جراحة اقتصادية كبرى في إيران... دعم السلع نقداً

05 يناير 2026   |  آخر تحديث: 01:15 (توقيت القدس)
أسواق إيران، تبريز في 17 سبتمبر 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قررت الحكومة الإيرانية إلغاء الدعم لاستيراد السلع الأساسية وتحويله إلى دعم نقدي مباشر، بهدف توحيد سعر صرف العملة وإنهاء تعدد أسعار الدولار، مما أثار جدلاً واسعاً.

- تم اعتماد بطاقات تموينية إلكترونية لتعزيز القدرة الشرائية، حيث يحصل كل فرد على 10 ملايين ريال شهرياً لشراء السلع الأساسية مثل الحليب واللحوم من المتاجر المشاركة.

- أثار القرار مخاوف من ارتفاع الأسعار، حيث أكد الخبراء أن نجاح الخطة يعتمد على إقناع الرأي العام وتنفيذها بشكل مستمر، مع تحذيرات من تأثيرها السلبي على الفئات الأضعف.

في ظل الاحتجاجات المعيشية المتواصلة في إيران والتراجع الحاد في القدرة الشرائية للمواطنين، قررت الحكومة الإيرانية إلغاء الدعم المخصص لاستيراد السلع الأساسية، وتحويله إلى دعم يُدفع مباشرة إلى حسابات المواطنين الإيرانيين. ويأتي هذا القرار في أعقاب تغيير قيادة البنك المركزي وتولي الاقتصادي عبد الناصر همتي المنصب، في خطوة رافقتها وعود حكومية بتوحيد سعر صرف العملة وإنهاء سياسة تعدد أسعار الدولار.

ويثير هذا الإجراء جدلاً داخل إيران بين مؤيدين ومعارضين، في وقت يصفه عدد من المراقبين والخبراء الاقتصاديين بأنه جراحة اقتصادية كبرى. وكانت الحكومة الإيرانية قد اعتمدت سابقاً نظاماً مزدوجاً لسعر الصرف، إذ منحت الدولار للمستوردين بسعرَي 285 ألف ريال و700 ألف ريال لتمويل استيراد السلع الأساسية وبيعها للمستهلكين بأسعار مدعومة.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أول أمس السبت، إن الحكومة قررت تحويل جميع أشكال الدعم بالعملة الأجنبية للسلع الأساسية من بداية سلسلة التوريد إلى المستهلك النهائي مباشرة.

وأوضح بزشكيان أن استيراد اللحوم بسعر الدولار الحر يؤدي إلى وصول سعر الكيلوغرام إلى نحو 6 ملايين ريال (4.38 دولارات)، في حين يتم استيراد المدخلات بسعر مدعوم ثم تُباع اللحوم في الأسواق بأكثر من 12 مليون ريال (8.76 دولارات)، معتبراً أن ذلك يعكس خللاً واضحاً في منظومة الدعم. كما أشار إلى أن شريحة واسعة من المواطنين لا تستفيد من دعم الوقود لعدم امتلاكها سيارات، واصفاً هذا الوضع بـ"غير العادل"، ومؤكداً ضرورة توزيع هذا الدعم بشكل متساوٍ على جميع المواطنين. وكان الرئيس الإيراني قد أكد، خلال لقائه قبل أيام نشطاءَ سياسيين واجتماعيين في محافظة جهارمحال وبختياري، أن الحكومة لن تخصص بعد الآن الدولار بسعر 285 ألف ريال لاستيراد السلع، قائلاً: "فليستوردوا بالعملة الحرة، وسنمنح قيمة الدعم مباشرة للمستهلك"، مضيفاً أن "من نعطيه الدولار للاستيراد يسرقه".

بطاقات تموينية إلكترونية

من جهته، أعلن وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي الإيراني أحمد ميدري أن اعتماد البطاقة الإلكترونية للسلع يهدف إلى الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، مؤكداً أن تنفيذ الخطة الجديدة سيبدأ اعتباراً من هذا الأسبوع. وقال ميدري، في مقابلة تلفزيونية مساء أمس، إن كل فرد سيحصل على 10 ملايين ريال (نحو 16.6 دولاراً) شهرياً ضمن هذه الخطة، موضحاً أن البرنامج يحظى بتوافق بين الحكومة والبرلمان. وأضاف أن المبالغ جرى إيداعها في حسابات نحو 70 مليون مواطن، حيث تم تخصيص 40 مليون ريال عن أربعة أشهر ((نحو 66.6 دولاراً)، ويمكن للمستفيدين ابتداءً من الأسبوع المقبل شراء السلع من المتاجر والوحدات التجارية المشاركة من دون دفع نقدي.

