الاقتصاد الألماني يواجه فجوة في العمالة

04 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 16:21 (توقيت القدس)
شارع في ميونخ، ألمانيا، 3 مايو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه ألمانيا أزمة في سوق العمل بسبب نقص الأيدي العاملة الماهرة، نتيجة شيخوخة السكان وانخفاض معدلات المواليد، مما يهدد النموذج الاقتصادي للبلاد.
- تثير مقترحات الحكومة لتحويل العاملات بدوام جزئي إلى دوام كامل جدلاً، حيث تعمل نسبة كبيرة من النساء بدوام جزئي بسبب الأعباء الأسرية، مما يعكس تحديات مثل الفجوة في الأجور.
- تتضمن استراتيجية الحزب الحاكم سياسات لزيادة النشاط المهني، لكنها تواجه انتقادات لتجاهلها العوامل البنيوية مثل نقص أماكن رعاية الأطفال، مما يعوق مشاركة النساء في سوق العمل.

تواجه ألمانيا واحدة من أكثر أزماتها الهيكلية إلحاحاً منذ عقود، إذ يعاني سوق العمل من نقص في الأيدي العاملة في قطاعات خدمية وصناعية محددة تتطلب عمالة ماهرة، رغم وجود بطالة في بعض القطاعات، ما يهدد قدرة البلاد على الحفاظ على زخمها الاقتصادي ونموذجها الصناعي، وذلك بحسب تقارير حديثة. ويتفق سياسيون واقتصاديون على أن شيخوخة السكان في ألمانيا، إلى جانب انخفاض معدلات المواليد، تقلص قاعدة القوى العاملة بوتيرة متسارعة، ما يجعل إشراك عدد أكبر من الأشخاص في سن العمل ضرورة عاجلة، وليس خياراً ثانوياً.

وفي السياق، تتجه الأنظار بشكل متزايد إلى النساء في سوق العمل، خصوصاً العاملات بدوام جزئي، اللواتي تبلغ نسبتهن نحو 34% من إجمالي النساء العاملات. ويرى صانعو القرار أن هذه النسبة تمثل احتياطياً غير مستغل في سوق يعاني من اختناقات مزمنة تمتد من الرعاية الصحية إلى الصناعة والخدمات. ويسعى المستشار الألماني المحافظ فريدريش ميرز إلى تحويل العاملات بدوام جزئي إلى دوام كامل، ما يثير جدلاً حول واقعهن في الحياة اليومية والأسرية.

العمل بدوام جزئي: بين المرونة والاتهام بـ"الترف"

أثار اقتراح الحزب الحاكم، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بتقييد الحق في العمل بدوام جزئي، وهو حق مكفول منذ عام 2001، موجة انتقادات وغضب واسعة في صفوف النقابات العمالية وكثير من النساء. ويهدف الحزب، تحت شعار "إنهاء العمل بدوام جزئي"، الذي اعتُبر سابقاً وسيلة لتحسين نمط الحياة، إلى وضع حد لما يعتبره "ترفاً" و"كارثة" على البلاد التي هي في أمسّ الحاجة إلى تحريك عجلة اقتصادها. ويصطدم هذا الخطاب بالواقع الاجتماعي، إذ لا يُنظر إلى العمل بدوام جزئي من قبل شريحة واسعة من النساء بوصفه خياراً كمالياً، بل حلاً اضطرارياً للتوفيق بين العمل المدفوع الأجر وأعباء الرعاية الأسرية.

وتشكل النساء نحو 46.9% من إجمالي القوى العاملة في ألمانيا، وفق بيانات رسمية لعام 2023، إلا أن هذه المشاركة تتوزع بشكل غير متساوٍ بين دوام كامل ودوام جزئي، إذ تعمل نحو 50% من النساء العاملات بدوام جزئي، مقابل ما يقارب 13% فقط من الرجال. ويعكس ذلك طبيعة الأعباء الأسرية الملقاة على النساء، مثل رعاية الأطفال وكبار السن. ويبلغ معدل توظيف النساء بين 15 و64 عاماً نحو 73.6%، مقابل 80.8% للرجال، فيما يبلغ، بحسب هيئة التوظيف الفيدرالية، معدل البطالة بين النساء نحو 5.7%، مقابل 6.2% للرجال. ولا تزال الفجوة في الأجور قائمة، إذ يبلغ متوسط راتب النساء العاملات بدوام كامل نحو 3413 يورو شهرياً، مقارنة بـ3779 يورو للرجال. كما تمثل النساء نحو 28% فقط من المناصب القيادية العليا، ما يعكس استمرار الفجوة في الهيكل الوظيفي رغم ارتفاع نسب التوظيف.

