كهرباء السودان...محاولات إصلاح بعد فقدان 70% من القدرة الإنتاجية
استمع إلى الملخص
- تعمل الجهات المختصة على ترميم قطاع الكهرباء عبر مشاريع مشتركة مع مصر وإثيوبيا، مع التركيز على التوليد المائي والطاقة المتجددة، واستبدال الشبكات القديمة بمعدات حديثة، وإشراك القطاع الخاص.
- يُنظر إلى كهرباء سد النهضة كطوق نجاة محتمل، مع اقتراح استئناف الربط الكهربائي مع إثيوبيا ومصر وتخصيص نسبة من إنتاج الذهب لصيانة القطاع وتطوير البنية التحتية.
تعاني منظومة الكهرباء السودانية منذ أعوام اختلالات هيكلية، أبرزها الاعتماد المفرط على التوليد الحراري، الذي تراجع خلال فترة الحرب إلى ما دون 1500 ميغاواط، بفعل تعطل المحطات وخروج كثير منها عن الخدمة نتيجة استهدافها المباشر أو بسبب انعدام الوقود وقطع الغيار. وأسهم امتداد العمليات القتالية إلى مناطق واسعة من الخرطوم وإقليم دارفور، ومن ثم إلى ولاية الجزيرة، في انقطاع التيار الكهربائي بصورة كاملة أو شبه كاملة عن تلك المناطق، ما زاد من تعقيد الوضع الإنساني والتنموي.
وبدأت الجهات المختصة في السودان إعادة ترميم قطاع الكهرباء، الذي شهد انهياراً تمثل في فقدان البلاد أكثر من 70% من قدرتها الإنتاجية للطاقة الكهربائية، وهي قدرة كانت أصلاً لا تلبي سوى نحو 60% من الحاجات الفعلية المقدرة بنحو 3500 ميغاواط. وقد أدى هذا الانحدار الحاد في التوليد الكهربائي إلى تفاقم الأزمة المعيشية وتعميق المعاناة، خصوصاً في ظلّ الانهيار المتزامن للخدمات الأساسية الأخرى بفعل الحرب، ما شكل ضغطاً هائلاً على بنية تحتية منهكة أصلاً من الإهمال والصراعات المتراكمة.
وقال وزير الكهرباء، المعتصم إبراهيم أحمد، إنّ هناك وسائل مستحدثة لحماية المحطات التحويلية من أي اعتداءات، مضيفاً في تصريح صحافي أن هذه الحمايات تتمثل في الحمايات الإلكترونية والحمايات الخاصة لصدّ الهجمات التي تشنّها المليشيا المتمردة، وأكد الوزير توفير المعينات الأساسية لمحاصرة آثار هذه الهجمات، من إطفاء وتعامل هندسي، لتأمين الحماية الكاملة والشاملة. وقال إنّ هناك مشروعاً مشتركاً مع جمهورية مصر العربية في مجال الربط الشبكي لتوفير الطاقة، وهو قيد التنفيذ، يجري بموجبه تزويد السودان بحوالى 230 ميغاواطاً بدلاً من 80 ميغاواطاً كانت في السابق، وإن العمل جارٍ لاستئناف الربط الشبكي مع إثيوبيا، الذي سيعود بأكثر مما هو مقدر له حالياً، أي 90 ميغاواطاً.
هجمات شبه دورية
وشهد السودان خلال الأشهر القليلة الماضية تصعيداً في استهداف البنية التحتية الاستراتيجية، ولا سيّما مرافق إنتاج وتوزيع الكهرباء. وتمثلت أبرز هذه العمليات في الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة على سد مروي، الذي يعد الركيزة الأساسية لإنتاج الكهرباء في البلاد بطاقة إنتاجية تقارب 1250 ميغاواطاً، أي ما يغطي نحو 45% من حاجات السودان الكهربائية، كما تسببت الهجمات في أعطال جزئية بالمحطة الكهربائية في ولايتَي نهر النيل والشمالية، ما دفع شركة كهرباء السودان إلى الإعلان عن إيقاف مؤقت لتشغيل السد لحمايته من أضرار أشد، وهو ما أدى إلى انقطاع كامل للتيار الكهربائي عن عدد من الولايات. ووفق بيان رسمي صادر عن الشركة، فإنّ هذه الهجمات أصبحت شبه دورية، ما يجعل استمرار تشغيل السد يشكل خطراً مباشراً على سلامته.