وأوضح أن المرحلة الأولى من الخطة ستُنفذ على أربع دفعات متزامنة، على أن تستمر بعد ذلك بشكل شهري، بحيث يحصل كل فرد على 10 ملايين ريال (نحو 16.6 دولاراً) من الرصيد الائتماني في كل مرحلة. وبحسب البرنامج الزمني، سيتم إبلاغ أرباب الأسر عبر رسائل نصية، على أن يتمكن المواطنون من استخدام رصيد الشهر الأول في المتاجر، فيما سيجري إعلان آلية الاستفادة من أرصدة الأشهر التالية لاحقاً. وأشار الوزير إلى أن أسعار السلع ستُحدَّد وفق قرارات هيئة تنظيم السوق، وأن قيمة السلع ستُعدَّل تبعاً لمعدلات الأسعار بهدف تعويض تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

وتشمل السلع المدرجة ضمن بطاقات التموين الإلكترونية: الحليب، الأجبان، اللبن، اللحوم الحمراء، لحوم الدواجن، البيض، الأرز، الزيت النباتي، المعكرونة، السكر، السمن، والحبوب، البقوليات. وسيتم توفير هذه السلع عبر نحو 268 ألف متجر صغير وسلسلة تجارية في مختلف أنحاء إيران. كما أعلنت الوزارة، بالتعاون مع غرفة النقابات، توسيع شبكة المتاجر المشاركة، وإضافة متاجر متنقلة، إلى جانب الاستفادة من قدرات التعاونيات والمتاجر الصغيرة واتحادات تجار التجزئة والمجالس المحلية. 

نجاح مشروط

قال الخبير الاقتصادي مرتضى ميري لـ"العربي الجديد" إن إلغاء العملة التفضيلية يُعدّ ضرورة اقتصادية طالما نادى بها الاقتصاديون والناشطون الاقتصاديون خلال السنوات الماضية، إذ إن دفع هذه العملات لم تؤدّ إلّا إلى خلق شبكات من الريع، ولم تنعكس آثارها الحقيقية على معيشة المستهلك كما كان متوقَّعاً، ومن ثم كان لا بدّ من إنهائها. وأضاف ميري أن المبدأ بحدّ ذاته صحيح، غير أن طريقة التنفيذ وآلية دفع الدعم النقدي المباشر للمواطنين هي العامل الحاسم في نجاح هذا الإصلاح الاقتصادي أو فشله. وأوضح أن شكل تحويل الدعم يجب أن يكون مدروساً بحيث لا يؤدي إلى زيادة مفرطة في السيولة النقدية، وإن كانت لهذه الخطوة تداعيات تضخمية قصيرة الأمد، إلا أنها قادرة على تنظيم الأسواق على المدى البعيد في حال أُنجزت بالشكل الصحيح.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن نجاح الخطة مشروط بتحقيق أمرين أساسيين: الأول، إقناع الرأي العام بأن إلغاء العملة التفضيلية لا يستهدف رفع الأسعار على المواطنين، بل يندرج في إطار إصلاح بنية الاقتصاد وحماية سلة معيشة الأسر. والثاني، تنفيذ الخطة بشكل كامل ومستمر من دون توقف أو تراجع، لأن أي انقطاع في التنفيذ سيؤدي إلى فشلها وإعادة البلاد إلى الآثار السلبية نفسها التي خلّفتها سياسة العملات التفضيلية.

وفي ما يتعلق بتأثير هذا الإجراء على أوضاع الأسواق والاحتجاجات الجارية، شدد ميري على أنه لا توجد علاقة مباشرة بين إلغاء العملة التفضيلية والاحتجاجات الحالية، معتبراً أن كلّاً منهما ينتمي إلى سياق مختلف. كما أكد أن هذا القرار لن يؤدي إلى انتعاش ملموس في الأسواق على المدى القصير. وتابع في حديثه مع "العربي الجديد" أن الأثر الإيجابي الأبرز لهذه الخطوة يتمثل في وقف هدر جزء كبير من الموارد الوطنية التي كانت تُبدَّد سابقاً تحت عنوان العملات التفضيلية لتوريد السلع، غير أن الأوضاع المتدهورة للأسواق تعود إلى عوامل أخرى تتطلب حلولاً مستقلة لمعالجتها.

