كما أعلن حينها أن الاتفاق يلبّي متطلبات التخارج المنصوص عليها في قانون صدر عام 2024. وبحسب ما قاله نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس في سبتمبر/أيلول، ستُقدّر قيمة الشركة الأميركية الجديدة بنحو 14 مليار دولار، وهو رقم يقلّ عن تقديرات المحللين، فيما لم يُعلَن التقييم النهائي يوم الخميس.
وبموجب الاتفاق، سيحصل مستثمرون أميركيون وعالميون، من بينهم عملاق الحوسبة السحابية أوراكل، ومجموعة الاستثمار الخاص سيلفر ليك، وشركة إم جي إكس ومقرها أبوظبي، على حصة تبلغ 80.1% في الكيان الجديد تيك توك يو إس دي إس جوينت فنتشر إل إل سي، في حين ستحتفظ بايت دانس بنسبة 19.9%.
استحواذ المليارديرات
ونسب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الفضل إلى تيك توك في مساعدته على الفوز بإعادة انتخابه العام الماضي، ويملك أكثر من 15 مليون متابع على حسابه الشخصي على التطبيق. كما أطلق البيت الأبيض حسابًا رسميًّا على تيك توك في أغسطس/آب. في المقابل، قالت السناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن إن هناك العديد من الأسئلة التي لا تزال بلا إجابة بشأن الاتفاق، مضيفة على منصة إكس: "ترامب يريد تسليم مزيد من السيطرة على ما تشاهده إلى أصدقائه من المليارديرات. الأميركيون يستحقون أن يعرفوا ما إذا كان الرئيس قد أبرم صفقة خلف الكواليس أخرى لهذا الاستحواذ المليارديري على تيك توك".
ويتمتع ترامب بعلاقة وثيقة مع الملياردير والرئيس التنفيذي لشركة أوراكل، لاري إليسون، وعائلته. وفي هذا السياق، تحاول شركة باراماونت سكاي دانس الاستحواذ على وارنر براذرز ديسكفري في عرض استحواذ عدائي بدعم مالي من عائلة إليسون. وكان ترامب قد قال في سبتمبر/أيلول إن مايكل ديل، مؤسس ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة ديل تكنولوجيز وروبرت مردوخ، الرئيس الفخري لشركة فوكس كورب المالكة لقناة فوكس نيوز ودار نشر نيوز كورب، إلى جانب أربعة أو خمسة مستثمرين من الطراز العالمي، سيكونون جزءًا من الصفقة، من دون أن يتضح ما إذا كان ديل ومردوخ قد شاركا في الاتفاق النهائي.
تساؤلات حول الدور الصيني المستمر
قال البيت الأبيض في سبتمبر/أيلول إن المشروع المشترك الجديد سيتولى تشغيل تطبيق تيك توك في الولايات المتحدة، غير أن تساؤلات لا تزال مطروحة بشأن طبيعة الاتفاق، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقات التجارية بين المشروع الجديد وشركة بايت دانس. وأحال البيت الأبيض، يوم الخميس، الأسئلة المتعلقة بالاتفاق إلى شركة تيك توك. وفي مذكرة داخلية اطّلعت عليها وكالة رويترز، قال الرئيس التنفيذي لتيك توك، شو زي تشيو، للموظفين إن المشروع المشترك سيعمل بوصفه كياناً مستقلاً يتمتع بالسلطة الكاملة على حماية بيانات المستخدمين في الولايات المتحدة، وأمن الخوارزميات، والإشراف على المحتوى، وضمان سلامة البرمجيات. وأضاف تشيو أن الكيانات الأميركية التابعة لتيك توك العالمية ستدير قابلية التشغيل البيني للمنتجات العالمية وبعض الأنشطة التجارية، بما في ذلك التجارة الإلكترونية والإعلانات والتسويق، بشكل منفصل عن المشروع المشترك الجديد.
