ريال مدريد يستسلم ويفتح باب الاستثمار الخارجي.. نادٍ بحجم اقتصاد دولة صغيرة

25 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:21 (توقيت القدس)
بيريز يحيّي الجماهير خلال مباراة ضمن دوري (MLS) في بيرنابيو (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يدرس ريال مدريد بيع حصة تتراوح بين 5% و10% من أسهمه لمستثمرين خارجيين مع الحفاظ على نموذج الملكية عبر الأعضاء، مع التأكيد على أهمية احترام قيم النادي.
- حقق النادي إيرادات قياسية تجاوزت المليار يورو لموسمين متتاليين، مما يعزز مكانته كأعلى الأندية دخلاً في العالم، وتقدر قيمته المؤسسية بنحو 6.3 مليارات يورو.
- يعتمد ريال مدريد على ثلاث قنوات رئيسية للإيرادات ويستثمر في تجديد ملعب سانتياغو برنابيو، مع التزامه بالاستدامة المالية، مما يجذب اهتمام مستثمرين كبار.

منذ إعلان رئيس ريال مدريد، النادي الأعلى قيمة في العالم، رجل الأعمال والرئيس التنفيذي لشركة مجموعة "آ.ثي.إسه" العالمية، فلورنتينو بيريز في الجمعية السنوية الأخيرة للنادي، أول أمس الأحد أن الكيان الإسباني يدرس إنشاء شركة فرعية يطرح عبرها حصة من أسهمه للبيع تراوح ما بين 5% و10% أمام مستثمرين خارجيين، بدا واضحاً أن النادي يدخل مرحلة جديدة في تاريخه الاقتصادي، من دون التخلي عن نموذج الملكية عبر الأعضاء.

وأوضح بيريز أن العضوية ستظل أساس الحكم، وأن الحصة المعروضة للبيع ستكون "رمزية"، لكنها تحمل دلالة قوية على قيمة النادي، مشترطاً أن يحترم أي مستثمر قيم ريال مدريد، وأن يكون "حليفاً استراتيجياً لا مالكاً". وسيُدرَس كل هذا في جمعية عمومية طارئة قريباً من أجل التصويت على تغييرات في النظام الأساسي.

هذا التطور يأتي في سياق لحظة فريدة. فريال مدريد هو النادي الوحيد في العالم الذي تجاوز حاجز المليار يورو من الإيرادات سنوياً لموسمين متتاليين، مع قيمة اقتصادية تضعه في مستوى بعض الشركات الكبرى، بل إن رئيسه يلمح ضمناً إلى تقييم لا يقل عن 10 مليارات يورو في حال دخول مستثمر مستعد لدفع نحو مليار مقابل نسبة تراوح بين 5 و10%. كذلك كانت سياسة النادي الاقتصادية منذ سنوات قائمة على ألّا يُسمح لأي مستثمر خارجي بالدخول للنادي.

نادي المليار يورو

وأكد تقرير "فوتبول موني ليغ 2025" (تقرير سنوي تعده شركة الخدمات المهنية والاستشارات المالية ديلويت يصنف أندية كرة القدم بناءً على إيراداتها) أن ريال مدريد أصبح أول ناد في تاريخ كرة القدم يحقق أكثر من مليار يورو من الإيرادات في موسم واحد، إذ بلغت إيراداته نحو 1.046 مليار يورو في موسم 2023 - 2024، متصدّراً ترتيب الأندية الأعلى دخلاً في العالم. وأوضح التقرير أن القفزة ارتبطت أساساً بملعب سانتياغو برنابيو الجديد، حيث تضاعفت تقريباً إيرادات يوم المباراة إلى حوالى 248 مليون يورو، بزيادة تفوق 100% مقارنة بالموسم السابق، بفضل زيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين فئات الضيافة وتجربة المشجعين.

وأعلن ريال مدريد في الموسم التالي 2024 - 2025، في تقريره المالي الرسمي أن الإيرادات التشغيلية من دون احتساب بيع اللاعبين بلغت نحو 1.185 مليار يورو، بزيادة 10% تقريباً عن العام السابق، مع ربح صاف قدره 24.3 مليون يورو، لتكون هذه هي السنة الثانية على التوالي التي يتجاوز فيها ريال مدريد حاجز المليار، وهو رقم لم يحققه أي ناد آخر حتى الآن بحسب تقرير النادي.