تبعات خطيرة

حذّر الخبير الاقتصادي الإيراني إيرج يوسفي في مقابلة مع "العربي الجديد" من أن قرار الحكومة إلغاء العملة التفضيلية وربط الدعم بالمستهلك النهائي سيخلّف تداعيات اقتصادية ومعيشية خطيرة، مؤكداً أن هذه السياسة ليست جديدة، بل مسار مجرَّب في حكومات سابقة ولم يحقق نتائج إيجابية. وقال يوسفي إن الحكومات الإيرانية المتعاقبة لجأت إلى سياسات مشابهة، بدءاً من اعتماد عملة 42 ألف ريال (نحو 7 سنتات) في عهد الرئيس الأسبق حسن روحاني لتمويل واردات الغذاء والدواء، ثم رفعها إلى 285 ألف ريال (48 سنتاً) في عهد الرئيس السابق الراحل إبراهيم رئيسي، حيث خُصصت للمستوردين، ولا سيما في قطاعات الأدوية ومدخلات الأعلاف مثل الذرة وكسبة الصويا.

وأشار إلى أن هؤلاء المستوردين أنفسهم أصبحوا اليوم دائنين للحكومة، ولا تزال لهم مستحقات غير مسددة لدى وزارة الزراعة، ما يعكس، بحسب تعبيره، خللاً بنيوياً في آلية الدعم والتوزيع، مضيفاً أن نقل الدعم من الحلقة الأولى (المستورد) إلى الحلقة الأخيرة (المستهلك) سيؤدي حتماً إلى قفزات حادة في الأسعار، متوقعاً أن ترتفع أسعار الدواجن واللحوم بما لا يقل عن أربعة أضعاف في حال احتسابها وفق سعر الصرف الحر، مؤكداً أن رفع قيمة الدعم النقدي الشهري من 3 ملايين إلى 10 ملايين ريال للفرد (نحو 16.6 دولاراً) لن يعوّض الخسائر المعيشية، موضحاً أن هذا المبلغ لا يكفي حتى لشراء كيلوغرام واحد من اللحم في الأسواق.

وفي تعليقه على توجهات محافظ البنك المركزي الجديد، قال يوسفي لـ"العربي الجديد" إن عبد الناصر همتي لا يؤمن بتعدد أسعار الصرف ويدفع باتجاه توحيد سعر الدولار، معتبراً أن هذا التوجه قد يكون سليماً نظرياً، لكنه يصطدم بواقع غياب التوزيع العادل للثروة في إيران.
وأوضح أن الرهان الحكومي يتمثل في تعويض الشرائح الفقيرة عبر الدعم النقدي أو بطاقات التمويل الإلكترونية، بهدف عدم استفادة الطبقات الميسورة من الدعم، معرباً في الوقت نفسه عن شكوكه في قدرة هذا النموذج على حماية الفئات الضعيفة.

وشدد يوسفي على أن حذف العملة التفضيلية سيكون له أثر مباشر وقاسٍ على اقتصاد الأسر، خصوصاً في قطاعي الغذاء والدواء، إذ ستُستورد السلع وفق الأسعار العالمية وستُباع محلياً على الأساس نفسه، ما ينذر بموجة غلاء واسعة. واعتبر أن التغييرات الإدارية الأخيرة في البنك المركزي، والمسار الاقتصادي المعتمد حالياً، ثبت فشله سابقاً، وهو ما سيؤدي، بحسب رأيه، إلى تحميل كلف الإصلاح على كاهل الفئات الأضعف، ولا سيما الموظفين وأصحاب الدخل الثابت والمتقاعدين في القطاعات المدنية والعسكرية والتأمين الاجتماعي.

