"لعنة كوفيد" تلاحق الاقتصاد البريطاني: الأسوأ أداءً بين السبع الكبرى
استمع إلى الملخص
- التدخل الحكومي كان مكلفًا، حيث بلغ الإنفاق 373 مليار جنيه إسترليني، وشمل دعم الرعاية الصحية والأسر والشركات، لكن بعض القرارات الخاطئة زادت الأعباء المالية، وارتفاع أسعار الطاقة زاد التضخم.
- رغم الجهود لتحفيز الاقتصاد، تعاني بريطانيا من ضعف الإنتاجية وانخفاض الأجور، مما يزيد عدم الرضا عن الخدمات العامة ويدفع الناخبين نحو الأحزاب الشعبوية، مع استمرار التحقيق في استجابة الحكومة للجائحة.
منذ تفشي جائحة كورونا وحتّى الآن، لا يزال الساسة والخبراء البريطانيون من مختلف الاتجاهات يطرحون السؤال نفسه: كيف يمكن للبلاد أن تخرج من كَبْوَتها الاقتصادية وتعود إلى مستوى النمو الذي يمكّن الحكومة من الوفاء بالتزاماتها من دون اللجوء باستمرار إلى الاستدانة أو زيادة الضرائب؟ ولا تزال تداعيات الجائحة، تُلقي بظلالها على الاقتصاد البريطاني، وسط مؤشرات على تراجع معدلات النمو، وارتفاع مستويات الدين العام، وتفاقم ظاهرة "كوفيد الطويل" التي دفعت ملايين البريطانيين خارج سوق العمل، ما يزيد الضغوط على المالية العامة وإيرادات الدولة.
وثمة إجماع على أن الاقتصاد البريطاني لا يزال يعاني "لعنة كوفيد" التي تجاوزتها دول كثيرة، يتمثل ذلك في الارتفاع غير المسبوق في الدين العام والبالغ نحو 3 تريليونات جنيه إسترليني وفق أحدث الأرقام، أي ما يزيد عن 96% من الناتج المحلي الإجمالي، وانضمام 1.2 مليون شخص إضافي إلى طوابير المرضى الذين يحصلون على إعانة من الدولة لعدم قدرتهم على العمل، والعبء الضريبي المتزايد الذي يصنف على أنه الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، وتضخم حجم الدولة، وقبل كل شيء، ضعف النمو الاقتصادي، جميعها أعراض دائمة لقرارات اتُّخذت خلال الجائحة. لكن بعض الأضرار حدثت عن طريق الخطأ.
ويشير تقرير حديث لمجلس العموم البريطاني إلى أن الاقتصاد البريطاني واجه صدمات كبيرة منذ عام 2019، وأن الاضطراب الذي سببته جائحة كوفيد منذ ذلك العام كان هائلاً، كما ارتفعت أسعار الطاقة كثيراً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/ شباط 2022. وكان من نتائج هذه الأحداث ارتفاع معدل التضخم إلى أعلى مستوياته منذ أوائل الثمانينيات.
وبحسب مكتب الإحصاءات الوطنية، كانت الأسعار في المملكة المتحدة في إبريل/ نيسان 2024 أعلى بنسبة 22% مقارنة ببداية عام 2021. ومن المتوقَّع أن يخفض بنك إنكلترا أسعار الفائدة هذا الأسبوع لمنع الاقتصاد البريطاني من مواصلة التراجع، في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتأثير الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة على التجارة العالمية بما فيها البريطانية.
ومع تفشي كوفيد قررت الحكومة البريطانية في مارس/ آذار 2020 التدخل بقوة لضمان الأعمال والوظائف ببرنامج إنفاق زادت قيمته عن 93 مليار دولار. ويرصد تقرير لوكالة أنباء بلومبيرغ كيف أصبح الاقتصاد البريطاني الأسوأ أداء بين مجموعة الدول السبع الكبرى في مرحلة ما بعد كوفيد.
وينقل التقرير عن كبير مستشاري وزير الخزانة، تيم لونيغ، وقت تفشي الجائحة قوله إن التدخل بذلك الحجم من الدولة كان خطأ. كان من المفترض أن يغطي البرنامج ما يصل إلى 80% من متوسط الراتب الشهري، أي حتّى 2500 جنيه إسترليني. بكلمات أخرى، كان يُفترض أن يبلغ الحد الأقصى للدفع ألفي جنيه شهرياً، لكن المسؤولين فهموا مسودة اقتراحه خطأ، وظنوا أن الحد الأقصى هو 2500 جنيه.
يقول: "كنا مرهقين تماماً، كما يمكنك أن تتخيل. كنا نعمل طوال الليل. ظننت أننا اتفقنا على 2500 إسترليني، وأن الناس سيحصلون على 80% منها، أي ألفي جنيه. ثم أعلنّاهُ، وقلت: مهلاً، ماذا حدث؟".
وتشير تقديرات حكومية في عام 2023 إلى أن الإنفاق على الجائحة بلغ 373 مليار جنيه إسترليني، أي 13% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أكبر حزمة إنقاذ منذ الحرب العالمية الثانية، وثاني أكبر إنفاق بعد الولايات المتحدة. من هذا المبلغ، ذهبت 90 ملياراً للرعاية الصحية، وأكثر من ضعف هذا الرقم، أي 190 ملياراً، إلى الأسر والشركات. أصبحت شبكة الأمان التقليدية للدولة وكأنها أرجوحة، إذ قامت بإنقاذ "أي شيء وكل شيء"، بحسب ما أقر به لونيغ في مقابلة مع "بلومبيرغ".