استراتيجية العمل القسري أم الإصلاح الهيكلي؟

يتجاوز النقاش حول الدوام الجزئي مسألة ساعات العمل، إذ تتضمن استراتيجية الحزب الحاكم سلسلة سياسات تستهدف زيادة النشاط المهني للألمان جميعاً. ومن بين هذه السياسات المقترح بإلغاء نظام الثماني ساعات عمل يومياً، المعمول به حالياً في ألمانيا كجزء من قانون العمل لضمان التوازن بين العمل والحياة الشخصية، بحيث يمكن لأرباب العمل زيادة ساعات العمل الرسمية يومياً إلى ما يتجاوز هذا السقف، ما قد يرفع عبء العمل على الموظفين ويزيد الضغط على النساء اللواتي غالباً ما يتحملن مسؤوليات الأسرة.

كما يشمل الاقتراح رفع سن التقاعد، الذي يبلغ حالياً 67 عاماً للحصول على المعاش الكامل، مع بعض الاستثناءات للتقاعد المبكر من سن 63 عاماً مقابل تخفيض مالي في المعاش، وهو ما يُنظر إليه كوسيلة لمواجهة شيخوخة السكان وزيادة الإنتاجية الاقتصادية. وفي سياق متصل، تهدف السياسات الحكومية إلى إنهاء إجازة المرض المدفوعة الأجر، بحيث يتحمل الموظف جزءاً من راتبه عند الغياب بسبب المرض، إضافة إلى تشديد شروط الحصول على إعانات البطالة، عبر تقليل مدة الاستحقاق وزيادة الالتزامات على المتقدمين. وقد دعا المستشار الألماني فريدريش ميرز أيضاً إلى إلغاء إمكانية الإبلاغ عن المرض شفهياً عبر الهاتف واستبدالها بالإبلاغ الكتابي، منتقداً ما وصفه بـ"الكسل والراحة والتقاعس" بين المواطنين، في خطاب أثار جدلاً واسعاً داخل البرلمان وخارجه. ويرى منتقدو هذه السياسات أن الحكومة تنقل عبء الأزمة الهيكلية إلى الأفراد بدلاً من معالجة جذورها، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على النساء في سوق العمل.

عبء الرعاية: العامل الغائب عن النقاش

ليس من المستغرب أن تعمل نسبة كبيرة من النساء بدوام جزئي، إذ تتحمل المرأة القسط الأكبر من رعاية الأطفال وكبار السن داخل الأسرة، وهو واقع يدعمه نظام "الإعفاء الضريبي للزوج/الزوجة" الذي يمنح مزايا للأقل دخلاً، وغالباً ما تكون الزوجة، ما يقلل الحافز الاقتصادي للعمل بدوام كامل. كما يشكل نقص أماكن رعاية الأطفال عقبة كبيرة أمام مشاركة النساء في سوق العمل، إذ لا يجد ما يصل إلى 300 ألف طفل دون سن الثالثة مكاناً في دور الحضانة. وفي برلين، لا تتجاوز نسبة المراكز التي تمتلك العدد الكافي من الموظفين 2% فقط. ويرى الخبراء أن هذه الأزمة تمثل فرصة ضائعة للحكومة، إذ كان بالإمكان الاستثمار في البنية التحتية للرعاية لتحرير طاقات العمل النسائية بدلاً من توجيه اللوم للآباء والنساء على حد سواء.

ولا تعكس الدعوة إلى العمل لساعات أطول مجرد ضغط سياسي أو اقتصادي، بل، بحسب منتقديها، تتطلب سياسات متناسقة تشمل الضرائب والرعاية وسوق العمل وتوزيع أدوار الأسرة. ومع ذلك، يصر بعض السياسيين المحافظين على تصوير النساء العاملات بدوام جزئي سبباً في ضعف الإنتاجية، رغم وجود عوائق بنيوية واجتماعية واقتصادية واضحة. وتكشف أزمة سوق العمل الألماني أن الحاجة إلى النساء ليست مجرد أرقام، بل اختبار لقدرة الدولة على مواءمة طموحاتها الاقتصادية مع واقعها الاجتماعي. ومن دون تحقيق هذا التوازن، قد يتحول السعي لزيادة الإنتاجية من حل للأزمة إلى مصدر جديد للتوتر والانقسام.

المساهمون