وأضاف أن أي زيادة محتملة في الدعم أو الأجور ستتآكل سريعاً بفعل التضخم، مشبهاً ذلك بزيادة رواتب بنسبة 20% في ظل تضخم يتجاوز 40%، ما يجعل الزيادة عديمة الجدوى خلال أشهر قليلة. وشدد الخبير يوسفي في حديثه مع "العربي الجديد" على أن المشكلة الأساسية تكمن في الفساد البنيوي وضعف إدارة الموارد، مشيراً إلى عدم عودة جزء كبير من عائدات الصادرات إلى الخزانة العامة، إلى جانب الهدر الكبير في موازنات مؤسسات لا تقدم منفعة مباشرة للمجتمع. وحذّر من أن الاقتصاد الإيراني يتجه نحو مزيد من الانكماش، وأن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى اتساع الفجوة الاجتماعية وتقلص موائد الأسر، مؤكداً أن معالجة الأزمة الاقتصادية لن تنجح عبر تغييرات شكلية أو تجارب متكررة، ما دامت جذور الخلل لم تُعالَج بشكل جذري.

ترحيب وتحفظ

حاول مراسل "العربي الجديد" استكشاف آراء مواطنين إيرانيين في العاصمة طهران بشأن هذه الخطوة الحكومية وآثارها، فكانت هناك ثمة وجهات نظر متباينة تجمع بين تأييد المبدأ والتحفّظ على آليات التنفيذ والآثار المعيشية الناجمة عنه. مريم فرحي (36 عاماً) موظفة في القطاع الخاص، ترى في حديث مع "العربي الجديد" أن إلغاء العملة التفضيلية كان خطوة صحيحة من حيث المبدأ، قائلة إن هذا النوع من الدعم الحكومي بالعملة الصعبة "كان يذهب في معظمه إلى جيوب الوسطاء وليس إلى المواطنين". إلا أنها أشارت إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في عدم تناسب قيمة الدعم النقدي المباشر مع الوتيرة المتسارعة لارتفاع الأسعار. وأضافت: "عندما يبقى الدعم ثابتاً بينما ترتفع الأسعار شهرياً، تتراجع قدرتنا الشرائية بشكل واضح"، مؤكدة أن استمرار هذه السياسة يتطلب اعتماد إجراءات صارمة للسيطرة على التضخم.

من جهته، قال علي رحماني (44 عاماً)، تاجر في السوق، إنه كان معارضاً للعملة التفضيلية منذ البداية، معتبراً أنها أدّت إلى تشويه السوق وإضعاف المنافسة العادلة. وأوضح أن الأسعار بعد إلغاء هذه العملة ستصبح أقرب إلى الواقع، غير أن تكاليف المعيشة والإنتاج مرتفعة بشكل كبير، من الإيجارات والضرائب إلى كلفة المواد الأولية. وأضاف لـ"العربي الجديد" أن الدعم النقدي الذي يُقدَّم للمواطنين "ذو أثر قصير الأمد ويذوب سريعاً في موجة الغلاء"، مشدداً على أن هذه السياسة لن تؤدي إلى نتائج ملموسة ما لم تترافق مع تحريك عجلة الإنتاج وانتعاش قطاع الأعمال.

أما سمية شريفيان (معلمة)، فرأت أن التطبيق العملي سيفاقم الضغوط الاقتصادية على الطبقات الوسطى والضعيفة. وقالت لـ"العربي الجديد" إن المبالغ المصروفة قد تغطي جزءاً محدوداً من النفقات، لكنها لن تعوّض الارتفاع الكبير في أسعار الغذاء والأدوية والإيجارات التي ستزداد بشكل كبير بسبب تحرير الأسعار. ودعت الحكومة إلى تعزيز أشكال الدعم غير النقدي، ولا سيما في مجالات التأمين الصحي والخدمات التعليمية والعلاجية.

أما حسين رضواني (52 عاماً)، متقاعد، فذكر إلى أن الدخول الثابتة للمتقاعدين لم تعد قادرة على مواكبة الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، قائلاً لـ"العربي الجديد": "آملُ ألا تكون هذه الخطوة ناتجة عن نفاد خزانة الدولة من الدولار، بل أن تكون إجراءً مقصوداً يهدف إلى مكافحة الفساد وتقديم دعم مباشر للمستهلك". ووصف رضواني في الوقت نفسه، الدعم النقدي بأنه "مساعدة محدودة غير كافية"، مطالباً بتصميم آليات دعم أكثر استهدافاً تتناسب مع الكلفة الفعلية للحياة، ولا سيما للفئات ذات الدخل المحدود والثابت، مع ضرورة ربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم وارتفاع الأسعار لضمان تعويض الفجوة المعيشية المتزايدة.

المساهمون