روبرت كيوساكي…نذير الفقاعات الذي لا ينام

11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:42 (توقيت القدس)
كيوساكي خلال جولة "اسألني أي شيء"، أريزونا 2022 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- روبرت كيوساكي، مؤلف "الأب الغني والأب الفقير"، يروج لفلسفة الاستقلال المالي من خلال توليد الدخل عبر الأصول بدلاً من العمل اليومي، محذراً من نظام مالي يعتمد على الديون والمضاربات.
- يرى كيوساكي أن النظام المالي القائم على "المال الورقي المزيف" يقترب من نهايته، ويدعو للتحوط عبر الذهب والفضة والبيتكوين بدلاً من الدولار.
- يشجع كيوساكي على امتلاك أصول حقيقية ويؤمن بأن التعليم النظامي لا يصنع الثروة، مؤسساً شركته "الأب الغني" لتثقيف الناس مالياً.

روبرت كيوساكي ليس مجرد كاتب ثري أو مستثمر ورجل أعمال ناجح، بل هو حالة فكرية فريدة جمعت بين الحكمة الشعبية والجرأة في التنبؤ، هو الرجل الأميركي الذي حوّل النقاش عن المال من أرقام جافة إلى فلسفة حياة، وجعل كتابه "الأب الغني والأب الفقير" واحداً من أكثر الكتب تأثيراً في الثقافة المالية المعاصرة. ففي صفحاته رسم الفارق بين من يعمل للمال ومن يجعل المال يعمل له، وبين من يشتري الكماليات ومن يراكم الأصول. ومنذ صدوره عام 1997، بيع من الكتاب ملايين من النسخ، وترجم إلى عشرات اللغات، ليصبح مرجعاً في التثقيف المالي الشعبي حول العالم.

توجه كيوساكي

برز كيوساكي بتوجهه الأقرب إلى مدرسة "الاستقلال المالي"، التي ترى أن الثروة الحقيقية ليست في الراتب، بل في القدرة على توليد الدخل دون العمل اليومي. ومن هنا تأتي فلسفته بأن "الفقير يشتري الكماليات، والغني يشتري الأصول، والذكي يشتري الوقت".
روبرت كيوساكي اليوم، وهو على عتبة التاسعة والسبعين بعد خمسة أشهر، يبدو أكثر يقيناً بأن العالم مقبل على تصحيح قاس، لكنه لا يدعو إلى الخوف بقدر ما يدعو إلى الاستعداد، فالتاريخ، كما يقول "لا يعيد نفسه، لكنه يتناغم"، وكل دورة اقتصادية تحمل في طياتها فرصاً جديدة لمن يعرف أين ينظر.
قد تُخطئ بعض توقعاته، وقد يراه البعض مهووساً بالإنذارات، لكنه في النهاية يذكرنا بحقيقة بسيطة يغفلها كثيرون "الثروة لا تُصنع في زمن الطمأنينة، بل في لحظة الفوضى".

تحذيرات

مع بداية الألفية الجديدة، انتقل كيوساكي من تعليم الناس "كيف يفكرون مثل الأغنياء" إلى التحذير من عالم يبني ثراءه على الديون والمضاربات. ومنذ الأزمة المالية عام 2008، أصبح صوته الأعلى بين من يردد عبارة "فقاعة كل شيء". يرى أن الحكومات والمصارف المركزية، عبر الطباعة المفرطة للنقود، صنعت تضخماً في كل الأسواق، في الأسهم والسندات والعقارات، بل وحتى العملات المشفرة. وفي مقابلاته وكتبه الأخيرة، يكرر أن النظام المالي القائم على "المال الورقي المزيف" يقترب من نهايته.
في عامي 2024 و2025 شدّد على أن "كل شيء سينهار"، داعياً الناس إلى التحوّط عبر الذهب والفضة وبيتكوين، وليس بالاعتماد على الدولار الذي "يفقد قيمته بمرور الزمن". هذه النغمة جعلت منه أشبه بـ"عرّاف الماليين والقناصين"، يراقب الأسواق ويطلق صفارته كلما شعر بأن الفقاعة تنتفخ أكثر. والناس تلتقطها بآذان منتبهة وربما ثقة عالية.

