فراغ تجاري في باكستان... ترحيل الأفغان يغير ملامح الأسواق
استمع إلى الملخص
- لعب الأفغان دوراً حيوياً في الاقتصاد الباكستاني على مدى العقود الأربعة الماضية، حيث أداروا مشاريع تجارية وساهموا في حركة التصدير والاستيراد، مما نشط الحركة التجارية وربط الأسواق بشبكات خارجية.
- خروج الأفغان أدى إلى انخفاض الاستثمارات وتراجع الاستهلاك، مما أثر على القطاعات المعتمدة على الوجود الاقتصادي الأفغاني، وخلق تحديات كبيرة أمام صغار التجار.
أحدثت مغادرة اللاجئين الأفغان من باكستان خلال الفترة الأخيرة تحولات واضحة في بنية الأسواق والتجارة المحلية، خاصة في المدن والمناطق التي كانت تعتمد بشكل كبير على النشاط الاقتصادي الذي يديره أو يشارك فيه الأفغان، مثل إقليمي خيبربختونخوا وبلوشستان في شمال وجنوب غرب باكستان. إذ أصبحت الأسواق المشهورة في الإقليمين شبه خاوية، وتغيرت ملامحها بشكل كامل أو شبه كامل بعد مغادرة الأفغان. وكان من بين تلك الأماكن أسواق كان يقصدها الباكستانيون من جميع ربوع البلاد، مثل أسواق كارخاني المجاورة، وصدر بازار المجاورة لمدينة بيشاور، والتي كانت تباع فيها البضائع الأجنبية التي كانت تدخل عبر الحدود الأفغانية - الباكستانية بطرق غير شرعية، وبالتالي كانت أرخص من المنتجات المحلية لعدم دفع الضرائب عليها.
حضور شامل
وشكّل الأفغان، على مدى العقود الأربعة الماضية، عنصرا مهما وحيويا في دورة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك داخل باكستان، وكان حضورهم ملموسا جدا في بعض القطاعات، مثل المشاريع التجارية الصغيرة، وعمليات التصدير والاستيراد من دول الجوار وإليها مثل الصين أو الإمارات ودول الخليج، وبين باكستان وأفغانستان نفسيهما، علاوة على الاستثمارات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة في سوق العقار، ولا سيما بناء الأسواق والمحال التجارية والمباني الصناعية.
في هذا الشأن، يقول التاجر الباكستاني محمد زمان أفريدي، الذي يعمل في سوق كارخاني بمدينة بيشاور منذ أكثر من ثلاثين عاما، لـ"العربي الجديد"، إن الأفغان شكلوا عنصرا أساسيا وحيويا في دورة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك داخل باكستان، وإن حضورهم، على مدى أربعة عقود، شكّل جزءا لا يمكن فصله عن الحركة اليومية للأسواق، خصوصا في القطاعات التي تعتمد على رأس المال الصغير وسرعة التداول.
كما يوضح التاجر أن آلاف المشاريع التجارية الصغيرة المختلفة كانت تدار أو تمول من جانب أفغان، ما أسهم في تنشيط الأسواق وربطها بشبكات تجارية خارجية، مشيرا إلى أن الأفغان لعبوا دورا محوريا في حركة التصدير والاستيراد، سواء بين باكستان وأفغانستان أو مع دول الجوار مثل الصين والإمارات، حيث كانت لهم علاقات تجارية راسخة وخبرة في إدارة سلاسل التوريد.
كذلك يقول خان زيب شينواري، صاحب أحد أسواق كارخاني بازار، لـ"العربي الجديد": لدي سوق كامل يضم 40 محلا، كانت فيه ضجة كبيرة طوال النهار قبل خروج الأفغان، وكان التجار يدفعون لي مسبقا الأموال كي أوفر لهم محلا، وكان العديد من التجار يلحون ويصرون، بل كانوا يدفعون الأموال لكي أبني طابقا آخر لأنهم كانوا بحاجة إلى المحلات.
الآن، وبعد خروج الأفغان، من بين 40 محلا أصبحت 18 مغلقة وفارغة، لأن التجار الأفغان كانوا قد استأجروها والآن خرجوا. أما الباقي فسيغلق قريبا، إذ لا يوجد زبائن. كان الأفغان يصرفون الأموال، فمعظمهم كان أفراد عائلاتهم في دول أجنبية، وكانوا يرسلون لهم الأموال وهم كانوا يصرفونها هنا. أما الباكستانيون فوضعهم المعيشي ليس بتلك الدرجة، ثم نحن الباكستانيين مشكلتنا أننا نهتم بالحسابات البنكية أولا ثم نصرف باحتياط وحذر شديدين، وبالتالي لا نصرف الأموال كما كان الأفغان يصرفونها.
خسارة يصعب تعويضها
يوضح التاجر أن الخسارة التي لحقت بالتجار المحليين لن تعوض، والمسؤول عنها الحكومة الباكستانية. ويضيف: "لا أدري أي منطق يقول لهم أن يخرجوا هؤلاء المستثمرين والتجار، كانت لديهم أموال طائلة، كلهم الآن انتقلوا إلى أفغانستان، وحكومة طالبان توفر لهم ما يحتاجون"، مشيرا إلى أن بعض الباكستانيين من القبائل البشتونية أيضا ينوون نقل استثماراتهم وأموالهم إلى أفغانستان، خاصة الذين كانت لهم شراكات أو تعاملات قوية مع الأفغان، لأن الوضع التجاري يتدهور في باكستان بشكل متواصل.
