ستة رواتب لا تكفي: اللبنانيون في حلقة الأزمات

18 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 10:51 (توقيت القدس)
مجلس النواب اللبناني، بيروت 9 مارس 2026 (فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- القرار الحكومي بزيادة الرواتب لموظفي القطاع العام في لبنان جاء بعد تأخير طويل وبدون تمويل كامل، معتمدًا على الرسم الإضافي على البنزين الذي لا يكفي لتغطية النفقات، مما يعكس سياسة مالية غير مستقرة.
- الزيادة تُعتبر تعويضاً شهرياً مقطوعاً ولا تُحتسب ضمن تعويضات نهاية الخدمة، مما يثير قلق العاملين، حيث يُتوقع رفع الأجور تدريجياً حتى عام 2027، لكن قدرة الدولة على التمويل تبقى موضع شك.
- القرار يفتح ملف تمويل الفجوة المالية المتبقية، مع احتمالية فرض ضرائب جديدة على المستهلكين، مما يؤدي إلى تأجيل مؤقت للأزمة دون حلول جذرية.

ليست المرة الأولى التي تكتشف فيها السلطة اللبنانية، بعد طول تلكؤ، أن الحل الوحيد المتاح أمامها هو تسكين الألم لا معالجته. ستة رواتب إضافية لموظفي القطاع العام، بمفعول رجعي، بعد خمسة أشهر من التأخير، وبتمويل غير مكتمل: هذه خلاصة القرار الذي أقرَه مجلس النواب، وهي أيضاً خلاصة نهج كامل تتبعه السلطة منذ نهاية 2019 في التعامل مع أجور القطاع العام.

 

المفارقة أن هذا القرار، الذي يفترض أن يكون خبراً ساراً لموظفين أنهكهم انهيار القدرة الشرائية، جاء محملاً بأسئلة أكثر مما يحمل أجوبة. من أين سياتي التمويل؟ يجيب وزير المال ياسين جابر بصراحة لافتة في فبراير/ شباط الماضي: الرسم الإضافي على البنزين هو المصدر الوحيد المُقرّ حتى الآن، وهو لا يكفي. أي أن الدولة أقرت إنفاقاً بقيمة 56.500 مليار ليرة (الدولار يساوي نحو 89 ألف ليرة)، أي ما يوازي 10.5% من الموازنة العامة، من دون أن تكون قد أمنت له تغطية كاملة. هذه ليست تفصيلاً محاسبياً، بل جوهر المشكلة: سياسة مالية تبنى على الرجاء لا على الحساب. 

وإذا عدنا إلى الوراء قليلا، نجد أن هذا المسار ليس طارئاً. فمنذ انهيار الليرة، اختارت السلطة معالجة تآكل الأجور بالترقيع لا بالتصحيح: رواتب أساس تضاف فوق الراتب الأصلي، بدلات تحت مسميات متعددة، مساعدات هنا وهناك. كل ذلك بدلاً من الذهاب إلى ما كان مطلوباً منذ البداية: تصحيح جذري لسلسلة الرتب والرواتب. وحين كلف مجلس الخدمة المدنية بالاستعانة بصندوق النقد الدولي وشركة سيغما لوضع تصور لهذا التصحيح، خلصت الدراسة إلى أن المسار سيأخذ سنوات وسيبقى ناقصاً. عندها، بدل مواجهة الفجوة، اختار مجلس الوزراء "التوازن المالي" عنواناً مرناً يبرر تقسيط حقوق الناس على دفعات لا نهاية واضحة لها. 

الأخطر أن هذه الزيادة صُنفت تعويضاً شهرياً مقطوعاً، أي أنها لا تُحتسب ضمن تعويضات نهاية الخدمة. بعبارة أخرى، حتى وهي منقوصة، لا تدخل هذه الزيادة في صلب الحقوق المكتسبة، بل تبقى معلقة، قابلة للتعديل أو التجميد بقرار سياسي لاحق. وهذا بالضبط ما يخشاه العاملون في القطاع العام، الذين لا يتعاملون مع القرار بوصفه إنجازاً، بل مرحلة من مسار مقسم إلى ثلاث خطوات: سنة رواتب الآن، ثم مرحلة ثانية بنهاية 2026 ترفع الأجر إلى نصف قيمته في عام 2019، ثم سلسلة رواتب جديدة في 2027 تعيد الأجر إلى مستواه ما قبل الانهيار. مسار طويل ومشروط، ومرهون بقدرة الدولة نفسها التي عجزت حتى الآن عن تمويل مرحلته الأولى.

وهنا يكمن السؤال الأهم: هل يملك القطاع العام رفاهية الانتظار حتى 2027؟ الجواب معروف سابقاً. فحين تقر الدولة زيادة لا تُغطَي سوى جزء بسيط من فقدان القوة الشرائية، وتمولها جزئياً برسم استهلاكي يطاول الجميع، بمن فيهم المستفيدون أنفسهم من الزيادة، فإنها لا تحل الأزمة بل تعيد توزيعها. العامل الذي يقبض راتباً في جيب، يدفع من جيبه الآخر ثمن هذه الزيادة عبر أسعار الوقود والسلع المرتبطة به. 

ولا يمكن فصل هذا القرار عن سياقه الأوسع: حرب لا تزال تداعياتها المالية حاضرة، وتراجع في إيرادات الخزينة يقر به وزير المال نفسه، ومجلس نيابي لا يزال يناقش، من دون حسم، مشروع رفع ضريبة القيمة المضافة الذي قد يشكل المصدر الإضافي لسد الفجوة. أي أن القرار الذي صدر لم يقفل الملف، بل فتح ملفاً جديداً: من سيتحمّل كلفة تمويل ما تبقّى؟ الجواب الأرجح، بحسب المسار المتكرر منذ سنوات، هو المستهلك نفسه، عبر ضريبة جديدة تطاول الجميع بلا تمييز، بينما تبقى إعادة توزيع الثروة الحقيقية بعيدة عن طاولة النقاش. 

في نهاية المطاف، ما جرى إقراره ليس تصحيحاً، بل تأجيل ممول جزئياً لانفجار مؤجل. والسلطة، كما فعلت مراراً منذ 2019، تكتفي بشراء بعض الوقت، فيما يبقى العاملون في القطاع العام رهائن مسار يُعاد إنتاجه كل بضعة أشهر: أزمة، ثم تسكين جزئي، ثم موعد جديد مع الأزمة نفسها.