من جهته، قال راش دوشي، الذي شغل منصبًا في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس جو بايدن، إنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت خوارزمية التطبيق قد نُقلت أو جرى ترخيصها، أو ما إذا كانت لا تزال مملوكة وتحت سيطرة بكين، مع اقتصار دور أوراكل على المراقبة فقط. وفي سبتمبر/أيلول، أفادت وسائل إعلام صينية بأن بايت دانس ستواصل لعب دور كبير أو تشغيلي في التطبيق. كما نقلت مجلة مالية صينية، استنادًا إلى أشخاص مقرّبين من الصفقة، أن بايت دانس تخطط لإنشاء كيان أميركي لتيك توك يحصل على جزء من إيرادات المشروع المشترك الجديد.
ومن المقرر إغلاق الصفقة في 22 يناير/كانون الثاني، ما من شأنه أن يُنهي سنوات من الجهود الأميركية لإجبار بايت دانس على التخارج من أعمالها في الولايات المتحدة بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي. وقال النائب الجمهوري جون مولينار، رئيس اللجنة المختارة في مجلس النواب المعنية بالصين، في وقت سابق إنه سيستضيف قيادة الكيان الجديد لتيك توك في جلسة استماع عام 2026.
ويتضمن الاتفاق المتعلق بعمليات تيك توك في الولايات المتحدة تعيين بايت دانس عضوًا واحدًا من أصل سبعة أعضاء في مجلس إدارة الكيان الجديد، على أن يشغل الأميركيون غالبية المقاعد الأخرى. وستعمل شركة أوراكل بوصفها الشريك الأمني الموثوق، والمسؤولة عن التدقيق والتحقق من الالتزام، بما في ذلك حماية بيانات المستخدمين الأميركيين الحساسة، التي سيتم تخزينها في بيئة سحابية موثوقة وآمنة داخل الولايات المتحدة تُدار من قبل أوراكل، وفق ما جاء في مذكرة تيك توك الموجّهة للموظفين.
يأتي اتفاق بايت دانس في ظل تصاعد التدقيق الأميركي في استثمارات وشركات التكنولوجيا ذات الارتباط الصيني، ولا سيما تلك التي تمتلك قواعد مستخدمين واسعة داخل الولايات المتحدة. فمنذ عام 2020، تحوّل تطبيق تيك توك إلى محور نزاع اقتصادي–تنظيمي، مع اعتباره أصلًا رقمياً عالي القيمة من حيث البيانات، والإعلانات، والتجارة الإلكترونية، إضافة إلى خوارزمياته التي تُعد من الأكثر تطورًا في سوق المنصات الرقمية.
وخلال السنوات الماضية، شكّل الغموض القانوني المحيط بمستقبل التطبيق عامل ضغط على نموذج أعماله في السوق الأميركية، سواء لناحية جذب المعلنين، أو التخطيط الاستثماري طويل الأجل، أو توسّع خدمات التجارة الإلكترونية. كما انعكس هذا الغموض على تقييم الشركة، وسط مخاوف من حظر محتمل قد يؤدي إلى خسارة أحد أكبر أسواقها العالمية. ويأتي خيار المشروع المشترك صيغةً وسطيةً تهدف إلى الحفاظ على استمرارية النشاط التجاري في الولايات المتحدة، مع تقليص المخاطر التنظيمية، من خلال إدخال مستثمرين أميركيين ودوليين، وإعادة هيكلة الملكية والإدارة والحوكمة.
ويُنظر إلى هذا النموذج بوصفه محاولة للفصل بين القيمة الاقتصادية للأصول الرقمية والتقنيات، وبين الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية التي تحيط بها. وفي هذا السياق، يندرج الاتفاق ضمن اتجاه أوسع في الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث تُعاد صياغة صفقات التكنولوجيا العابرة للحدود بما يتلاءم مع القيود التنظيمية والسيادية، من دون التفريط الكامل في السيطرة على الابتكار أو مصادر الإيرادات.