ومن الأسواق المشهورة التي تأثرت بشكل كبير في شمال غرب باكستان، بالإضافة إلى أسواق كارخاني: أسواق صدر بازار، وبورد بازار، ومينه بازار، وخيبراو شوبه بازار، وكذلك سوق الخضار والفواكه. ولا شك أن أسواق إقليم بلوشستان هي الأخرى تأثرت إلى حد كبير بسبب خروج الأفغان. ومن أشهر تلك الأسواق، أسواق كجلاك، وسوق تشمن، وأسواق مدينة كويته، وسوق الخضار والفواكه.
وفي هذا الشأن يقول التاجر المحلي في سوق كجلاك، ويدعى نصر الدين كاكر، لـ"العربي الجديد": "صدقني، كنا نمشي في سوق كجلاك ونستغرق ساعة كي نخرج من أول السوق إلى آخره، الآن نتجول فيه بالدراجة النارية، ولا توجد فيه إلا أعداد قليلة من التجار الذين فتحوا محالهم من دون زبائن. تلك الأسواق، وأسواق أخرى، قد دمرت بشكل كامل، وهذا ليس فقط تدمير الأسواق، بل هو تدمير حياة آلاف من الناس. في باكستان، الناس يحتاجون إلى لقمة العيش، وفي تلك الأسواق كان آلاف من الناس يعملون. كان الباكستانيون يستفيدون من وجود الأفغان وأموالهم، ولكن بسبب السياسات العدائية للحكومة الباكستانية مع القبائل البشتونية، دمر قطاع التجارة والأسواق في شمال وجنوب غرب باكستان".
كما يذكر الرجل أن أسواق مدينتي كراتشي ولاهور أيضا قد تأثرت إلى حد ما، حيث كان رجال أعمال أفغان يديرون مصانع ومراكز تجارية متوسطة وكبيرة، توفر فرص عمل وتغذي الأسواق المحلية بالمنتجات. ومع خروج هؤلاء المستثمرين، تراجعت الاستثمارات التشغيلية، وتباطأت حركة بعض القطاعات الصناعية والتجارية، ما أدى إلى انخفاض المعروض في بعض السلع وارتفاع أسعار أخرى.
كتلة استهلاكية كبيرة
علاوة على ما سبق، كان الأفغان يشكلون شريحة واسعة من الزبائن في الأسواق المحلية، ويشترون يوميا المواد الغذائية والملابس والأدوات المنزلية والوقود ومستلزمات العمل. ومع خروجهم، شهدت أسواق عديدة انخفاضا في الطلب، ما انعكس على حجم المبيعات اليومية. ومن هنا لم تعد الحركة التجارية في أسواق خيبربختونخوا وبلوشستان كما كانت، ما دفع الكثير من الأسواق إلى تقليص عملها ونشاطها أو إغلاقها. وتأثر بشكل خاص عدد من الأسواق المتخصصة التي كان للأفغان فيها دور محوري. ففي بيشاور، تشير تقديرات التجار إلى أن نسبة كبيرة من تجارة الذهب والمجوهرات، إضافة إلى السجاد والأحجار الكريمة والصرافة، كانت تعتمد على تجار أفغان. ومع مغادرتهم، فقدت هذه الأسواق جزءا أساسيا من رأسمالها المتداول، ومن شبكاتها التجارية التي كانت تمتد إلى مدن باكستانية أخرى وإلى الخارج.
وفي تعليق له، يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي سيد عد الودود أجكزاي أن خروج هذه الكتلة الاقتصادية الكبيرة والمهمة دفعة واحدة أحدث فرقا واضحا في الأسواق، ولا يقتصر تأثيره على نقص العمالة أو رأس المال، بل يمتد إلى تراجع سرعة دوران الأموال، وضعف شبكات التوزيع، وتباطؤ عمليات الاستيراد والتصدير التي كانت تعتمد على خبرات وعلاقات بناها الأفغان عبر سنوات طويلة. مؤكدا في حديثه لـ"العربي الجديد" أن الأسواق الباكستانية ستحتاج إلى فترة طويلة من الزمن لإعادة بناء هذا التوازن، لأن ما فقد ليس مجرد أياد عاملة أو مستهلكين فقط، بل منظومة اقتصادية متكاملة كانت جزءا من نبض السوق اليومي في تلك المناطق. لكن، مع الأسف الشديد، لم يقدر صناع القرار في باكستان ذلك، ولعل حساباتهم تختلف عن حسابات عامة الناس والتجار والمستثمرين.
ويوضح الأستاذ الجامعي أن مغادرة الأفغان أثرت بشكل مباشر على الأسواق الباكستانية من خلال مسارات مختلفة، أبرزها، انخفاض الاستثمارات، وتراجع الاستهلاك، علاوة على نقص اليد العاملة وارتفاع تكاليف التشغيل، ما يشكل تحديا حقيقيا أمام صغار التجار والقطاعات التي كانت تعتمد بشكل كبير على الوجود الاقتصادي الأفغاني، مثل أسواق المجوهرات والسجاد، وتجارة العسل والفواكه والخضار التي كانت تستورد من أفغانستان، وغيرها.