قدرة الجزائريين الشرائية تتآكل... ترقب شعبي لزيادات الأجور بقانون المالية الجديد

12 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 05:06 (توقيت القدس)
أسواق الجزائر، الجزائر في 12 مارس 2023 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يترقب الجزائريون قانون المالية الجديد على أمل زيادات في الأجور لمواجهة التضخم وتراجع قيمة العملة، رغم عدم وجود أعباء ضريبية جديدة.
- يعتمد الاقتصاد الجزائري بشكل كبير على إيرادات النفط، مما يعرضه لمخاطر، حيث يعد متوسط الأجور من الأضعف في المنطقة، مع تضخم مرتفع وتدهور في قيمة الدينار.
- تتوقع الموازنة العامة زيادة في الإيرادات الجبائية، لكن مع تراجع عائدات الجباية البترولية، مما يستدعي حلولًا مالية جذرية لتحسين الوضع الاقتصادي.

يترقب المواطنون الجزائريون، في الوقت الراهن، الاطلاع على قانون المالية للسنة المقبلة، لعله يتضمّن نفحةً من أمل في زيادات في أجور العمال تساهم في مواجهة تحديات التراجع المزمن للقدرة الشرائية، جراء تضافر عوامل اقتصادية أبرزها تواصل التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية. وعلى الرغم من تأكيد عدم تضمن بنود قانون المالية أعباء ضريبية جديدة قد تُثقل كاهل الأسر، فإن هذا الأمر يعني بقاء الوضع على حاله في أفضل الحالات، بينما قد تعاني العائلات ذات الدخل المحدود من عدم القدرة على تغطية احتياجاتها، بسبب حالة الغلاء في أسعار مختلف المنتجات الاستهلاكية.

تدهور القدرة الشرائية، تبعاً لذلك، لم يعد مجرد رقم اقتصادي، بل أصبح أزمة معيشية حقيقية تدفع بالكثير من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص استهلاكها، ليس فقط في الكماليات، بل حتى في بعض الضروريات. كما تزايدت مظاهر الاستدانة واللجوء إلى القروض، وارتفعت معدلات القلق الاجتماعي والهجرة بغرض الحصول على موارد مالية أفضل، خاصة بين فئة الشباب.

أجور الجزائريين الأضعف عربياً

في تحليله الوضع الاقتصادي للبلاد وتأثيره المباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، أوضح الخبير في الشأن الاقتصادي فريد بن يحيى أن مردّ ذلك يعود إلى اعتماد الجزائر بشكل رئيسي على إيرادات صادرات النفط، التي تشكّل حوالي 97% من إجمالي الدخل الوطني. وعلى الرغم من الدعوات المتكررة إلى تنويع الاقتصاد وتحسين الصادرات خارج قطاع المحروقات، إلا أن هذا التحول لم يتحقق بشكل ملموس، مما يعرض الاقتصاد لمخاطر كبيرة. وأشار الخبير، في حديثه مع "العربي الجديد"، إلى أن مقارنة سلّم الأجور في الجزائر على مستوى المنطقة العربية تضع البلاد في ذيل الترتيب، إلى جانب كل من سورية ومصر، حيث لا يتجاوز متوسط الدخل الشهري في الجزائر عتبة 300 دولار فقط، في حين يتعدى هذا المتوسط 2000 دولار شهرياً في العديد من الدول العربية الأخرى، وهو فارق كبير يعكس حالة التراجع في القدرة الشرائية. وقد أبدى استغرابه من عدم مراجعة سلم أجور العمال منذ سنوات رغم تغيّر المعطيات الاقتصادية.

