تركيا وسورية تراهنان على 10 مليارات دولار من التبادل التجاري

23 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 16:06 (توقيت القدس)
معبر حدودي بين تركيا وسورية، 11 ديسمبر 2024 (بيركمان أولوتين/ Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وسورية 3.7 مليارات دولار في 2025، مع تطلع لزيادته إلى 10 مليارات دولار رغم التحديات الاقتصادية السورية، مما يتطلب قوانين جديدة ومناخ ملائم للتجارة.
- تعمل الدولتان على تعزيز التعاون الاقتصادي بفتح معابر جديدة وتوسعة المناطق الحرة، مع التركيز على جذب الاستثمارات التركية لتحقيق التكامل الاقتصادي.
- يواجه الاقتصاد السوري تحديات في البنية التحتية، وتسعى تركيا لدور رئيسي في إعادة الإعمار، مع التركيز على استقطاب استثمارات نوعية وتحديث المنافذ الحدودية لزيادة التبادل التجاري.

بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وسورية 3.7 مليارات دولار خلال عام 2025، وهو أعلى مستوى يسجَّل في تاريخ العلاقة بين البلدين. وتتطلع أنقرة ودمشق، بوجود إرادة مشتركة وانسجاماً مع الرؤية بينهما، إلى رفع هذا الرقم إلى 10 مليارات دولار "في أقرب وقت ممكن".

ورفع حجم التبادل التجاري إلى ثلاثة أضعاف قيمته الحالية ليس بالأمر السهل في ظل واقع الاقتصاد السوري وما لحق بالبنية الإنتاجية من تهديم خلّفه نظام الأسد البائد، غير أن ثمة مقتضيات يحتاجها البلدان، سورية وتركيا، لزيادة التجارة وتبادل الخبرات وجذب الاستثمارات، تبدأ من سنّ القوانين وتأمين المناخ الملائم، وتستمر عبر المصالح المتبادلة، لتصبّ في نهاية المطاف في خانة المصالح المشتركة، وتأمين احتياجات الأسواق من منتجات مجاورة قليلة التكاليف، ورأس مال ينظر بعين التنمية كما ينظر بالأخرى إلى الربح، هكذا اختصر المستشار الأول لوزارة التجارة السورية، أسامة قاضي، رؤيته لبلوغ حلم التبادل الذي طرحه وزير التجارة التركي عمر بولاط، يوم أمس.

ويضيف قاضي، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، أنه "يمكن أن نكون أمام مشهد تبعية للاقتصاد السوري تجاه الاقتصاد التركي، نظراً للتفاوت في مستوى التطور بين البلدين وازدياد حاجة السوق السورية إلى كل شيء، فإذا اختُصرت العلاقات بالتجارة فقط، فقد تتسبب بأزمة للصناعة السورية التي لا قدرة لها اليوم على المنافسة المفتوحة"، داعياً إلى "اعتماد طرق حمائية للمنشآت السورية، وهو ما لا يتناقض مع اقتصاد السوق أو النهج الليبرالي الذي تتبناه سورية الجديدة".

وتواصل تركيا وسورية سعيهما لزيادة قيمة التجارة وحجمها عبر فتح معابر جديدة وتوسعة المناطق الحرة وتخفيض الرسوم، وصولاً إلى إزالتها، وفق ما طرحه البلدان خلال سلسلة من الاجتماعات والفعاليات الاقتصادية في العاصمة التركية أنقرة أمس الأربعاء.

وفي السياق، قال وزير التجارة التركي عمر بولاط، خلال لقائه رئيس هيئة الجمارك والمعابر الحدودية السورية، قتيبة بدوي، على هامش منتدى المناطق الحرة التجارية والصناعية والاستثمارية المنعقد في اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية، إن العلاقات الاقتصادية بين أنقرة ودمشق تشهد زخماً متصاعداً. وحول الملفات المطروحة على طاولة لقاءات البلدين، أضاف الوزير التركي أن إعادة النظر في الرسوم الجمركية، وتسريع أعمال اللجنة الجمركية المشتركة، وتعزيز التعاون في المعابر الحدودية، بما يسهم في تسهيل حركة التجارة والاستثمار بين البلدين، تأتي في مقدمة أولويات القضايا المطروحة للبحث.

