استمع إلى الملخص
- زادت بنوك وول ستريت إنفاقها على أنشطة الضغط السياسي بنسبة 40% في الربع الرابع من عام 2025، وأطلقت مبادرات لدعم سياسات النمو الاقتصادي.
- رغم التوترات، قد تستفيد البنوك من تخفيف متطلبات رأس المال، لكنها تواجه تحديات من مقترحات تنظيمية وفقدان حصتها السوقية لصالح شركات التكنولوجيا المالية والعملات المشفرة.
أعادت الدعوى القضائية التي رفعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد بنك جيه بي مورغان تشيس ورئيسه التنفيذي جيمي ديمون تسليط الضوء على تصاعد التوتر بين إدارته وقطاع وول ستريت، في وقت تحقق فيه البنوك الكبرى مكاسب تنظيمية مهمة، لكنها تواجه في المقابل مناخاً سياسياً متقلباً ومشحوناً. وفي أكثر خطواته مواجهةً للمؤسسات المالية حتى الآن، رفع ترامب يوم الخميس دعوى بقيمة خمسة مليارات دولار، متهماً أكبر بنك في الولايات المتحدة بإغلاق عدد من حساباته وحسابات شركاته لأسباب سياسية. وكان ترامب قد اتهم مرارا بنوك وول ستريت بمحاولة تهميشه ومحافظين آخرين، وهي مزاعم تنفيها المؤسسات المصرفية بشكل قاطع.
وتعكس هذه الخطوة حجم التعقيد الذي بات يواجهه القطاع المالي، إذ تجد البنوك نفسها أمام بيئة سياسية غير متوقعة، قد تؤثر على سمعتها وأعمالها، وتفرض عليها إعادة تقييم استراتيجياتها في واشنطن، رغم أنها تُعد من أبرز المستفيدين من أجندة ترامب الواسعة لتخفيف القيود التنظيمية. وقال تود بايكر، الزميل البارز في جامعة كولومبيا، إن القطاع المصرفي يخسر معارك بقدر ما يربح في القضايا الكبرى، فيما بدأ الضغط المستمر والطابع العشوائي للتطورات يترك أثره الواضح.
وتأتي الدعوى القضائية بعد تهديد ترامب بفرض سقف للفائدة على بطاقات الائتمان الاستهلاكية عند 10%، وهو اقتراح وصفه جيمي ديمون بأنه كارثة اقتصادية، بالتزامن مع توجه الجهات التنظيمية في إدارته إلى تسهيل دخول شركات التكنولوجيا المالية والعملات المشفرة وبعض الشركات إلى منافسة مباشرة مع البنوك التقليدية. وفي تعليق رسمي، قال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي إن إدارة ترامب تفي بوعودها عبر دعم الأسواق المالية وخفض القيود غير الضرورية لتسريع النمو الاقتصادي.
من جهته، رفض بنك جيه بي مورغان التعليق المباشر على الدعوى، مكتفياً بالقول إن القضية لا تستند إلى أي أساس، مؤكداً أن البنك لا يغلق الحسابات لأسباب سياسية أو دينية”، وأنه يحترم حق الرئيس في التقاضي وحقه في الدفاع عن نفسه. ولم يقتصر هجوم ترامب على جيه بي مورغان، إذ رفعت منظمة ترامب دعوى مماثلة ضد شركة كابيتال وان، متهمة إياها بإغلاق حساباتها على خلفيات سياسية. كما وجّه الرئيس الأميركي انتقادات علنية إلى الرئيس التنفيذي لبنك أوف أميركا برايان موينيهان بسبب ما وصفه بـ"إلغاء التعامل المصرفي"، مشيراً في مقابلة مع شبكة "سي.أن.بي.سي" في آب/أغسطس إلى أن البنك رفض منحه حسابا مصرفيا. وتؤكد البنوك الكبرى باستمرار أنها لا تميز بين العملاء على أساس سياسي أو عقائدي.
كذلك هاجم ترامب العام الماضي الرئيس التنفيذي لغولدمان ساكس ديفيد سولومون بسبب الموقف المتشائم للبنك من الرسوم الجمركية. ورفض كل من بنك أوف أميركا وغولدمان ساكس التعليق، فيما لم يصدر رد فوري من كابيتال وان. وقال نيكولاس أنتوني، محلل السياسات في معهد كاتو بواشنطن، إن البنوك ستصبح أكثر حذراً في المرحلة المقبلة، بعد أن أدركت أنها لم تعد تواجه فقط مخاطر تنظيمية، بل أيضاً تهديد الدعاوى القضائية.