قيمة مؤسسية تتجاوز 6 مليارات يورو

على مستوى القيمة الاقتصادية، قدرت وحدة "فوتبول بنشمارك" التابعة لشركة "كي بي إم جي" العالمية المتخصصة في التدقيق والاستشارات في تقريرها "النخبة الأوروبية 2024"، القيمة المؤسسية للنادي بنحو 5.1 مليارات يورو، ليصبح أول نادٍ يتجاوز حاجز 5 مليارات. وفي النسخة الأحدث "النخبة الأوروبية 2025" لتقارير وحدة "فوتبول بنشمارك" ارتفعت القيمة إلى حوالى 6.3 مليارات يورو، ليصبح أيضاً أول نادٍ يتجاوز سقف 6 مليارات يورو كقيمة اقتصادية. بينما قدرت فوربس في تصنيفها لأغلى أندية كرة القدم لعام 2025 قيمة ريال مدريد بنحو 6.75 مليارات دولار، وهي الأعلى عالمياً في كرة القدم، متقدمة على أندية مثل مانشستر يونايتد وبرشلونة وباريس سان جيرمان، ليتجاوز ريال مدريد بهذه الأرقام حدود نادي كرة قدم تقليدي، ويقترب من فئة شركات عالمية مدرجة في البورصات من حيث القيمة السوقية والقدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل.

تمويل ذاتي تدريجي

خلافًا لأندية مملوكة لصناديق ثروة سيادية أو لمليارديرات أفراد، يحتفظ ريال مدريد بنموذج "النادي الجمعوي"، حيث يبقى مملوكاً للأعضاء "السوسيوس"، الذين يتجاوز عددهم 100 ألف وينتخبون حوالى ألفي مندوب سنوياً، يتولون انتخاب الرئيس، والتصديق على الحسابات، والتصويت على أي تعديل في النظام الأساسي.

هذا النموذج يحد نظرياً من إمكانية اللجوء إلى "مالك منقذ" يضخ رأسمالاً غير محدود لتغطية الخسائر، لكنه في المقابل يدفع النادي إلى التزام انضباط مالي صارم يعتمد على التمويل الذاتي التدريجي، أي إن النمو يتحقق عبر زيادة الإيرادات وتحسين الكفاءة، لا عبر ديون أو ضخ أموال من خارج المنظومة. وعزز هذا الطرح التقرير المالي الرسمي لموسم 2024 - 2025 الذي بيّن أن النادي أغلق السنة بربح صافٍ قدره 24 مليون يورو تقريباً، مع الحفاظ على سجل ربحية متواصل منذ عام 2000، رغم صدمة جائحة كورونا وتكاليف تجديد الملعب الضخمة.

ركائز الدخل

يقوم النموذج الاقتصادي لريال مدريد على ثلاث قنوات رئيسية للإيرادات، مع تقليل الاعتماد على عنصر واحد، أولها إيرادات البث التلفزيوني. فرغم أن تقرير النادي لموسم 20254 - 2025 أشار إلى تراجع نسبي في حصة البث، نتيجة تغيير آلية توزيع عائدات البطولات الأوروبية وانخفاض نصيب النادي من السوق في دوري أبطال أوروبا، فإن البث يظل ركناً أساسياً في مداخيل النادي، سواء عبر حقوق الدوري الإسباني أو بطولات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.

ثم تأتي الإيرادات التجارية كالرعاية والتسويق، وبحسب "فوتبول موني ليغ 2025"، وصلت العوائد التجارية لريال مدريد في موسم 2023/2024 إلى مستويات قياسية، مستفيدة من عقود رعاية عالمية ومبيعات قوية للمنتجات الرسمية وامتداد العلامة التجارية للنادي في أسواق متعددة. بينما تأتي في الصف الثالث إيرادات الملعب والفعاليات. وبهذا التنويع، يقلل ريال مدريد من مخاطر الارتهان لعقد تلفزيوني واحد أو لدوري معين، ويحول الملعب والعلامة التجارية إلى أصول إنتاج تولد إيرادات مستمرة.

برنابيو محرك اقتصادي

ويتركز التحول الأعمق في نموذج ريال مدريد الاقتصادي حول ملعب سانتياغو برنابيو. وفق البيانات المنشورة في التقرير المالي للنادي، إذ بلغت الاستثمارات في مشروع تجديد الملعب حتى يونيو/ حزيران 2025 نحو 1.347 مليار يورو، ضمن مشروع شامل يشمل سقفاً متحركاً، وهيكلاً خارجياً جديداً، ومناطق ضيافة ومطاعم ومتاجر وفضاءات للحفلات والأحداث غير الكروية.

وفي 2022، أبرم النادي اتفاقاً استراتيجياً مع شركة استثمار أميركية متخصصة في إدارة مرافق الرياضية والترفيهية وإدارة الفعاليات تحصّل بموجبه ريال مدريد على نحو 360 مليون يورو مقابل منح الشركاء حق المشاركة في تشغيل "أعمال جديدة" في البرنابيو لمدة 20 عاماً.

وقدرت تقارير اقتصادية إسبانية أن البرنابيو الجديد يمكن أن يولد حتى 400 مليون يورو سنوياً من الأنشطة غير المرتبطة مباشرة بالمباريات، من حفلات موسيقية وفعاليات ومعارض وتجارب سياحية، ما يجعل الملعب يعمل اقتصادياً على مدار 365 يوماً، لا في أيام المباريات فقط. وبالتالي لم يعد البرنابيو "ملعب كرة" بقدر ما أصبح مجمعاً ترفيهياً وسياحياً متكاملاً، وجزءاً من استراتيجية طويلة الأجل لتحويل البنية التحتية إلى مصدر نقدي مستدام.

