فرص واعدة أمام قطاعي التأمين والمصارف في سورية بعد إلغاء قانون قيصر

20 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 22:00 (توقيت القدس)
مقر مصرف سورية المركزي في دمشق، 16/12/2024 (رويترز)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فرص وتحديات قطاع التأمين: بعد رفع العقوبات، يواجه قطاع التأمين السوري فرصة للانتعاش عبر إصلاحات قانونية وإعادة التموضع في السوق، مع تحديات تشمل انعدام الأمن والتضخم وهجرة الكفاءات والفساد.

- إصلاحات في سوق التأمين: تعمل الحكومة على إعادة هيكلة القطاع من خلال تحسين الشفافية وتوسيع المنتجات التأمينية، مع جهود لمكافحة الفساد وتجديد الدماء، وتوقعات بتطور التأمين الصحي مع الميثاق الوطني للصحة.

- آفاق القطاع المصرفي: رفع العقوبات يتيح للمصارف السورية الاندماج في النظام المالي الدولي، مع تحديات في استعادة الثقة وتحديث التشريعات، وتوقعات بنمو عدد المصارف بحلول 2030.

يرى خبراء في صناعة التأمين السورية أن هناك فرصة لانتعاش هذا القطاع من خلال إصلاحات قانونية بعد رفع العقوبات الأميركية، إلا أنهم يربطون هذا التفاؤل بتجاوز الكثير من التحديات التي تواجه القطاع، مثل انعدام الأمن والتضخم وهجرة الكفاءات، الأمر الذي من شأنه التأثير على قدرة الشركات، هذا بالإضافة لتجاوز آثار الفساد الذي استشرى في قطاع التأمين الحكومي أيام النظام البائد، حيث كشفت تحقيقات الجهاز المركزي للرقابة المالية فساداً وخسائر بمليارات الليرات في القطاع العام خلال السنوات الماضية.

اليوم، وبعد سنوات من العزلة لسوق التأمين السورية وإلغاء قانون قيصر بشكل نهائي، يبدو أن الوضع سيأخذ مساراً مختلفاً، الأمر الذي يعني مزيداً من التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية.

يقول المستشار التأميني المهندس سامر العش في حديث لـ"العربي الجديد" إن رفع قانون قيصر في ديسمبر/كانون الأول 2025 يشكل محطة مفصلية في المسار الاقتصادي السوري، ويُعدّ من أبرز التحولات التي شهدها الاقتصاد خلال العقد الأخير، لما يحمله من انعكاسات مباشرة على القطاعات الإنتاجية والمالية، وفي مقدمتها قطاع التأمين الذي ظل سنوات طويلة مكبلاً بعقوبات رفعت كلف التشغيل، وضيقت هامش الحركة، وأضعفت القدرة على النمو.

ويضيف العش أنه ومع بدء مرحلة ما بعد العقوبات، تبرز أمام السوق السورية فرصة حقيقية لإعادة التموضع والانطلاق من جديد، شريطة أن تُدار هذه المرحلة بعقلية إصلاحية عميقة، لا بالاكتفاء بزخم سياسي مؤقت.

التأمين بعد رفع العقوبات

وتابع العش: "خلال السنوات الماضية، كانت العقوبات تشكل عبئاً مضاعفاً على شركات التأمين، إذ حالت دون تدفق الاستثمارات الخارجية، ورفعت كلف إعادة التأمين، وأثقلت الشركات بمخاطر قانونية وتنظيمية إضافية، كما انعكس ذلك مباشرة على أسعار التأمين، خاصة على الشحنات والمشاريع الكبرى، ومع إلغاء العقوبات الأميركية باعتباره خطوة أساسية على طريق التعافي وإعادة الإعمار، ستبدأ ملامح تحسّن تدريجي تظهر في البيئة التشغيلية للقطاع".

 ويتوقع أن ينعكس ذلك على خفض التكاليف، وتوسيع قاعدة المنتجات التأمينية، وعودة الشراكات العربية والدولية، لا سيما في مجال إعادة التأمين ، إلا أن هذا التحسن الخارجي لا يُغني عن معالجة الاختلالات الداخلية في بعض المؤسسات التأمينية، الأمر الذي يؤكد أن استعادة الثقة تتطلب إصلاحاً مؤسسياً حقيقياً، لا مجرد رفع للعقوبات.

واقع السوق اليوم

وقال العش إنه يعمل في السوق السورية حالياً حوالي 13 شركة تأمين رئيسية، يتركز نشاط معظمها في التأمينات الإلزامية، لا سيما تأمين المركبات. وقد أدى التضخم وتراجع القدرة الشرائية وهجرة الكفاءات إلى تقلص حجم السوق خلال السنوات الماضية.

