استمع إلى الملخص
- يعكس التحسن في الودائع تحولاً في السلوك المالي للمواطنين، مدفوعاً بتجربة جائحة كورونا وزيادة الدخول وبرامج الدعم الاجتماعي، مما أدى إلى تعميم ثقافة الدخل المنتظم.
- لعبت السياسات التوعوية دوراً محورياً في زيادة الودائع من خلال مبادرات تثقيفية، مما أدى إلى ظهور جيل جديد بوعي مالي متقدم قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية.
شهدت الودائع المصرفية في سلطنة عمان ارتفاعاً ملحوظاً لتبلغ نحو 85.7 مليار دولار بحلول نهاية يونيو/ حزيران 2025، وفق أحدث بيانات البنك المركزي العماني وتقارير المؤسسات الدولية، ما سلط الضوء على مدى ارتباط قفزة كهذه بنمو قوي خلال الأشهر الماضية، مدفوع بارتفاع ودائع القطاع الخاص بشكل أساسي، وتحديداً الودائع العائلية أو "ودائع الأسر" التي شكلت قرابة نصف إجمالي ودائع القطاع الخاص.
ويعزو خبراء القطاع المصرفي هذا التحسن في ودائع الفئات الشعبية إلى تطوير برامج حكومية للادخار وتوسيع قاعدة الشمول المالي، ضمن توجه عام نحو تحقيق أهداف رؤية عُمان 2040 في تعزيز الاستقرار المالي وتنويع مصادر الدخل، بحسب تقدير نشره "أرابيان غلف بيزنس إنسايت".
أشار التقرير إلى أنّ برامج الادخار الحكومية التي انطلقت خلال الأعوام الأخيرة من خلال محفزات للادخار الشخصي والإلكتروني وتسهيلات فتح الحسابات للشرائح الصغيرة، وفرت الحافز لقطاعات واسعة من العمانيين لإيداع فوائض دخلهم في البنوك، مع استدامة الثقة في القطاع المصرفي. وترتبط القفزة في الودائع المصرفية أيضاً بمستويات الرواتب في السلطنة، التي شهدت تحسناً متزامناً مع النمو الاقتصادي وارتفاع ربحية بعض الشركات المدرجة، ما عزز معدلات الادخار لدى شريحة من المواطنين، وإن ظل هذا التعزيز محدوداً، قياساً بحافز برامج الادخار المباشر وسياسات التوعية المالية الحكومية، بحسب التقدير ذاته.
ويمثل ارتفاع ودائع الأسر وتنامي الإقبال الشعبي على الخدمات المصرفية مؤشراً لاستقرار الاقتصاد والنظام المصرفي العماني، كما يعكس قدرة السلطات على تصميم وتفعيل أدوات ادخارية فعالة للفئات الشعبية، بحسب تقدير أوردته منصة غولف بايس. وبحسب التقدير ذاته، فإن استمرار هذا الاتجاه يحقق هدفين مهمين للسلطنة، الأول هو تعزيز تطور القطاع المصرفي في بيئة تنافسية تتسع فيها القاعدة الشعبية للودائع، فيما يتمثل الهدف الثاني في دعم جهود الحكومة نحو خفض الاعتماد على الإيرادات النفطية عبر تنمية الاستثمارات المحلية وزيادة السيولة في الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي العماني خلفان الطوقي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ الارتفاع الملحوظ في معدلات الإيداعات البنكية للأفراد في سلطنة عمان تعد مؤشراً إلى تحول ملحوظ في السلوك المالي للمواطنين، وهو ما يعزوه إلى سلسلة من العوامل العميقة التي شكلت وعياً مجتمعياً جديداً بالادخار والإدارة المالية الشخصية.
ويوضح الطوقي أنّ جذور هذا التحول تعود جزئياً إلى تجربة جائحة كورونا، التي أثرت في وعي الناس تجاه المخاطر المفاجئة، وجعلتهم أكثر إدراكاً لأهمية التحوط المالي، وضرورة بناء مظلة اقتصادية تحميهم في أوقات الأزمات.
وإلى جانب الصدمة التي أحدثتها الجائحة، يلفت الطوقي إلى أنّ ارتفاع دخول الأفراد يساهم في تعزيز القدرة على الادخار، لا سيما مع التحسن التدريجي في الدخل، وتوسع برامج الدعم الاجتماعي التي أطلقتها الدولة، وعلى رأسها برنامج منافع كبار السن، الذي يقدم دعماً شهرياً يقارب 300 دولار للمواطنين الذين تجاوزوا سن الـ60، إلى جانب برامج دعم الأرامل، والأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، والتي ساهمت جميعها في تعميم ثقافة الدخل المنتظم وتحفيز إدارة الموارد المالية بحكمة.
كما لعبت السياسات التوعوية دوراً محورياً في التحول نحو زيادة الودائع، من خلال مبادرات أطلقتها وزارة الاقتصاد، إلى جانب البرنامج الوطني للاستدامة المالية، الذي ركز على تثقيف الأفراد بأهمية التخطيط المالي، ومخاطر الديون، وآليات الادخار الفعال، بحسب الطوقي، مشيراً إلى أنّ هذا الدعم المؤسسي ساهم في تمكين الأفراد من اتخاذ قرارات مالية أكثر وعياً، وفهم الفرق بين الاستثمار الحقيقي، الذي يولد قيمة حقيقية، والاستثمار الوهمي أو المضاربات العالية المخاطر.
ومن نتائج هذه التراكمات، بحسب الطوقي، ظهور جيل جديد من الأفراد يتمتع بوعي مالي متقدم، يدرك أهمية تحديد الأولويات، ووضع خطط مالية طويلة الأجل، واتباع أساليب استثمار مدروسة، مشدداً على أنّ وصف هذا التحول بـ"زيادة الوعي" هو الأكثر دقة، إذ لا يقتصر الأمر على ارتفاع الإيداعات فحسب، بل يتعداه إلى تغيّر جوهري في النظرة تجاه المال والادخار والمستقبل الاقتصادي.
ويخلص الطوقي إلى أن ما تشهده عمان اليوم ليس مجرد ارتفاع كمّي في الأرصدة المصرفية، بل تحول نوعي في الثقافة المالية، شكلته تجربة الأزمات، وارتفاع الدخل، وفعالية البرامج الحكومية، والتوعية المستمرة، وكلها عوامل تساهم في بناء مجتمع أكثر استقراراً من الناحية المالية، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية المستقبلية.