نتقل كيوساكي من تعليم الناس "كيف يفكرون مثل الأغنياء" إلى التحذير من عالم يبني ثراءه على الديون والمضاربات

فقاعات

ليس كل ما يقوله كيوساكي ضرباً من الخيال أو المبالغة، ففي عام 2020 توقع أن تتجاوز بيتكوين 50 ألف دولار خلال عام واحد، وبعد أسابيع من تصريحه اخترقت العملة هذا الحاجز فعلاً في فبراير/شباط 2021. والآن يرفع السقف ويتوقع تتجاوز 250 ألف دولار عام 2026. وفي الوقت الذي كان فيه أغلب الاقتصاديين يرون الذهب في مسار هابط، كان هو يشتريه ويعلن أن التضخم سيعيده إلى الواجهة، وهو ما حدث فعلا خلال عامي 2022 - 2023 حين قفزت الأسعار مع موجات التضخم العالمية.
أما في عام 2025 فقد ركز حديثه على الفضة، واصفاً إياها بأنها "الملاذ المنسي" و"الأصل الأكثر سخونة" في السوق، متوقعاً أن يصل سعرها إلى 100 دولار للأونصة في 2026 بفضل الطلب الصناعي المتزايد ونقص المعروض، ومستدلاً بمعرفته الواسعة بسوق الفضة "أنا أمتلك مناجم فضة وأعلم أن الفضة الجديدة نادرة". ويتوقع أن يبلغ سعر الإيثريوم الرقمي 60 دولاراً. ورغم أن هذه التوقعات لم تتحقق بالكامل بعد، فإنها أثارت اهتمام المستثمرين الصغار الذين بدأوا ينظرون إلى الفضة كأصل استراتيجي لا يقل أهمية عن الذهب.

نصائح

خطاب كيوساكي المتشائم لا يخلو من منطق. فالرجل حذر من ديون أميركية تتجاوز 35 تريليون دولار في مارس/آذار 2024، وهو ما حدث بالفعل في نهاية يوليو/تموز 2024، ومن طباعة نقدية غير مسبوقة، ومن أجيال شابة تدخل سوق العمل مثقلة بالديون التعليمية والبطالة، ويرى أن هذه العوامل كفيلة بانفجار الفقاعة الكبرى عاجلاً أو آجلاً. ولا يتوانى في مهاجمة الخزانة الأميركية والاحتياطي الفيدرالي "لمخالفتهما القوانين". فحسبه هم يطبعون نقوداً مزيفة لسداد فواتيرهم. ويقول "لو فعلتُ أنا وأنت ما يفعله الاحتياطي الفيدرالي والخزانة...لكنا في السجن لمخالفة القوانين".


يتبنى كيوساكي توجهاً واضحاً "التحرر من النظام المالي التقليدي"، فهو يصف الدولار والعملات الورقية بـ"المال المزيف"، ويدعو إلى امتلاك أصول حقيقية يمكن لمسها أو الاعتماد عليها وقت الأزمات، ويشير إلى الذهب والفضة والعقارات والعملات الرقمية. كما يؤمن بأن التعليم النظامي لا يصنع الثروة، وأن النظام المدرسي "يصنع موظفين لا مستثمرين"، لذلك أنشأ شركته للتثقيف المالي واختار لها اسم "الأب الغني" لتدريب الناس على إدارة المال والتخطيط المالي الذكي.

الصوت المسموع

وبين أتباع يرون فيه ملهماً يوقظ ذكاء المال، ونقاد يأخذون عليه نبرة الإنذار الدائم ونشر الخوف، يظل كيوساكي صوتاً عالياً في سوق صاخبة، يكتب ويحاضر ويغرّد، يذكّر بأن الدين يضخم الدورات، وأن الهلع يطرق الأبواب كلما تمددت الفقاعات. قد لا تُصيب كل توقعاته لكن بعضها من الأزمة المالية ورهان بيتكوين إلى موجات التضخّم وما تجرّه منح صورته صلابة الجازم بأن أصلاً حقيقياً خير من وعد ورقي حين تتشقق الجدران.
روبرت كيوساكي أضحى اليوم صوتاً بين الضجيج، نصفه تحذير ونصفه إلهام، لكنه في كل الأحوال، سيبقى أحد أكثر الأصوات التي هزّت يقين الناس بأن المال مجرد أوراق، وأن النجاة في زمن الفقاعات تبدأ بفهم القواعد قبل أن تنفجر اللعبة. لهذا يبقى مصراً دوماً بنصيحته "استمر في شراء الذهب والفضة والبيتكوين والإيثريوم حتى عند انهيارها".

المساهمون