وكشف بولاط عن توصل الجانبين إلى تفاهم يقضي بتشغيل معبر جمركي بين مدينة نصيبين التركية ومدينة القامشلي السورية قبل نهاية العام الجاري، في خطوة من شأنها توسيع شبكة الربط التجاري واللوجستي بين البلدين، بالتوازي مع توسعة المعابر الحدودية الستة العاملة حالياً بينهما وتحديثها، بما يرفع قدرتها التشغيلية ويحوّلها إلى ممرات تجارية ولوجستية تخدم ليس فقط التجارة الثنائية، وإنما أيضاً حركة التجارة الممتدة من تركيا عبر سورية نحو دول الشرق الأوسط والخليج العربي.

وركّزت اللقاءات، خلال منتدى المناطق الحرة والاستثمار في سورية الذي استضافته أنقرة، على كل ما يساهم في تعافي الاقتصاد السوري، بحسب مصادر خاصة لـ"العربي الجديد"، من جذب استثمارات تركية والاستفادة من التجارب والخبرات الإنتاجية الصناعية والتجارية، لتندمج مع الإمكانات السورية والموقع الجغرافي، وصولاً إلى مرحلة التكامل الاقتصادي وتوسيع المشروع الإقليمي.

ويكشف مستشار وزارة الاقتصاد السورية أسامة قاضي، أن من بين الملفات التي ناقشها الجانبان الفرص الاستثمارية وإنشاء ميناء جاف في محافظة إدلب الحدودية مع تركيا، نظراً لما تحظى به المنطقة من أهمية جغرافية، باعتبارها نقطة تقاطع الطريقين "إم 4" و"إم 5"، وإمكانية تحوّلها إلى مركز إقليمي للصناعة والتخزين والتصدير، من تركيا باتجاه المنطقة العربية، ومن سورية إلى تركيا وصولاً إلى أوروبا.

لكنه يستدرك في حديثه لـ"العربي الجديد" بأن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون لاستقطاب الاستثمارات التركية النوعية، لا لزيادة الواردات الاستهلاكية، موضحاً أن "سورية تحتاج إلى الشركات التركية في مجالات الصناعات التحويلية، والتصنيع الزراعي، والزراعة الحديثة، والبنية التحتية، والإعمار، والطاقة، والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات تسهم في خلق فرص العمل ونقل الخبرة التكنولوجية، وتسهم في بناء قاعدة إنتاجية حقيقية وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد السوري". وأشار في الوقت ذاته إلى "ضرورة تسهيل دخول البضائع السورية إلى تركيا لتجاوز أي عجز تجاري معها"، خاتماً بالقول إن "الانفتاح على إنشاء منطقة حرة أو بناء منطقة صناعية تركية في سورية أمر جيد، شرط أن تكون السلع المنتَجة موجَّهة للتصدير بما يدرّ قطعاً أجنبياً على سورية من جهة، ويدعم منافسة السلع السورية في السوق الداخلية من جهة أخرى، تشجيعاً للمنتج المحلي".

بدوره، يرى المحلل طه عودة أوغلو أن اللقاءات بين البلدين ركّزت أمس على نقاط رئيسية مهمة وعامة، كزيادة التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة، وصولاً إلى التكامل الاقتصادي، بعد تذليل ما يعيق هذا التطلع من عقبات لوجستية وقانونية وجمركية. لكن الأهم والأكثر استراتيجية، برأيه، هو الاستفادة من "نعمة الجغرافيا"، خصوصاً في ظل تزايد أهمية الطرق البرية والسكك الحديدية كبدائل للممرات البحرية التي تشهد إغلاقات وحروباً وتنافساً على السيطرة في المنطقة، و"مضيق هرمز مثال".

