ترامب يخسر معركته أمام البنك الفيدرالي

11 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:30 (توقيت القدس)
رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، واشنطن، 10 ديسمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قرار مجلس الاحتياط الفيدرالي بخفض سعر الفائدة بنسبة 0.25% أثار جدلاً في الولايات المتحدة، حيث انتقد الديمقراطيون سياسات ترامب الاقتصادية، بينما اعتبر ترامب الخفض غير كافٍ وانتقد البنك الفيدرالي ورئيسه جيروم باول.

- السجال حول القرار امتد إلى الأسواق العالمية، وأكد الفيدرالي استقلاليته في إدارة السياسة النقدية بناءً على معايير فنية بحتة، مما يعكس التزامه بالمصلحة العامة بعيداً عن التأثيرات السياسية.

- الفيدرالي أشار إلى دعمه لسوق العمل ومعالجة التضخم، موضحاً أن خفض الفائدة بنسبة أكبر غير ممكن حالياً، وأن أي خفض إضافي سيكون محدوداً ومعقداً.

بإعلان مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) قرار خفض سعر الفائدة بنسبة ضعيفة بلغت 0.25% مساء يوم الأربعاء، تحول قرار البنك إلى معركة ساخنة ليس فقط على المستوى الاقتصادي والمالي، بل على المستوى السياسي والحزبي.

خصوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الحزب الديمقراطي استثمروا القرار المتوقع إلى حد كبير في معاودة الهجوم على البيت الأبيض، وسارعوا بإهالة التراب على سياسة ترامب الاقتصادية والتجارية التي أربكت الأسواق، وأوقفت خطط تراجع معدل التضخم إلى 2%، وأدت إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بالعجز المالي والرسوم الجمركية والإغلاق الحكومي، والأهم أنها أرهقت الأسرة الأميركية ورفعت كلفة المعيشة.

من بين هؤلاء، كبير الديمقراطيين في لجنة الموازنة بمجلس النواب بريندان بويل الذي رأى أن خفض الفائدة 0.25% للمرة الثالثة خلال العام الجاري هو دليل على أن اقتصاد ترامب في حالة يرثى لها، وأن الفيدرالي يشعر بقلق حقيقي من ضعف سوق العمل، وأن الرسوم الجمركية التي يفرضها الرئيس لا تزال تغذي التضخم وتزيد كلفة المعيشة.

ترامب هو الآخر راح يهيل التراب مجدداً على قرار خفض سعر الفائدة الأخير وينتقده بشدة قائلاً إنّ البنك الفيدرالي "يقتل النمو" بتردده

حتى داخل صفوف الجمهوريين في الكونغرس، ساد خطاب متناقض تجاه قرار الفيدرالي، بخاصة من ناحية نسبة الخفض التي لا تكفي من وجهة نظرهم لرفع الأعباء عن كاهل الشركات الصغيرة والأسر الريفية المتضررة من الرسوم الجمركية والحروب التجارية.

ترامب هو الآخر راح يهيل التراب مجدداً على قرار خفض سعر الفائدة الأخير وينتقده بشدة قائلاً إنّ البنك الفيدرالي "يقتل النمو" بتردده، مكرراً انتقاداته لرئيس الفيدرالي جيروم باول المتعنت والضعيف حسب وصفه. وقال إن خفض البنك المركزي لأسعار الفائدة جاء محدودا وكان بالإمكان خفضه بقدر أكبر وبنسبة لا تقل عن نصف في المائة.

السجال حول القرار الأخير للبنك الفيدرالي لم يتوقف على الداخل الأميركي سواء بين الساسة أو البنوك والمؤسسات المالية ومستثمري "وول ستريت"، بل انتقل إلى أسواق العالم بخاصة أنّ الفيدرالي هو أهم البنوك المركزية، وقراراته تؤثر بقوة على صانعي السياسات النقدية حول العالم، والبنوك المركزية تنتظر قراراته حتى تسير عليها.

ورغم هذه السجالات، فإنّ الفيدرالي خرج منتصراً من تلك المعركة، وبعث بعدة رسائل من وراء قرار الخفض الطفيف والمتحفظ في أسعار الفائدة أبرزها تأكيد استقلاليته في إدارة السياسية النقدية، وعدم المسّ بمصداقية البنك المركزي، وضربه عرض الحائط بكل تهديدات وضغوط ترامب الرامية إلى خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع، كما اتخذ البنك قراره في ظل معايير فنية بحتة تتعلق بالمصلحة العامة وقياس حجم المخاطر، لا معايير سياسية أو سوقية، وكذا استند إلى بيانات تتعلق بالسياسية النقدية ومؤشرات اقتصادية منها ما يتعلق بمعدلات التضخم والنمو والتشغيل.

الفيدرالي خرج منتصرا في المعركة الحالية وضرب عرض الحائط بكل تهديدات وضغوط ترامب الرامية إلى خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع

وحتى بالنسبة للانقسامات الحادة والتاريخية بين أعضاء لجنة السياسة النقدية التي ظهرت بشدة في اجتماع الفيدرالي هذا الأسبوع، فهي ظاهرة صحية من وجهة نظر البنك، وليست عميقة بقدر ما توحي به أسواق المال وعناوين وسائل الإعلام، وبالتالي فإن المسار المستقبلي للفائدة لا يجب أن يبقى رهينة لضغوط ترامب وغيره أو لهوية الرئيس الجديد للفيدرالي.

الرسالة الثانية هي أن الفيدرالي يبعث من قرار الخفض المتشدد الأخير لسعر الفائدة بإشارة دعم لسوق العمل محاولاً إنقاذها من تباطؤ خطير وبطالة محتملة، ويحاول أيضا طمأنة الأسواق بأن معركته مع التضخم لم تنتهِ بعد، وأنه مستمر في معالجة فوضى سياسات ترامب الاقتصادية بخاصة تلك الناتجة عن فرض الرسوم الجمركية على الواردات التي سببت زيادة ملحوظة في الأسعار داخل الولايات المتحدة.

موقف
التحديثات الحية

الرسالة الأخيرة التي بعث بها البنك المركزي الأميركي هي أنه لا يملك سوى تقديم هذا القدر المحدود من التخفيف في السياسة النقدية عبر خفض الفائدة بنسبة 0.25%، لا 0.50% كما كان يضغط ترامب، في ظل تصدعات سوق العمل الحالية، وتباطؤ سوق التشغيل، وأن الطريق نحو خفض إضافي للفائدة في العامين المقبلين سيكون أكثر تعقيداً. وحتى لو حدث فسيكون بنسبة ربع في المائة لا أكثر.
ببساطة، خسر ترامب معركته أمام البنك الفيدرالي وفشل في دفعه نحو إجراء خفض كبير في سعر الفائدة على الدولار بشكل عام مجاملة لرجال الأعمال ومستثمري "وول ستريت"، أو حتى إقالة جيروم باول رئيس البنك كما هدد عدة مرات، والفرصة الوحيدة المتاحة أمام ترامب هي عدم التجديد لباول في موقعه واختيار بديل له في يونيو/حزيران المقبل. وحتى في حال حدوث ذلك فإن باول سيخرج منتصراً.

المساهمون