رؤية "عُمان 2024": النتائج والتحديات بعد 5 أعوام من الانطلاق
استمع إلى الملخص
- أشاد البنك الدولي برؤية عُمان كنموذج اقتصادي مرن، مع نجاحات في جذب الاستثمار الأجنبي، لكن يتطلب النمو تسريع التنويع لمواجهة انخفاض الصادرات غير النفطية.
- تُدار رؤية 2040 بخطط سنوية وخمسية، مع تحسينات في الحوكمة والخدمات، لكن التحديات مستمرة في تنويع الاقتصاد وتعزيز الابتكار والإنتاجية.
بعد 5 أعوام من إطلاق رؤية عُمان 2040، حققت السلطنة نتائج ملموسة في مسار تحولها الاقتصادي، حيث أظهرت 74% من مؤشرات الرؤية تقدماً جوهرياً نحو تحقيق الأهداف المرسومة خلال الفترة 2024-2025، ومع ذلك يشير خبراء إلى أن التحديات الهيكلية تظل عقبة أمام تحقيق الطموحات طويلة الأجل للسلطنة في تنويع اقتصادها وتحسين جودة الحياة.
فمن جانب التوظيف ومستوى المعيشة، حققت الحكومة العمانية تقدماً محدوداً، إذ نجحت مبادرة "إسكان" للإسكان الاجتماعي في تمويل أكثر من 61 ألف أسرة، مع تقليل فترات الانتظار إلى ما يقل عن 6 أشهر، وتخصيص أكثر من 200 وحدة سكنية جديدة بقيمة تجاوزت 14 مليون ريال عماني، حسبما أورد تقرير نشره موقع وزارة الخارجية العمانية في 27 أكتوبر الماضي.
غير أن تحديات سوق العمل تبقى حادة، بحسب التقرير ذاته، فقد ارتفع عدد العمال الوافدين إلى 1.81 مليون عامل في مايو/ أيار الماضي، مع استحواذ قطاع البناء وحده على 436 ألف عامل أجنبي، ما يعكس استمرار الاعتماد على القوى العاملة الأجنبية، رغم جهود السلطنة لتعزيز التوظيف المحلي، إذ لا تزال نسبة العمانيين من فرص العمل الجديدة محدودة، وتقدر بحدود 11.8%.
ومع ذلك، فإن تقييم الخبراء لمسار تنفيذ رؤية عمان 2040 إيجابي في المجمل. فقد أشاد البنك الدولي بالرؤية بوصفها "نموذجاً لاقتصاد متنوع ومرن أقل اعتماداً على النفط"، بحسب تقرير نشرته "عمان أوبزرفر"، مؤكداً أن السلطنة حققت نجاحات ملموسة في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر الذي وصل إلى 10.6% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأشار البنك إلى أن "التقدم المطرد الذي حققته عُمان تحت رؤية 2040 يوفر نموذجاً للاقتصادات الناشئة الأخرى في التعامل مع عدم اليقين من خلال التخطيط طويل الأجل".
ومن المتوقع أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة إلى 42.6 مليار ريال عماني (110.6 مليارات دولار) في 2025 وإلى 80.2 مليار ريال بحلول 2040، بمعدل نمو مركب قدره 4.3%، بحسب تقدير نشرته شركة "كافنديش ماكسويل" الاستشارية، مشيراً إلى أن تحقيق هذا النمو يتطلب تسريع وتيرة التنويع، خصوصاً بعدما أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة انخفاضاً في الصادرات غير النفطية مقابل ارتفاع الواردات، وهو ما يشير إلى "فجوة يجب معالجتها من خلال سياسات تدعم الصناعات المحلية وتعزز الإنتاجية والابتكار".
خطط سنوية وخمسية
وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، خلفان الطوقي، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إلى أن عملية تنفيذ رؤية عُمان 2040 تدار وفق خطط سنوية وخمسية، تُتابعها وحدة متخصصة لضمان التقدّم الممنهج نحو الأهداف الوطنية، موضحاً أن البدء الفعلي بتنفيذ الرؤية تأخر نسبياً بسبب جائحة كورونا، إذ انطلقت الأعمال الجوهرية فعلياً من عام 2021. وقد أظهر اللقاء السنوي الذي تقيمه الجهات المعنية مؤشرات إنجاز إيجابية للرؤية في عام 2024، إذ سجلت أكثر من 81% من المؤسسات الدولية تقييماً محسناً لأداء الاقتصاد العماني، وهو ما يعكس تقدماً ملحوظاً في بيئة الحوكمة والشفافية.
ويضيف الطوقي أن "أثر هذه الإصلاحات على المواطن لا يظهر دفعة واحدة، إذ إن التحولات الهيكلية الكبرى تتطلب وقتاً، وقد تواجه في بداياتها مقاومة من فئات اعتادت غياب التنظيم أو الحوكمة"، لكنه يشدد على أن "أي دولة لا يمكنها التقدم من دون خطط مدروسة وتقييم دوري وإعادة تقنين للأنشطة التي كانت تفتقر إلى الضوابط، حتى لو ترتب على ذلك تحمّل تكاليف إضافية قصيرة الأجل لإعادة الهيكلة أو التحديث".