ويلفت عودة أوغلو، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن فتح منافذ حدودية جديدة كمعبر نصيبين-القامشلي، إلى جانب تحديث المنافذ القائمة وتوسعتها وتطوير خطوط النقل البحري للاستفادة من الموقع الجغرافي السوري، سيكون بداية لمشروع كبير يُشتغل عليه إقليمياً، لتسهيل العبور وزيادة التبادل من أوروبا إلى الخليج العربي عبر تركيا وسورية والعراق والأردن، سواء عبر طريق الشرق الأوسط: تركيا - سورية - الأردن - الخليج، أو عبر المسار الثاني المتمثل بمشروع طريق التنمية: تركيا - العراق - الخليج.

ويضيف عودة أوغلو أن هذا التطلع الاستراتيجي "لا يلغي أبداً ضرورة الأخذ بيد سورية اقتصادياً، عبر تطوير البنى التحتية والمساهمة في إعادة تأهيل المنشآت الصناعية، وأخذ تركيا الدور الأهم في إعادة الإعمار والاستثمارات"، معتبراً أن الوصول إلى قيمة تبادل قدرها 10 مليارات دولار، كما طرح الوزير بولاط، أمر ممكن يمكن تحقيقه خلال سنوات قليلة، نظراً للمصالح المشتركة والقرب الجغرافي والسعي المشترك نحو التكامل الاقتصادي.

تطور حجم التبادل التجاري بين تركيا وسوريا (مليار دولار)
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

وكانت تركيا وسورية قد وقّعتا، في نيسان/ إبريل الماضي، خلال أعمال اللجنة الاقتصادية المشتركة وزيارة وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار لأنقرة، بروتوكول المرحلة الأولى من اتفاقية التعاون التجاري الاقتصادي المشترك، بهدف زيادة التبادل التجاري وتسهيل الانسياب السلعي والتطوير الإداري والحوكمة.

يُذكر أن حجم التبادل التجاري بين سورية وتركيا بلغ عام 2010، بحسب وزير التجارة التركي، 2.5 مليار دولار، منها 1.84 مليار دولار صادرات تركية، بينما سجّلت الواردات 660 مليون دولار. لكن هذه الأرقام تراجعت خلال الثورة السورية، بعد قطع نظام الأسد العلاقات مع تركيا وتجريم التبادل التجاري بقرار من رئيس الوزراء وقتذاك، فيما استمر التبادل مع المناطق المحررة وراوح بين 2.5 و3 مليارات دولار، ليصل عام 2024 إلى نحو 2.538 مليار دولار (2.2 مليار دولار صادرات تركية، ونحو 438 مليون دولار واردات).

وسرعان ما عاد حجم التبادل إلى الارتفاع بعد تحرير سورية في ديسمبر/ كانون الأول 2024، لتسجل الصادرات خلال عام 2025 الماضي ارتفاعاً بنسبة راوحت حول 54%، لتبلغ القيمة الإجمالية نحو 3.7 مليارات دولار. وخلال الربع الأول من العام الجاري، استمر تدفق السلع والمنتجات بين البلدين بعد تفعيل المعابر الحدودية البرية وتنشيطها، لتسهيل حركة البضائع والأفراد، لتقترب قيمة الصادرات في أول شهرين من العام الجاري من 700 مليون دولار، بزيادة سنوية بلغت 26.7% مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.

وتُصدّر تركيا إلى سورية مواد البناء والسلع الاستهلاكية والحبوب والمواد الكيميائية والكهربائية والإلكترونيات والعدد الصناعية، فيما تنحصر مستوردات تركيا من سورية بالمواد الأولية، والزراعية منها تحديداً، كزيت الزيتون والحبوب وبعض الخضار.