تصاعد جهود الضغط السياسي
في موازاة ذلك، كثّفت بنوك وول ستريت نشاطها في مجال الضغط السياسي داخل واشنطن، واستعانت بجماعات ضغط مقربة من البيت الأبيض. ووفق تحليل أجرته رويترز لإفصاحات رسمية، رفعت أكبر ثمانية بنوك إنفاقها المشترك على أنشطة الضغط بنحو 40%، ليصل إلى 12 مليون دولار في الربع الرابع من عام 2025، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. وشملت هذه الجهود الكونغرس والبيت الأبيض وعدداً من الوكالات الفيدرالية، بشأن ملفات تراوحت بين رسوم بطاقات الائتمان والتشريعات المرتبطة بالعملات المشفرة.
وفي ديسمبر/كانون الأول، أطلق منتدى الخدمات المالية، الذي يمثل كبرى البنوك الأميركية، مبادرة التحالف الأميركي للنمو، وهي منظمة غير ربحية قالت إنها ستنفق عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن سياسات منطقية لدعم النمو الاقتصادي، من دون تقديم مزيد من التفاصيل. وقالت مايرا توماس، محللة الشؤون المصرفية في شركة eMarketer، إن "السؤال الأهم يبقى حول الكيفية التي يمكن من خلالها التكيف مع إدارة أظهرت استعداداً للتدخل الحاد وغير المتوقع في القطاع".
تخفيض رأس المال لا يزال قائما
ورغم حدة التوتر السياسي، لا يزال من المتوقع أن تمنح الجهات التنظيمية في إدارة ترامب البنوك الكبرى تخفيفاً واسعاً لمتطلبات رأس المال، قد يحرر، وفق تقديرات، ما يصل إلى 200 مليار دولار من السيولة. كما رحبت المؤسسات المصرفية بإعادة هيكلة آليات الإشراف الرقابي، وبدعم الإدارة لعمليات الاندماج الكبرى في القطاع.
وخلال مؤتمر جمع جيمي ديمون بعدد من كبار التنفيذيين في ناطحة السحاب الجديدة التابعة لبنك جيه بي مورغان في نيويورك الشهر الماضي، ساد تفاؤل بإمكانية تحقيق أرباح إضافية نتيجة هذه التغييرات، بحسب أحد الحاضرين. وقال الرئيس التنفيذي لبنك سيتيزنز فاينانشال، بروس فان ساون، إن التركيز بات أكثر عقلانية على القضايا الجوهرية، واصفاً ذلك بأنه تغيير منعش. ولا يزال القطاع يتوقع تثبيت تخفيف متطلبات رأس المال، بحسب أحد الرؤساء التنفيذيين الذين فضلوا عدم الكشف عن هويتهم، معتبراً أن هذه التطورات تواصل دعم جاذبية أسهم البنوك لدى المستثمرين.
وقال براين مولبيري، مدير المحافظ في شركة زاكـس لإدارة الاستثمارات، التي تمتلك أسهما في جيه بي مورغان، إن هذه القضية على الأرجح لن تغيّر الصورة الاستثمارية كثيراً. وبالفعل، واصلت أسهم البنوك أداءها المتوازي مع الأسواق خلال فترة رئاسة ترامب. غير أن السياسات المالية المتقلبة للرئيس، والتي ترتبط جزئياً بمحاولته احتواء مخاوف الناخبين بشأن ارتفاع كلفة المعيشة قبيل انتخابات الكونغرس هذا العام، بدأت تؤثر سلباً على معنويات القطاع.
وقد فوجئت البنوك بمقترح تحديد فوائد بطاقات الائتمان، وتسعى منذ ذلك الحين إلى التأثير في أجندة الإدارة المتعلقة بالقدرة الشرائية للمستهلكين. في الوقت نفسه، عبّر عدد من التنفيذيين المصرفيين عن استيائهم من خسارة البنوك لحصتها السوقية لصالح شركات التكنولوجيا المالية والعملات المشفرة، المدعومة من الدائرة المقربة من ترامب، وفق ثلاثة مسؤولين في القطاع. وقال براين جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في شركة أنِكس لإدارة الثروات: "لا أعتقد أن ترامب يكنّ الكثير من الود للبنوك الكبرى".
تكشف دعوى ترامب ضد جيه بي مورغان عن علاقة متوترة ومتقلبة بين البيت الأبيض وقطاع وول ستريت، تقوم على مزيج من الدعم التنظيمي والمواجهة السياسية. فبينما تراهن البنوك الكبرى على تخفيف القيود وتعزيز الأرباح، تجد نفسها في الوقت نفسه أمام إدارة مستعدة للتدخل المفاجئ والضغط العلني، ما يضع القطاع أمام معادلة غير مستقرة عنوانها المكاسب المالية من جهة، والمخاطر السياسية المتزايدة من جهة أخرى.
(رويترز، العربي الجديد)