حتى ليز تراس، التي لم تستمر في منصب رئيسة الوزراء سوى سبعة أسابيع في 2022، خططت لإنفاق 200 مليار جنيه لإنقاذ الأسر خلال أزمة الطاقة، رغم أنها كانت تصف نفسها بأنها "مؤمنة بدولة صغيرة". ويعتقد لونيغ أن الكثير من الجمود السياسي والاقتصادي الحالي يمكن تتبعه إلى عامَي كوفيد.
وبغض النظر عن طريقة التحليل، وحتى لو لعب خروج بريطانيا الرسمي من الاتحاد الأوروبي في يناير/ كانون الثاني 2021 دوراً، لكان أداء بريطانيا بعد الجائحة أسوأ من نظرائها، إذ كانت الفاتورة باهظة، ولم تشهد أي دولة متقدمة باستثناء إسبانيا زيادة أكبر في عبء الدين بين عامَي 2019 و2022 من المملكة المتحدة.
وبحلول 2024، تصدرت بريطانيا القائمة، مع أكبر زيادة في صافي الدين باعتبارها نسبة من الناتج المحلي الإجمالي من بين 33 دولة متقدمة قام صندوق النقد الدولي بتحليلها. ولم يكن ذلك حتمياً، فقد خفّضت دول مثل الدنمارك والبرتغال وهولندا ديونها.
وبحسب أحدث الأرقام الرسمية فقد اقترب الدين العام البريطاني من 3 تريليونات جنيه إسترليني (4.4 تريليونات دولار) في يونيو/حزيران الماضي، أي ما يعادل 96.3% من الناتج المحلي الإجمالي، بزيادة 0.5 نقطة مئوية خلال عام، وفقاً لمكتب الإحصاءات الوطنية، وهو أعلى مستوى منذ ستينيات القرن الماضي.
وقتها وجدت معظم الدول أن الناس أصبحوا أكثر حرصاً على العمل بعد الجائحة. لكن المملكة المتحدة كانت الحالة الفريدة ضمن مجموعة الدول السبع، إذ تراجعت نسبة المشاركة في سوق العمل، بعدما انتقل أكثر من مليون شخص إلى إعانات المرض والعجز، ما كلّف الدولة 13 مليار جنيه سنوياً. ومع ذلك، لم يجد تقرير صادر عن مجلس اللوردات أي دليل على تدهور صحة السكان كلهم، ووفق الأرقام فقد انهارت الإنتاجية التي تُعد أساس مستويات المعيشة، ولم يتعافَ الناتج المحلي الإجمالي للفرد حتى الآن إلى ما كان عليه قبل الجائحة.
وقال معهد الدراسات المالية إنّ انخفاض الإنتاجية هو السبب الرئيسي في أن متوسط الأجور في بريطانيا في أوائل 2024 كان قريباً من مستوياته في عام 2008، بعد احتساب التضخم. وبحسب تقرير آخر لمجلس العموم فإنّ نمو الإنتاجية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو الأجور على المدى البعيد، كما أن ارتفاع الإنتاجية مفيد للمالية العامة للدولة. إذ تقدّر هيئة مراقبة المالية العامة (مكتب مسؤولية الميزانية) أن زيادة بنسبة نصف نقطة مئوية في النمو السنوي للإنتاجية، مثلاً من 1% إلى 1.5%، يمكن أن تقلل اقتراض الحكومة بنحو 40 مليار جنيه سنوياً.
ترك الدين العام المتضخم في بريطانيا، وأسعار الفائدة المرتفعة، وفاتورة الإعانات المتزايدة، والنمو الضعيف، إرثاً اقتصادياً ساماً. وليس من قبيل المصادفة أن عدم الرضا عن خدمات هيئة الصحة الوطنية وصل إلى أعلى مستوياته منذ بدء استطلاع المواقف الاجتماعية البريطانية عام 1983.
ويُجادل كثيرون أن العقد الاجتماعي الجديد، حيث يسدّد دافعو الضرائب أكثر مقابل خدمات أقل، هو ما يدفع الناخبين نحو حزب ريفورم (الإصلاح) الشعبوي الذي يقوده نايجل فاراج، والذي تُظهر استطلاعات الرأي أنه سيتصدر الانتخابات لو أُجريت اليوم. إن بصمات كوفيد واضحة في هذا الانحدار الاقتصادي، فبعد ما يقارب ثلاث سنوات من إطلاق تحقيق كوفيد في المملكة المتحدة، لا يزال هناك غياب لتقييم رسمي للاستجابة الاقتصادية، ولا توجد مقارنة شاملة بين الدول.
ومن المقرر أن يستمر التحقيق حتى عام 2026، أي ضعف مدة الجائحة نفسها، كما يُتوقع أن تتجاوز تكلفته 200 مليون جنيه، ليكون بذلك الأكثر تكلفة في تاريخ بريطانيا. ويرى لونيغ أن هناك 50 مليار جنيه كان يمكن توفيرها، أي ربع الإنفاق الاقتصادي على الجائحة، ونحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي.