استمع إلى الملخص
- أطلقت الحكومة خطة للتوازن المالي تضمنت تخفيض الإنفاق وإصلاحات مثل ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5%، مما ساعد في تحقيق فوائض متتالية في الميزانية منذ 2022.
- يؤكد الخبير خلفان الطوقي أن السياسات الاقتصادية تركز على خفض المصاريف ورفع الإنتاجية، مما يعزز الكفاءة ويستعد لمواجهة تذبذبات أسعار النفط.
تسعى سلطنة عُمان إلى تحقيق استقرار مالي غير مسبوق من خلال سياسة إنفاق عام متشددة تقود نحو تقليل الإنفاق الحكومي إلى 32% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بعد سنوات من العجوزات المالية والاستدانة، وفي إطار برنامج إصلاح شامل انطلق عام 2020، لا يقتصر على مواجهة تراجع أسعار النفط وحسب، وإنما يستهدف بناء اقتصاد أكثر مرونة وتنويعا.
تعود جذور هذا الخفض الكبير إلى سلسلة من الأزمات الاقتصادية المتراكمة التي أرغمت الحكومة على العمل الحاسم والسريع، إذ وثق تقرير نشرته مجلة "فاينانس ميدل إيست" أن عُمان واجهت أزمة مالية حادة عام 2015 حينما انهارت أسعار النفط عالميا بشكل حاد، ما أدى إلى عجز قياسي في الميزانية فاق 4.6 مليارات ريال عُماني، دفع الدولة للاستدانة الضخمة لسداد الالتزامات والاستمرار في تمويل الخدمات العامة (الدولار = 0.385 ريال عُماني). وتفاقمت الضغوط المالية مع انتشار جائحة كورونا، التي ألحقت الضرر بالإيرادات النفطية والنشاط الاقتصادي غير النفطي معا، ما دفع الديون الحكومية إلى الارتفاع إلى 68% من الناتج المحلي بحلول عام 2020، حسب بيانات رسمية.
واستجابة لهذا الوضع الحرج، أطلقت الحكومة العُمانية عام 2020 خطتها المتوسطة المدى للتوازن المالي (MTFP)، التي استهدفت تخفيض الإنفاق العام الإجمالي، حسبما أورد تقرير نشرته "عُمان أوبزرفر". غير أن الحكومة العُمانية لم تعتمد على خفض الإنفاق وحده في معالجة الأزمة، بل دعمت سياسة الإنفاق المحدود بإصلاحات جريئة وواسعة النطاق شملت إدخال ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% عام 2021، وتوسيع قاعدة الضرائب الانتقائية على السلع والخدمات، مع بحث جاد عن فرض ضريبة دخل على ذوي الدخول المرتفعة. وحققت السلطنة فوائض متتالية في الميزانية منذ عام 2022 بدلا من الاستمرار في دورة العجوزات التي ميزت معظم العقد الماضي.
يؤكد الخبير الاقتصادي، خلفان الطوقي، لـ "العربي الجديد"، أن السياسات الاقتصادية في سلطنة عُمان تتميز بدرجة عالية من الحذر والتحوط، ما ينعكس في تركيزها على مسارين متوازيين: الأول يتمثل في خفض المصاريف الحكومية، والثاني في رفع إنتاجية المؤسسات العامة، موضحا أن هذا النهج يشكل جزءا من استراتيجية استباقية لمواجهة التقلبات المحتملة في أسواق النفط، التي لا تزال تمثل مصدرا رئيسيا للإيرادات الوطنية.
ويضيف الطوقي أن رفع الإنتاجية لا يقتصر على المستويات المؤسسية فحسب، بل يمتد إلى الأفراد داخل تلك المؤسسات، من خلال برامج مُنظمة تربط الترقيات والمكافآت والعلاوات بأداء الموظف الفعلي، إذ لم تعد الترقيات تلقائية، بل تخضع لمعايير واضحة تعتمد على مؤشرات الأداء الفردي (KPIs)، التي تقيس إنجازات الموظف وفق أهداف محددة.
في المقابل، تُقيّم المؤسسات ذاتها بناء على أدائها التنافسي مقارنةً بغيرها، ما يسمح بالكشف عن نقاط القوة والتحديات التي تواجه كل جهة، حسب الطوقي، لافتا إلى أن هذه الآلية لا تُسهم فقط في تعزيز الكفاءة، بل تمكن الحكومة أيضا من تحديد الصعوبات التي تعترض المؤسسات المتعثرة، والعمل على معالجتها بشكل استباقي، ما يعزز التكامل بين الجهات الحكومية ويحول منطق الأداء من بيئة منعزلة إلى منظومة تعاونية تستند إلى الشفافية والمساءلة.
ويؤكد الطوقي أن توجه الجمع بين خفض الإنفاق ورفع الإنتاجية يأتي في سياق استعداد الدولة العُمانية لأي تذبذبات مستقبلية في أسعار النفط والغاز، التي ما زالت تشكل ركيزة اقتصادية أساسية للسلطنة، كما هو حال العديد من دول الخليج، معتبرا أن هذا النموذج الحذر، رغم بطئه الظاهري، يوفر أساسا أكثر متانة للاستدامة المالية والاقتصادية على المدى الطويل.