تركيا بين الإفلاس والركود: انهيار شركات كبرى يهدد الاستثمار

25 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 20:12 (توقيت القدس)
كابالكار البازار الكبير في إسطنبول، تركيا، 28 سبتمبر 2018 (نيكولاس إيكونومو/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد تركيا موجة إفلاس في الشركات الكبرى بسبب الأزمات المالية وارتفاع تكاليف الإنتاج، مع محاولات حكومية لدعمها عبر قرارات المحكمة الاقتصادية.
- يوضح الخبير يوسف كاتب أوغلو أن الركود يؤثر على الصناعات الثقيلة والخدمية، بينما تظل قطاعات مثل المصارف قوية، مع منافسة شديدة تواجهها شركات النسيج.
- تسعى الحكومة لتحديث قانون الإفلاس لحماية حقوق المدينين والدائنين، مع تعديلات تشمل خفض نسبة حجز الرواتب وإدراج الأصول الرقمية، وسط توقعات نمو واقعية.

تشهد تركيا موجة متسارعة من إفلاس الشركات الكبرى، بما فيها أسماء عريقة في صناعات استراتيجية، في مؤشر يظهر مواطن ضعف في الاقتصاد التركي وسط أزمات متعددة ومتراكمة. شركة "أرويمك تشيليك"، مثلاً، من أعرق شركات الصلب التي يزيد عمرها على 74 عاماً، تقدمت أخيراً بطلب إعلان الإفلاس، فيما أعلنت شركات نسيجية كبرى ومصدرة عجزاً مالياً كاملاً، بحسب مصادر مطلعة على الواقع الاقتصادي لـ"العربي الجديد".

في غضون ذلك، تحاول الحكومة التركية، وفق المصادر نفسها، دعم الشركات التي تشغّل أعداداً كبيرة من العمال، وتمتلك سجل إنتاج وتصدير قوي، عبر منحها فرصة تمديد مؤقت من خلال قرارات المحكمة الاقتصادية. يتمثل ذلك بفترة امتداد تصل إلى ثلاثة أشهر، مع تعيين لجنة مفوضين لمتابعة أعمال الشركة، بهدف إعادة التوازن المالي دون الإضرار بحقوق الدائنين، مع الحفاظ على حق المصارف والشركات الدائنة بالاعتراض على طلب التمديد.

وأصدرت المحكمة، اليوم الخميس، قرار إفلاس لشركتي "ليدر جانسو نسيج" في تكيرداغ و"سيريس نسيج" في إسطنبول، نتيجة الأزمات المالية التي تعانيها هذه الشركات، بعد محاولات سابقة لاستعادة التعافي عبر تمديد المحكمة لاستحقاقات الشركات. أما بالنسبة إلى شركة "سيريس نسيج"، فقد ألغت محكمة التجارة الثانية جميع التدابير السابقة، وقررت الإفلاس، في ظل تزايد الأخبار عن تعثر شركات قطاع النسيج والملابس.

ويشرح الخبير الاقتصادي التركي، يوسف كاتب أوغلو لـ"العربي الجديد"، أن معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية تعيش ركوداً مؤقتاً بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، من أسعار الطاقة إلى أجور العمالة، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمستهلك المحلي، وتراجع الطلب الخارجي والتصدير، ما أدى إلى تكبد كثير من الشركات خسائر دفعتها إلى طلب إعلان الإفلاس.

ويحذر كاتب أوغلو من تعميم حالات الإفلاس على كامل القطاعات التركية، موضحاً أن بعض القطاعات مثل المصارف والقطاع الغذائي ما زالت تحقق أرباحاً ولم تُسجّل فيها حالات إفلاس. أما الصناعات الثقيلة والخدمية، مثل النسيج والمعادن والسياحة والفندقة، فتعاني ضغوطاً مالية متواصلة مع تراكم العجز والديون، ما يضطرها أحياناً إلى تصفية الأصول لتسديد الحقوق.

وتواجه شركات النسيج، وفق كاتب أوغلو، منافسة شرسة من المنتجات الأجنبية، خصوصاً الصينية والمصرية، ما يزيد صعوبة المنافسة داخل السوق التركية. ويشير إلى أن بعض الشركات التركية بدأت الاستثمار في مصر وسورية ودول أخرى بسبب انخفاض تكاليف الطاقة والأيدي العاملة.

وحول إجراءات الحكومة التركية، يؤكد الخبير أن الدولة تمنح الشركات التي تواجه أزمات مهلة بين ثلاثة أشهر وسنة، قبل اتخاذ قرار الإفلاس النهائي، مع محاولة إعادة هيكلة الديون والحفاظ على الأصول. ويضيف أن مشكلة الشركات ليست غالباً في حجم الموجودات، بل في توفر السيولة اللازمة لسداد الديون والفوائد والأجور.

ويعتبر المحلل الاقتصادي ومدير مركز فكر للدراسات، باكير أتاجان، أن أسباب الركود التركي ليست محلية فحسب، بل مرتبطة بالأزمات الإقليمية، التي زادت من حدة الجمود، وتراجع الصادرات والقدوم السياحي، وهما جناحا الاقتصاد التركي. ويشير لـ"العربي الجديد" إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة المصرفية، التي بلغت سابقاً 50% قبل أن تنخفض إلى 40%، دفع رؤوس الأموال نحو البنوك للحصول على أرباح كبيرة، ما أثر سلباً بالنشاط الإنتاجي والخدمي.

وتنص إجراءات الإفلاس في تركيا على أن الشركة التي تعجز عن تسديد التزاماتها المالية تتقدم بطلب "كونكورداتو" أمام القضاء، وهو اتفاقية تسوية ديون تهدف إلى حماية أصول الشركة وإعادة هيكلة التزاماتها المالية. وتمنح المحكمة بعد ذلك مهلة إضافية ضمن اتفاقية التسوية، وفي حال استمرار العجز، يُعلن الإفلاس، ويُعين مراقبون لتصفية الأصول ودفع المستحقات، لضمان حقوق الدائنين.

وكانت الحكومة التركية قد أطلقت مشروع قانون جديد لتحديث قانون الإفلاس والتنفيذ الذي يعود لعام 1932، بهدف حماية حقوق المدينين والدائنين، وتعزيز العدالة المالية، وتنظيم إجراءات الديون بطريقة مرنة تتناسب مع الاقتصاد الرقمي. وتشمل التعديلات المقترحة خفض نسبة حجز الرواتب، بحيث يُقتطَع 10% فقط من الحد الأدنى للأجور، و20% من الرواتب الأعلى، مع إدراج الأصول الرقمية مثل العملات المشفرة ضمن قائمة الممتلكات القابلة للحجز.

ويأتي هذا في ظل تباطؤ النمو وارتفاع التضخم في تركيا، رغم تراجع معدل التضخم إلى نحو 31%، وفق البرنامج الاقتصادي 2026-2028 الذي أعلنه نائب الرئيس جودت يلماظ، حيث رُفعَت تقديرات التضخم لعام 2025 إلى 28.5% بدلاً من 17.5%، مع تعديل توقعات النمو للناتج المحلي الإجمالي لعام 2025 إلى 3.3% بدلاً من 4%، وتراجع أهداف السنوات التالية تباعاً. ويرى المراقبون أن هذه الأرقام تعكس واقعية اقتصادية تتناسب مع الظروف الداخلية والتقلبات الإقليمية، بينما يظل الاقتصاد التركي قوياً رغم موجة الإفلاس وملامح الركود.

المساهمون