ماذا بعد اتفاقية التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي؟
استمع إلى الملخص
- استجابةً للضغوط الأميركية، وقعت الهند والاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارة حرة لتخفيض الرسوم الجمركية على 95% من السلع، بهدف تقليل الاعتماد على التجارة مع أميركا.
- أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارة حرة مع تكتل الميركوسور، ويسعى لتوقيع اتفاقيات مع الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، مما قد يعيد تشكيل الخريطة التجارية العالمية.
في ظل الحالة المضطربة للاقتصاد العالمي، وبخاصة في ما يتعلق بالتجارة الخارجية، بسبب ممارسات الرئيس الأميركي ترامب من فرض رسوم جمركية بمعدلات عالية، ولأسباب في غالبيتها سياسية، أصبح الجميع يعيد رسم خرائط تجارته الخارجية، بل علاقاته الاقتصادية كليّة.
لقد فرض ترامب رسوماً جمركية بمعدلات أعلى مما كان عليه الأمر قبل توليه السلطة، على دول أوروبا والصين، وكان للهند زيادة خاصة في الرسوم الجمركية عقاباً لها على استيرادها النفط الروسي، مما دعا الهند إلى تقليل وارداتها من النفط الروسي، سعياً للتوقف عن استيراده. وتوتر علاقات ترامب بأوروبا لا يقتصر على الجوانب التجارية بل يمتد إلى الأمن، ومطالبته أوروبا بدفع فاتورة الحماية التي توفرها أميركا لها، وهو ما جعل أوروبا تعيد التفكير بالفعل والدخول في تدبير ميزانيات لإعادة التسلح، كما هو الحال في ألمانيا مثلاً، التي رصدت نحو 80 مليار يورو لبرامج التسلّح في عامي 2025 و2026، مما عدّه بعضهم إنعاشاً لصناعة السلاح في أوروبا، وتقليلاً لواردات ألمانيا من السلاح الأميركي، إذ سيكون نصيب أميركا من هذه الميزانية 8% فقط.
ومؤخراً توالت زيارات مسؤولين كبار من فرنسا وكندا وبريطانيا الصين، ما أثار حفيظة الرئيس الأميركي ترامب، وصرّح بأن هذا أمر خطير، وفي الوقت الذي يهدد فيه ترامب الآخرين بالرسوم الجمركية نظير كل تصرف لا يروق له، تتجه الأطراف المختلفة إلى محاولات عدم تركز تجارتها السلعية مع أميركا، وتبني اتجاه لتعدد الشركاء التجاريين، وتخفيف حدة الاعتماد على التجارة مع أميركا.
ومن بين الدول التي تضررت من ممارسات ترامب، في ما يتعلق بالرسوم الجمركية، الهند والاتحاد الأوروبي، لذلك استدعى الطرفان مفوضياتهما حول منطقة التجارة الحرة، وتم التوقيع عليها أواخر يناير 2026. وتسمح الاتفاقية بتخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية على نحو 95% من السلع المتبادلة بين الطرفين، وذلك على مدار سبع سنوات، حتى تكتمل جميع الخطوات المرجوة من الاتفاقية.
وتستهدف الاتفاقية إلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات الجلدية والمنسوجات والمواد الكيماوية والمطاط والمعادن والأحجار الكريمة والمجوهرات. ولكن الاتفاقية لا تشمل السلع المتعلقة بالزراعة، مثل فول الصويا ولحوم الأبقار والسكر والأرز والألبان، وهي منتجات تتميز فيها الهند بالوفرة وانخفاض تكاليف الإنتاج، ولكن على ما يبدو أن خروج هذه السلع من الاتفاقية يرجع لأمور تتعلق بشروط الصحة والسلامة.
التجارة السلعية بين الطرفين
حسب البيانات الإحصائية الرسمية للاتحاد الأوروبي، عن تجارته السلعية مع الهند، فإن التبادل التجاري بين الطرفين بلغ 120 مليار يورو عام 2024، منها 71.2 مليار يورو واردات سلعية للاتحاد الأوروبي من الهند، بينما صادرات الاتحاد للهند بحدود 48.7 مليار يورو، وبذلك فالميزان التجاري السلعي لصالح الهند بنحو 22.5 مليار يورو. وبمراجعة قيمة التجارة لكل من الهند والاتحاد الأوروبي، وجد أن الفارق بينهما كبير، وذلك وفق أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي، فإجمالي التجارة السلعية للهند نحو 1.16 تريليون دولار، بينما الاتحاد الأوروبي تبلغ تجارته السلعية ما يزيد قليلًا عن 14 تريليون دولار، ويتوقع مع دخول الاتفاقية حيز التنفيذ أن تزيد قيمة التجارة بين الطرفين.