وقالت اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم إنّ العاصمة تحتاج إلى أكثر من 14 ألف محول كهرباء لتأمين وصول التيار الكهربائي إلى جميع الأحياء والمناطق السكنية، مؤكدة أن الدمار الذي لحق بالقطاع في الخرطوم جرى بطريقة ممنهجة واحترافية عبر الاستعانة بمتعاونين. وقدرت اللجنة حجم الأضرار التي أصابت قطاع الكهرباء بولاية الخرطوم وحدها بنحو 468 مليون دولار، وقالت إنّ الخطة الحالية تعتمد أساساً على التوليد المائي باعتباره الخيار الأكثر استقراراً في ظلّ الظروف الراهنة.
كما شدّدت على أهمية استعادة وصيانة الأبراج الكهربائية العالية التي تعرضت للتدمير، موضحة أن هذه الخطوة ستجري بالاعتماد على الكفاءات والخبرات المحلية دون الحاجة إلى استقدام فرق أجنبية. واعتبرت اللجنة أنّ إعادة تأهيل قطاع الكهرباء تشكل ركيزة أساسية في خطة عودة المواطنين إلى العاصمة الخرطوم، ووضعت حلولاً طويلة الأمد تتطلب التوسع في مشروعات التوليد المائي والطاقة المتجدّدة، واستبدال الشبكات القديمة بمعدات حديثة، والقضاء على التوصيلات غير القانونية، وإشراك القطاع الخاص في الاستثمار بقطاع الطاقة.
محاولات إصلاح
وبموازاة ذلك، يقول المدير العام للشركة السودانية للكهرباء، عبد الله أحمد محمد علي، لـ"العربي الجديد"، إنّ الشركة أكملت إعادة تأهيل وتشغيل أكثر من 25 محطة تحويلية ضمن شبكتَي النقل والتوزيع في الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، ونفذت أعمال صيانة شملت مئات الكيلومترات من خطوط النقل. وأضاف: "نفذنا المرحلة الأولى بإدخال كل المحطات التحويلية والتوزيعية بولاية الخرطوم، التي أصبحت أكثر جاهزية لاستقبال الإمداد الكهربائي، إذ من المتوقع توريد محولات جديدة تباعاً عقب وصول الدفعة الأولى من المحولات، ليجري توزيعها على المحليات في الخرطوم"، وأضاف أن فرق الصيانة بدأت في تركيبها بالأحياء لحل مشكلة القطاع السكني على نحوٍ شبه كامل، خاصة في الأحياء المأهولة بالسكان، مشيراً إلى أن الاحتياجات الفعلية تقدر بنحو 14.300 محول.
وسبق أن وقع السودان مع شركة صينية على توريد سبعة محولات بسعات مختلفة لدعم محطات التوليد، وإعادة استبدال أكثر من 60 ألف محول فُقدت أو تضررت بسبب الصراع.
وقبيل اندلاع الحرب، أشارت الشركة السودانية لتوليد الكهرباء إلى وجود عجز حاد في التوليد الكهربائي يقدر بـ450 ميغاواطاً، وشددت على ضرورة برمجة قطوعات موجهة لتفادي الانهيار الكامل للشبكة. وحينها قال وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، إنّ الشبكة القومية لا تغطي سوى 40% فقط من سكان السودان، ما يبرز التفاوت الكبير في التوزيع الجغرافي للطاقة.
وقبل الحرب، امتلك السودان قدرة إنتاجية تقارب 3 آلاف ميغاواط، معظمها من السدود الكهرومائية، أبرزها سد مروي بقدرة 1250 ميغاواطاً، يليه سد الروصيرص وسد أعالي عطبرة وستيت، إضافة إلى سد سنار بطاقة 20 ميغاواطاً فقط. ودعم التوليد حراري الشبكة عبر محطات في قري شمال الخرطوم وكوستي والفولة وبحري، إضافة إلى محطات ديزل صغيرة في دارفور وشرق السودان وكردفان، لكن الحرب أخرجت أجزاء كبيرة من هذه المحطات عن الخدمة، وانخفض الإنتاج الفعلي إلى أقل من 40% من القدرة الأصلية.
وتقدر الحاجة الفعلية للكهرباء اليوم بأكثر من 3500 ميغاواط، في حين لا يتجاوز الإنتاج المتاح 1200–1500 ميغاواط. وتضررت المحطات الحرارية والشبكات الناقلة، وانعكس ذلك على المحطات الكهرومائية، فيما تُسد الفجوة جزئياً عبر مولدات خاصة باهظة الكلفة، أما الحلول البديلة، مثل الطاقة الشمسية، فمحدودة التطبيق بسبب ارتفاع التكلفة وتعقيدات التركيب والصيانة.