ويبين الطوقي أن هذه التكاليف "تُعتبر استثمارات ضرورية لبناء اقتصاد أكثر تنظيماً واستدامة، رغم أن آثارها لن تتحقق فوراً، بل تتراكم تدريجياً مع الزمن"، مشيراً إلى وجود برامج وطنية متكاملة تُدار من خلال "وحدة تنفيذ ومتابعة رؤية 2040"، التي تراقب من كثب تنفيذ الخطط الدورية والسنوية والخمسية وتجري تحديثات مستمرة على المرئيات والبرامج بما يتوافق مع المتغيّرات المحلية والدولية.
ويخلص الطوقي إلى أن البرامج الوطنية، المنبثقة من وحدة التنفيذ متداخلة وتغطي جوانب اقتصادية واجتماعية متعددة، ما يعزز من اتساق السياسات وفعاليتها، ويشدد على أن وجود مرجعيات واضحة للتنفيذ والمتابعة يضمن تحسيناً مستمراً في الأداء، معرباً عن تفاؤله بأن تترسخ هذه المكاسب تدريجياً لما فيه خير المواطن والاقتصاد العماني في المستقبل.
ترسيخ الأسس الاقتصادية
وفي السياق، يشير الكاتب المختص بالشأن الاقتصادي، حمود الطوقي، لـ"العربي الجديد"، إلى أن رؤية عُمان 2040 تسير بخطى ثابتة وفق الخطة التي رسمتها الحكومة، ووفقاً لمؤشرات الأداء المرحلية التي أعلنتها الجهات المعنية. ويلفت إلى أن السلطنة حققت خلال الأعوام الخمسة الماضية تقدماً ملحوظاً في ترسيخ الأسس الاقتصادية والإدارية التي تمهد للتحول المنشود في العقدين المقبلين، معتبراً أن "هذه الفترة شكلت مرحلة تأسيس ناجحة وضعت الاقتصاد العماني على مسار أكثر استدامة".
ويتمثل أحد أبرز إنجازات هذه المرحلة، بحسب الطوقي، بنجاح خطة التوازن المالي التي مكنت الحكومة من خفض المديونية العامة للدولة بشكل تدريجي وملموس، إذ تراجعت من مستويات مرتفعة إلى نسب أكثر استقراراً. ويعزو هذا النجاح إلى إدارة مالية رشيدة ترتكز على ضبط الإنفاق وتوجيه الموارد نحو المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية، ما أسهم بدوره في تعزيز ثقة المؤسسات الدولية بالاقتصاد الوطني ورفع التصنيف الائتماني للسلطنة.
وفي هذا الإطار، يبرز جهاز الاستثمار العُماني ركيزةً رئيسةً في تنفيذ ركائز الرؤية، من خلال إدارته الفاعلة لمحفظة الاستثمارات الحكومية وتوسيع قاعدة التنويع الاقتصادي، حسبما يرى الطوقي، لافتاً إلى أن الجهاز نجح خلال السنوات الماضية في توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع شركاء إقليميين ودوليين، استهدفت جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإطلاق مشاريع نوعية في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والسياحة والخدمات اللوجستية، ما ساهم في توليد موارد اقتصادية جديدة وفرص عمل واعدة للعمانيين.
ويوضح الطوقي أن رؤية عُمان 2040 تستند إلى 4 مرتكزات أساسية تشكل بوصلة التنمية المستقبلية: أولها الإنسان والمجتمع، كمحور للتنمية، عبر بناء مجتمع متماسك ومتعلم ومبتكر يتمتع بحياة كريمة، وثانيها الاقتصاد والتنمية، الهادف إلى تنويع مصادر الدخل وتحقيق الاستدامة المالية ورفع كفاءة الأداء الحكومي والاقتصادي، وثالثها البيئة المستدامة، التي توازن بين متطلبات النمو والحفاظ على الموارد الطبيعية، ورابعها الحوكمة والأداء المؤسسي، لضمان الشفافية والمساءلة وتمكين المؤسسات من أداء أدوارها بكفاءة.
ويُبرز الطوقي أن ملامح التحول بدأت ترتسم على أرض الواقع من خلال تحسين جودة الخدمات الحكومية، ولا سيما في قطاعات التعليم والصحة والتحول الرقمي، لافتاً إلى أن سوق العمل سجلت بوادر إيجابية في تنويع فرص التوظيف ورفع معدلات المشاركة العُمانية في القطاع الخاص، بفضل مبادرات التمكين ودعم ريادة الأعمال.
ومع ذلك، يشير الطوقي إلى أن التحديات المقبلة لا تزال قائمة، وتتركز في مواصلة تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، وتعزيز الابتكار والإنتاجية، وتطوير بيئة تشريعية أكثر مرونة قادرة على استيعاب متغيرات التكنولوجيا والاستثمار العالمي، مضيفاً أن من بين الأولويات واجبة الاهتمام: تحسين القوة الشرائية للمواطن ورفع جودة الحياة بما يتماشى مع تطلعات الرؤية. ويخلص إلى أن السنوات الخمس الأولى من رؤية عُمان 2040 شكلت الحجر الأساس لمسار تنمية أكثر متانة، إلا أن الرهان الحقيقي يكمن الآن في تحويل هذه الأسس إلى نمو ملموس ينعكس مباشرة على حياة المواطن في السنوات القادمة.