وسوف تضع الاتفاقية الهند أمام تحدي الإفادة منها، وألا تكرر تجربة دول جنوب المتوسط، التي دخلت في اتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي منذ ربع قرن من الزمن أو يزيد، ولكنها لم تغير من طبيعة اقتصاديات دول جنوب المتوسط في شيء، لا من حيث زيادة الصادرات، أو تحقيق نقل للتكنولوجيا، أو توطين الاستثمارات مباشرة.
التجارة السلعية للطرفين مع أميركا
تمثل التجارة السلعية للاتحاد الأوروبي مع أميركا أهمية كبيرة، فقيمة التجارة بينهما في نهاية 2024 بلغت 862 مليار يورو، فصادرات الاتحاد الأوروبي السلعية لأميركا بلغت 532 مليار يورو، بينما وارداته منها بلغت 335 مليار يورو، مما يعني وجود فائض تجاري لصالح الاتحاد الأوروبي بنحو 197 مليار يورو.
بينما التجارة السلعية للهند مع أميركا، بنهاية عام 2025 بلغت 137 مليار دولار -حسب مصادر إحصائية رسمية أميركية - منها صادرات هندية لأميركا بنحو 95.4 مليار دولار، وواردات للهند من أميركا بنحو 42 مليار دولار، وهو ما يعني وجود فائض لمصلحة الهند بنحو 53 مليار دولار.
الميركوسور قبل الهند
قبل توقيع الاتحاد الأوروبي لاتفاقية التجارة الحرة مع الهند بنحو عشرة أيام، أتم الاتحاد اتفاقية أخرى للتجارة الحرة مع تكتل مهم في أميركا اللاتينية هو تكتل الميركوسور، الذي يضم ثماني دول في أميركا اللاتينية، وقد استمرت المفاوضات بشأن هذه الاتفاقية قرابة ربع قرن، ولعل ممارسات ترامب بشأن القيود التجارية هي من دفعت الاتحاد الأوروبي لإتمام التوقيع على الاتفاقية. وبالاطلاع على ما نشر بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل الميركوسور، تبين أنها تشمل ما لم تتضمنه اتفاقية التجارة مع الهند.
فاتفاقية الاتحاد مع الميركوسور تزيد من صادرات الاتحاد الأوروبي للتكتل من السيارات والآلات والنبيذ والجبن، بينما تفتح الباب لزيادة الواردات من ميركوسور الخاصة بلحوم الأبقار والدواجن والسكر والأرز والعسل وفول الصويا. هل الصين والخليج في الطريق؟
على منوال الميركوسور، ما زالت المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والصين، أو بين الاتحاد ومجلس التعاون الخليجي، تزيد عن عقدين من الزمن، وإن كان الاتحاد توصل مع الصين بشأن اتفاق يتعلق بالاستثمار في مطلع 2021، وكان على وشك التفعيل، ولكن بايدن نجح في بداية حكمه في أن يوقف هذا الاتفاق، عبر عودة العديد من الأمور السياسية والاقتصادية مع الاتحاد إلى ما كانت عليه قبل عام 2017، مما ساعد في أن يتخذ الاتحاد الأوروبي إلى إلغاء اتفاق الاستثمار مع الصين.
ولكن في ظل توتر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وأميركا، هل ستكون الخطوة القادمة أن يتم توقيع اتفاقية تجارة حرة بين الاتحاد والصين؟ وهل سيمرر ترامب خطوة كهذه من دون ردة فعل تتمثل في تهديد الاتحاد الأوروبي، أو فرض المزيد من الرسوم الجمركية على الصين؟ وهل ستقدم الصين على هذه الخطوة لتضحي بتجارتها مع أميركا؟ جدير بالذكر أن التبادل التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي يبلغ 780 مليار دولار، كما أن الاستثمارات الصينية في أوروبا بحدود 10 مليارات يورو.
ولعل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي في ظل الأزمة التي يمر بها الاتحاد مع أميركا، تؤهل لأن يكون أمر توقيع اتفاق للتجارة الحرة بين الطرفين، قريباً، وقد يساعد على إبرام هذا الاتفاق العلاقات التجارية والاقتصادية القائمة، والتي تعتمد على استيراد الاتحاد الأوروبي للنفط الخليجي بشكل كبير، وبلغت قيمة التبادل التجاري بين الطرفين 197 مليار دولار في نهاية عام 2024، كما بلغت الاستثمارات الأوروبية المباشرة في دول الخليج 285 مليار دولار.
ختاماً: لقد تراجعت أميركا في ولاية ترامب الثانية عن العديد من قواعد العولمة، وبخاصة ما يتعلق بحرية التجارة، وحاول ترامب أن يجعل العلاقة بين أميركا وغيرها من الدول، علاقة من طرف واحد، حيث تملي أميركا شروطها وعلى باقي الدول أن تقبل هذه الشروط، وكأن العلاقة بين أميركا وباقي الدول تخضع لما يعرف بشروط الإذعان!