دراسة: تسريح الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي يترك الشركات بلا خبراء
استمع إلى الملخص
- أظهرت الأبحاث انخفاض فرص العمل للشباب في المهن المتأثرة بالذكاء الاصطناعي، مثل تطوير البرمجيات، مع صعوبة التوظيف بسبب نقص مسارات التعلم المكيّفة، مما يعكس اتجاهًا أوروبيًا أوسع.
- تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة تحديات في تبني الذكاء الاصطناعي، مما قد يؤدي إلى ضعف قاعدة المواهب، لكنها يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تنمية المهارات من خلال توفير فرص عمل وتدريب أكبر.
تواجه كثير من الشركات معضلة واضحة، فهي تريد رفع الكفاءة عبر الذكاء الاصطناعي، لكنها في المقابل تخاطر بكسر حلقة تكوين الخبرات، لأن تقليص توظيف المبتدئين اليوم يعني نقص المهارات بعد سنوات. وأوضحت دراسة أجرتها شركة الأبحاث السوقية والاستشارات التقنية التي تتخذ من بوسطن مقرا لها "آي دي سي" (IDC)، في ديسمبر/كانون الأول الجاري، وشملت 5500 شركة في 22 دولة، وشارك فيها قادة أعمال ومسؤولون عن الاستراتيجية الرقمية من مؤسسات بأحجام مختلفة، ومن دول بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة واليابان والهند وغيرها، أن 67% من الشركات تخطط لتقليص توظيف الموظفين المبتدئين خلال ثلاث سنوات، من باب أن وظائفهم يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم بها بالمجان.
وقالت الدراسة إن هذا التوجه يأتي لأن الذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة مستقبلية، بل صار أداة يومية داخل المؤسسات. وطرحت سؤالا بعدها: "لكن إذا توقفت هذه الشركات عن تدريب الشباب، فمن سيكون العمال ذوو الخبرة في المستقبل؟". وأفادت المنصة العالمية للرواتب والموارد البشرية "ديل" (Deel) بأنها رصدت تحولات وظيفية أو إلغاءات في 83% من الشركات التي شملها الاستطلاع ضمن العينة نفسها، منها 250 شركة في فرنسا، وأشارت إلى أنه بمنطق الأتمتة "ترى شركات كثيرة أن جزءا كبيرا من المهام التي يؤديها الموظفون الجدد يمكن للذكاء الاصطناعي إنجازها بسرعة وكلفة أقل".
ويدعم هذا القلق نتائج بحث سابق لثلاثة باحثين من جامعة ستانفورد، إذ لاحظوا انخفاضا ملحوظا في فرص العمل للشباب بأعمار بين 22 و25 عاما في المهن الأكثر تعرضا لتأثير الذكاء الاصطناعي، مثل تطوير البرمجيات وخدمة العملاء. وهنا يظهر السؤال الصعب: "كيف ستكون الخبرة العملية إذا تقلصت نقطة الدخول الأولى إلى سوق العمل؟".
ونقلت قناة "بي أف أم" الفرنسية أنه في باريس يبرز هذا التوتر بشكل أوضح، إذ ترى نسبة 70% من المديرين التنفيذيين الفرنسيين ندرة في فرص التدريب أثناء العمل لأن جزءا منها أصبح مؤتمتا جزئيا. وفي الوقت نفسه يقول 75% إنهم يواجهون صعوبة في التوظيف بسبب نقص مسارات تعلم مكيّفة مع التحديات الجديدة. وقال مدير "ديل" في فرنسا جيريمي ميمون للقناة ذاتها إن "ما يحدث محليا يعكس اتجاها أوروبيا أوسع، حيث تتكرر المفاضلة نفسها بين أتمتة المهام ونقص المبتدئين والحاجة العاجلة إلى إعادة التأهيل".
الفجوة.. غياب الكفاءات
المفارقة أن الشركات قد تقع في فخ صنعته بنفسها، فهي حين تقلص توظيف المبتدئين تقلص أيضا فرص التعلم داخل مكان العمل، أي تلك المهام اليومية التي كانت تتيح للشاب أن يتعلم بالممارسة تحت إشراف مدير أو زميل أكثر خبرة. ومع مرور الوقت يتزايد الخطر، لأن تقاعد الكفاءات العليا سيترك فجوة كبيرة إذا لم يكن هناك جيل تدرج وتعلم ونضج داخل المؤسسة.
من جهة أخرى، أشارت دراسة لهيئة المعايير البريطانية "بي إس آي" صدرت في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة أقل استباقية من الشركات الكبيرة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي. وقالت كيت فيلد، وهي من مؤلفي الدراسة، إن النتائج تكشف اتجاها مقلقا لأن بعض القادة يقلصون فرص التطوير ويقدمون الإنتاجية القصيرة على مرونة القوى العاملة على المدى الطويل، وهو ما قد يقود إلى ضعف قاعدة المواهب واتساع فجوة الأجيال واتساع الفارق بين الشركات الكبرى والصغرى.
ولفتت الدراسة إلى أن 51% من قادة الشركات الصغيرة والمتوسطة يرون الذكاء الاصطناعي ضروريا للنمو مقابل نحو 69% في الشركات الكبيرة، كما أن قادة الشركات الصغيرة والمتوسطة أقل ميلا لتوقع تسريح العمال بسبب الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، يرى معدو الدراسة أن هذه الشركات يمكن أن تصبح حجر الزاوية في تنمية المهارات عبر توفير فرص عمل وتدريب أكبر، ما يجعلها جزءا من حل أزمة الخبرة بدل أن تكون ضحية لها.