ومع ذلك، تشير هيئة الإشراف على التأمين إلى توجه واضح نحو إعادة تنشيط القطاع عبر تحسين مستويات الشفافية، وتعزيز الحوكمة، وجعل السوق أكثر جاذبية للمستثمرين، خاصة مع التحسن المتوقع في العلاقات المالية والمصرفية الخارجية.

كما تتجه الخطط الحكومية إلى توسيع نطاق المنتجات التأمينية لتشمل التأمين الصحي والزراعي، بما يسهم في دعم القطاعات الإنتاجية والخدمية، ويعيد إلى التأمين دوره أداةَ استقرار اقتصادي واجتماعي.

في هذا السياق، جاءت قرارات وزير المالية بحل مجلس إدارة الاتحاد السوري لشركات التأمين، وحل اتحاد وكلاء ووسطاء التأمين، وتشكيل لجان مؤقتة لإدارة شؤونها، خطوةً جريئةً تعكس توجهاً رسمياً لإعادة هيكلة القطاع من جذوره.

هذه القرارات، التي وصفها الوزير بأنها بداية لمسار إصلاحي لا نهاية له، تهدف إلى مكافحة الفساد، وتجديد الدماء، وبناء مجالس إدارة أكثر كفاءة، بما يعزز ثقة السوق والمستثمرين على حد سواء.

وتطرق العش إلى التأمين الصحي الذي يرى أنه سيشهد تطوراً لافتاً خلال عام 2026، خاصة بعد توقيع وزارتي الصحة والمالية الميثاق الوطني للصحة، الذي يهدف إلى تحقيق تغطية صحية شاملة لجميع السوريين بحلول عام 2030 ،حيث ترتكز الخطة على توفير خدمات مجانية لمحدودي الدخل، مع مساهمات رمزية للفئات المقتدرة، إضافة إلى تحديث الأنظمة الصحية، وربطها إلكترونياً، وإطلاق حملات طبية وطنية واسعة، في محاولة جادة لإعادة بناء منظومة الرعاية الصحية التي تضررت بشدة خلال سنوات الحرب.

وختم كلامه بالقول: إن رفع العقوبات يفتح الباب أمام تعاف حقيقي لقطاع التأمين في سورية، لكنه لا يضمن النجاح تلقائياً ، فالمرحلة المقبلة تتطلب قرارات إصلاحية جريئة، واستعانة بخبرات متخصصة، وتبني أدوات رقابة حديثة، إلى جانب الاستثمار في التدريب وبناء القدرات.

الفرصة اليوم متاحة، وقد لا تتكرر، والرهان الحقيقي ليس فقط على رفع العقوبات، بل على القدرة على تحويل هذا التحول السياسي إلى إصلاح اقتصادي مستدام يعيد الثقة، ويضع قطاع التأمين في موقعه الطبيعي أحدَ أعمدة الاستقرار والنمو في الاقتصاد السوري.

الجدير بالذكر بأنه وقبل الحرب، كان قطاع التأمين قد شهد ازدهاراً، خاصة مع قدوم الاستثمارات، وبدأت تنتشر ثقافة التأمين إلى أن اشتعلت الحرب وجاءت معها العقوبات التي حرمت الشركات من معيدي التأمين العربية والأجنبية، وبقيت شركة الاتحاد العربي لإعادة التأمين هي الوحيدة التي تعمل في السوق، وكان تركيز شركات التأمين خلال سنوات الحرب على منتجات التأمين الخاصة بالصحة والإلزامي وخاصة السيارات.

وتعتبر الانطلاقة الكبرى لشركات التأمين الخاصة في سورية عام 2006 من خلال تأسيس سبع شركات لتتبعها ثلاث شركات أخرى في العام 2007 وشركتان خلال العام 2008، ليصبح العدد 13 شركة خاصة من أصل 14 شركة، مقابل مؤسسة حكومية واحدة فقط.

أوضاع المصارف

والمصارف هي الأخرى سيكون لها نصيبها من الانفتاح بعد رفع قانون قيصر، كما يقول الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر في مقابلة مع "العربي الجديد"، حيث يرى أن إعلان رَفْع العقوبات الأميركية؛ سيفتح أمام المصارف السورية آفاقاً جديدة لإعادة البناء والاندماج في النظام المالي الدولي، بعد سنوات من القيود التي أثَّرت على نشاطها وقدرتها على التعامل مع المصارف العالمية، هذا التطوُّر يُمثِّل فرصة مُهمَّة لتعزيز القطاع المصرفي، ودَفْع عَجَلة الاقتصاد، وتحفيز الاستثمارات المحلية والخارجية؛ إذا ما جرى استثمارها بشكلٍ مدروس ومُتوازِن. 