أسواق
التحديثات الحية

الانضباط المالي

ورغم القفزة الهائلة في الإيرادات والاستثمار الضخم في الملعب، يصر ريال مدريد على خطاب الاستدامة المالية. ويبين تقرير النادي لموسم 2024 - 2025 أن ما يسميه "نسبة الأجور إلى الإيرادات" وصل إلى 43% فقط، منخفضاً من 47% في الموسم السابق، وهي أدنى نسبة يحققها النادي منذ عام 2000، وأقل بكثير من السقف البالغ 70% الذي توصي به رابطة الأندية الأوروبية، والذي تعتبره معايير الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الحد الأعلى المقبول للمخاطر.

ويظهر التقرير أيضاً أن النادي أنهى الموسم بصافي دين (باستثناء مشروع الملعب) قدره 12 مليون يورو فقط، مع سيولة نقدية تقارب 166 مليون يورو، ونسبة دين إلى حقوق ملكية عند الصفر، ما يعكس مستوى نادراً من "الاستقلال المالي" بالنسبة إلى نادٍ بهذا الحجم.

هذه الأرقام تعني أن النادي، رغم استثماراته الكبيرة في النجوم وتجديد الملعب التحفة، لم يفقد السيطرة على كتلة الأجور أو على المديونية، ولم يقع في فخ العجز المتكرر الذي دفع أندية أخرى إلى عمليات إنقاذ مالي من خلال إعادة هيكلة قسرية واللجوء إلى بيع الرافعات وبيع اشتراكات كبار الضيوف "VIP".

فتح رأس المال

في هذا السياق تأتي مبادرة بيريز بفتح الباب أمام مستثمر خارجي، وأوضح للأعضاء خلال الجمعية العمومية أن الهدف ليس "سد عجز" أو تغطية نقص سيولة، بل تثبيت قيمة النادي في السوق وإيجاد "حليف استراتيجي" يساعد في حماية أصوله وتعظيمها، مع بقاء السيطرة الكاملة للأعضاء على أكثر من 90% من رأس المال وحقوق التصويت.

ولن يكون هذا النموذج استثنائياً في اسبانيا بالنسبة إلى أندية الصفوة. فقبل أسابيع، استحوذ صندوق الاستثمار الأميركي "أبولو غلوبال مانجمنت" على حصة تقارب 55% من نادي أتلتيكو مدريد في صفقة قدرت قيمة النادي بحوالى 2.5 مليار يورو، ما يعكس شهية متزايدة لدى صناديق الاستثمار الخاصة تجاه كرة القدم الإسبانية بوصفها قطاعاً يوفر إيرادات مستقرة وقابلة للتنبؤ. لكن الفرق الجوهري أن ريال مدريد لا يبيع النادي ذاته، بل يبتكر طبقة جديدة في هيكل الملكية.

رجال الأعمال المهتمون

ومباشرة بعد أعلان بيريز، برز اسم أغنى رجل في فرنسا، بيرنار أرنو، مالك علامة "لوي فيتون" مرشحاً للاستثمار في ريال مدريد، بعد عام واحد فقط من شرائه أغلبية أسهم "باريس إف سي"، أحد أقطاب أندية العاصمة الفرنسية.

وكشفت صحيفة "فوزبوبولي" الإسبانية، نقلاً عن مصادرها عن أن برنارد أرنو، الذي تصدّر قائمة أثرياء العالم في عام 2024، يدرس بجدية دخول عالم كرة القدم الإسبانية من بوابة ريال مدريد عبر الاستحواذ على حصة أقلية في النادي. وأشارت إلى أن اهتمام أرنو ليس مفاجئاً في ضوء التوسع المستمر لمجموعته في مجالات الرفاهية والترفيه والرياضة. وأشارت إلى أن رؤية أرنو تتماشى مع استراتيجية طويلة المدى تستهدف دمج العلامات الفاخرة مع أبرز الكيانات الرياضية.

كذلك برزت شركة الاستثمار الأميركية "سيكث ستريت" (المعروفة سابقاً باسم TSSP)، التي تُدير الشركة تسع منصات استثمارية، مهتمة للاستثمار في ريال مدريد، وهي التي تستحوذ على حصة في حقوق بث مباريات الدوري الإسباني لبرشلونة على مدار 25 عاماً. كذلك تستحوذ على حصة 20% في فريق الدوري الأميركي للمحترفين، بوسطن سيلتيكس. واستحوذت الشركة أخيراً على حصة استثمارية في فريق سان أنطونيو سبيرز في الدوري الأميركي للمحترفين (NBA). وتستثمر في نيو إنغلاند باتريوتس فريق الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية، ووسعت استثماراتها الرياضية إلى البيسبول، حيث تستحوذ على 10% من أسهم فريق سان فرانسيسكو جاينتس.