واستعرض بن يحيى موضوع ما يعرف اقتصادياً بـ "تعادل القدرة الشرائية" من خلال دراسة الإحصاءات التي تتناول حوالي 50 منتجاً وخدمة، ومقارنتها بمعدلات التضخم، حيث يتبين أن التضخم مرتفع جداً، بينما لا تعكس الأرقام الرسمية الواقع الحقيقي، لأنها تعتمد في حساباتها على سلة من المنتجات لا تتجاوز 10 مواد "أساسية"، معظم أسعارها مدعمة من الدولة، مما يؤدي إلى تراجع حقيقي في القدرة الشرائية للمواطنين. ومن جانب آخر، أشار الخبير إلى التدهور المستمر لقيمة الدينار الجزائري مقارنة بأهم العملات العالمية، وخاصة اليورو والدولار، ما يتطلب حلولاً مالية جذرية تُعالج أصل المشكلة، وتعيد للعملة المحلية جزءاً من قيمتها، وتمنحها القوة الشرائية اللازمة في السوق المحلية.

وتعاني القدرة الشرائية للأسر الجزائرية في السنوات الأخيرة من تراجع ملحوظ بات يشكل مصدر قلق يومي للمواطنين، حيث ينعكس هذا التدهور سلباً على جودة الحياة والاستقرار الاجتماعي. ولم يعد هذا التأثير يقتصر على الفئات الهشة فقط، بل أصبح يشمل شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة، التي لطالما كانت العمود الفقري للاستهلاك الوطني. ولهذا، يؤكد الخبير ضرورة إعادة النظر في سلم الأجور بما يتناسب مع الوضع الحالي للسوق، وذلك بناء على دراسة معمقة تضع في الاعتبار التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها البلد.

جباية واقتطاعات مباشرة من الأجور

وفي ظل استمرار تآكل القدرة الشرائية للجزائريين، تندرج الموازنة العامة للدولة، بحسب ما جاء في مشروع قانون المالية لسنة 2026، في إطار استمرارية المسار الميزانياتي المعتمد سابقاً، ما يجدّد تأكيد الالتزام بنهج استراتيجي متوسط المدى يرتكز على تحسين ضبط النفقات العمومية، وكذا على تطور مستمرٍ ومؤطر للإيرادات الجبائية كمصدر أول لدخل الخزينة العمومية عبر مختلف الاقتطاعات، وفي مقدمتها تلك المباشرة من الأجر. وتشير وثيقة المشروع إلى توقعات بأن تبلغ قيمة إيرادات الميزانية نحو 8009 مليارات دينار جزائري (حوالي 59.3 مليار دولار) سنة 2026، لترتفع إلى 8187.2 مليار دينار (حوالي 60.6 مليار دولار) سنة 2027، قبل أن تواصل منحاها التصاعدي لتبلغ 8412.7 مليار دينار (حوالي 62.3 مليار دولار) سنة 2028.

ويعكس هذا التطور تعبئة متزايدة للموارد الجبائية وتحسيناً في أداء مداخيل الدولة، إذ يُتوقع أن تتراجع عائدات الجباية البترولية المقيدة في الميزانية من 2697.9 مليار دينار (حوالي 20 مليار دولار) سنة 2026 إلى 2588.4 مليار دينار (حوالي 19.2 مليار دولار) سنة 2027، ثم إلى 2513.5 مليار دينار (حوالي 18.6 مليار دولار) سنة 2028. في المقابل، من المتوقع أن تسجل الإيرادات خارج الجباية البترولية معدل نمو سنوياً متوسطاً قدره 1% خلال الفترة 2026 - 2028، مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع الإيرادات الجبائية، التي يتوقع أن تنمو بمعدل يقارب 6.6% سنوياً على امتداد فترة التوقعات.

ومع ذلك، سيفضي المسار المتوقع لإيرادات ونفقات الميزانية إلى تسجيل عجوزات متتالية في الرصيد الإجمالي للخزينة، حيث يقدر العجز بـ 5186.6 مليار دينار (حوالي 38.4 مليار دولار) سنة 2026، أي ما يعادل 12.4% من الناتج الداخلي الخام، ليتراجع إلى 5133.8 مليار دينار (حوالي 38 مليار دولار) سنة 2027 (11.4% من الناتج الداخلي الخام)، ثم إلى 5417.1 مليار دينار (حوالي 40.1 مليار دولار) سنة 2028، بما يمثّل 11.2% من الناتج الداخلي الخام.

المساهمون