وأضاف السيد عمر أن إلغاء العقوبات يُتِيح للمصارف السورية العودة تدريجياً إلى الشبكات المالية الإقليمية والدولية، ما يُسهِّل عمليات التحويل المالي والتَّعامُل مع المصارف الدولية، ويُسهم في تمويل المشاريع الاستثمارية. يمكن لهذا التحرك أن يدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تُشكّل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، ويُحفِّز النشاط في قطاعات متعددة مثل الصناعة والزراعة والخدمات. 

وقال إن رَفْع العقوبات يتيح فرصة لتطوير البنية التحتية المصرفية، بما في ذلك اعتماد التكنولوجيا الحديثة في العمليات البنكية، وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني، فالتحديث التكنولوجي يُسهم في تحسين كفاءة المصارف، وزيادة شمولية النظام المالي، وتمكين المواطنين في المناطق النائية من الوصول إلى الخدمات المصرفية بسهولة، ما يُعزّز الاستقرار المالي والاجتماعي على حدّ سواء. 

لكن ورغم الفرص الواعدة، يرى السيد عمر أن المصارف السورية تواجه تحديات حقيقية، من أبرزها: استعادة ثقة المودعين والشركاء الدوليين بعد سنوات من القيود التي قلَّلت مِن إقبال العملاء على التعامل مع البنوك المحلية، وحَدَّتْ من قُدرة المصارف على إجراء التحويلات الدولية وجذب الاستثمارات الأجنبية، وأن إعادة بناء هذه الثقة تتطلَّب تطبيق معايير مهنية واضحة في إدارة المخاطر، وتعزيز الشفافية في العمليات المصرفية، بما يطمئن العملاء والشركاء على سلامة أموالهم. 

وبحسب الخبير الاقتصادي، يبقى خطر ضعف السيولة أو تقلُّبات أسعار العملات والتضخم عاملاً يُهدِّد استقرار القطاع المصرفي، ويتطلب هذا من البنوك إدارة دقيقة للمخاطر والسيولة؛ لضمان قدرة النظام المالي على مواجهة الصدمات الاقتصادية المفاجئة، والاستفادة الكاملة من رَفْع العقوبات. 

نجاح المصارف السورية في هذه المرحلة، كما يراها السيد عمر، لا يمكن تحقيقه دون دور فاعل للحكومة، يشمل ذلك تحديث التشريعات المالية والنقدية، وتطوير منهج العمل في القطاع المصرفي، وتطبيق المعايير الدولية بما في ذلك الالتزام بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كما يشمل تعزيز الشفافية، وتوفير بيئة تنظيمية واضحة تُشجّع على الاستثمار وتَحْمي حقوق جميع الأطراف، بما يُعزّز الثقة في النظام المالي.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للحكومة أن تلعب دوراً في دعم برامج تدريبية للمصرفيين، وتسهيل إدخال نُظم إدارة المخاطر الذكية، وتحفيز استخدام التكنولوجيا الحديثة في العمليات البنكية. كلّ ذلك يُسهم في تحسين الأداء المالي، وزيادة قدرة المصارف على تمويل المشاريع الحيوية، ودعم القطاعات الاقتصادية المختلفة، بما يؤدي إلى تعزيز النمو المستدام وتحسين مستوى معيشة المواطنين. 

رَفْع عقوبات "قيصر" يُمثّل نقطة تحوُّل مهمة للقطاع المصرفي السوري حيث يُوفِّر فرصاً كبيرة للنمو والتطوير، لكنّه يأتي أيضاً مع تحديات تتطلب إدارة حَذِرة وحكمة، فنجاح المصارف السورية يعتمد على قدرتها على استعادة الثقة، وتطوير البنية التحتية والتكنولوجية، وتعزيز إدارة المخاطر، مع دَعْم حكومي فعَّال في تحديث التشريعات وتطبيق المعايير الدولية.

يذكر أن القطاع المصرفي السوري يتكون من 21 مصرفاً، تتوزع بين ستة مصارف حكومية و15 مصرفاً خاصاً ، ويتوقع وفق تصريحات حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر حصرية أن يتضاعف هذا الرقم مع حلول العام 2030، بالتوازي مع بدء بنوك أجنبية بإجراءات الحصول على التراخيص اللازمة ، حيث من المتوقع أن يُرخَّص لأكثر من 30 مصرفاً.