خيار إنقاذ عاجل
وفي ظل هذه الأزمة الخانقة، بدأ التفكير في كهرباء سد النهضة الإثيوبي طوقَ نجاة محتملاً، لكن الطريق محفوف بالمخاطر، أبرزها التمويل الضخم اللازم للربط الكهربائي بين الخرطوم وأديس أبابا، إلى جانب التعقيدات السياسية والإقليمية. ويقول المختص في شؤون الكهرباء إبراهيم عبد الله لـ"العربي الجديد"، إنّ السودان يمتلك تجربة طويلة في استيراد الكهرباء من إثيوبيا، التي كانت تغذي الولايات الشرقية، بما في ذلك ولاية الجزيرة، وتصل الإمدادات لأكثر من أربعة ملايين شخص. وفي العقد الماضي، أتاح خط ناقل بقدرة 220 كيلوفولتاً استيراد نحو 300 ميغاواط بسعر زهيد مقارنة بالتوليد الحراري المحلي.
ومع توقف الاستيراد بسبب صعوبة الالتزام المالي خلال عام 2023، وتدهور الوضع الاقتصادي للحكومة، زادت الأزمة الكهربائية، وتراوحت تكلفة الاستيراد لشهرين متواصلين بين 4.5 و5.6 ملايين دولار، حسب البيانات الرسمية. ويشير مختصون إلى أن وزارة الطاقة أمام خيار حاسم لا يحتمل التأجيل، وهو استئناف الربط الكهربائي مع إثيوبيا عبر خط سد النهضة، بينما تغطي الطاقة المحلية جزءاً ضئيلاً من الاحتياجات. ومع الأزمات التي أصابت قطاع الكهرباء بعد الحرب، يصبح الربط الخارجي طوق نجاة للطاقة على مستوى السودان ككل في الوقت الراهن.
وتؤكد الدراسات الفنية أنّ إثيوبيا تتفوق في التوليد الكهرومائي بفضل تضاريسها الجبلية، إذ يبلغ متوسط تكلفة الكيلوواط/ساعة نحو 1.5 سنت فقط، وتسعى لأن تصبح مركز كهرباء إقليمياً يزود السودان وكينيا وجيبوتي وفق اتفاقيات تصدير مشتركة، كما توجد خطط لإنشاء خط ناقل جديد بقدرة 500 كيلوفولت، مرهون بالتمويل والتفاهمات السياسية، وفق بند من "إعلان المبادئ" لعام 2015. ويؤكد وزير الري الأسبق بالسودان سيف الدين حمد، في تصريحات صحافية، أن الخرطوم يمكن أن تستفيد من الكهرباء الإثيوبية لحل أزمة الطاقة بالبلاد، لكن الكلفة المالية تشكل العقبة الكبرى، إذ يقدر سعر الخط الناقل بنحو 600 مليون دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة السودان التمويلية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. لكنه يرى أن الربط الكهربائي بين السودان وإثيوبيا ومصر قد يكون حلاً عاجلاً لتخفيف الأزمة الطارئة.
ويوضح الخبير الاقتصادي بابكر التوم، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنه قبل إعادة الإمداد إلى أي مدينة مستردة بواسطة الجيش السوداني، يجب معرفة الكميات المنتجة داخل الشبكة من محطات إنتاج الكهرباء، لأن الإنتاج لا يتجاوز 1200 ميغاواط/ساعة في أفضل الأحوال.
ويقول إن البلاد بحاجة إلى إنتاج ما لا يقل عن 2700 إلى 2900 ميغاواط/ساعة للوصول إلى مرحلة اكتفاء جميع الولايات داخل الشبكة العامة للكهرباء، مضيفاً أن هذا مستحيل مع تضاعف الإنفاق العسكري على حساب القطاعات الخدمية الحيوية مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم. ويؤكد أن حل أزمة الطاقة الكهربائية في البلاد مرهون بتخصيص نسبة من إنتاج الذهب لصيانة قطاع الكهرباء، والانتقال إلى مرحلة التطوير بالتوازي مع الصيانة، مع تسريع مشروع زيادة الربط المصري من 70 إلى ألف ميغاواط/ساعة لتغطية العجز.