تحت جليد غرينلاند ثروات تؤثر على اقتصاد العالم... إليك ما يغري ترامب

06 يناير 2026   |  آخر تحديث: 16:37 (توقيت القدس)
خريطة توضح موقع غرينلاند (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب اهتمامًا بالسيطرة على غرينلاند لأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، مما أثار توترات مع الدنمارك التي تعتبرها جزءًا من أراضيها، وذلك في سياق تعزيز الأمن القومي الأميركي ومواجهة النفوذ الصيني والروسي.

- تتمتع غرينلاند بموقع استراتيجي على طرق الشحن القطبية واحتياطات كبيرة من المعادن والنفط، لكن تواجه تحديات في استغلال هذه الموارد بسبب الظروف البيئية ونقص البنية التحتية.

- يعتمد اقتصاد غرينلاند على الصيد والدعم المالي من الدنمارك، مع تحديات مثل نقص العمالة المؤهلة، ويثير التعدين جدلاً بيئيًا رغم أهميته الاقتصادية.

تخلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن القفازات الدبلوماسية التي لطالما كانت بلاده ترتديها لخوض الحروب، وبعد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وإعلان السيطرة على نفط كاراكاس، توجه ترامب إلى الدنمارك ملوحاً باستعمار غرينلاند. وأكد ستيفن ميلر، أحد كبار مساعدي ترامب، الاثنين، أن غرينلاند تنتمي بحق إلى الولايات المتحدة وأن إدارة ترامب يمكنها الاستيلاء على الإقليم الدنماركي شبه المستقل إذا أرادت ذلك.

وحثت رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، السيد ترامب يوم الأحد على "وقف التهديدات" بضم غرينلاند ، وهو ما يُعدّ بمثابة هجوم على حليف في الناتو. وبموجب هذه المعاهدة، يُعتبر أي هجوم على أي عضو بمثابة هجوم على جميع الأعضاء. وقد صرّح ترامب سابقاً بأنه لا يستبعد استخدام القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند.

إضافة إلى الأهمية الأمنية والعسكرية، يعد مستقبل الاقتصاد العالمي أحد أبرز محركات ترامب للسيطرة على غرينلاند، لاعتبارات تتجاوز بكثير الحجم الصغير لاقتصاد الجزيرة الحالي؛ إذ إن الجزيرة تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطات غير المستغلة في العالم من المعادن النادرة، وهي مواد أساسية تدخل في صناعة البطاريات، السيارات الكهربائية، توربينات الرياح، والرقائق الإلكترونية. 

كما تشير التقارير إلى أن باطن غرينلاند وسواحلها يحتويان على احتياطات محتملة من النفط والغاز، لم تُستغل بعد بسبب الظروف المناخية والتكاليف المرتفعة. إلا أن ذوبان الجليد الناتج عن التغير المناخي يقلّل تدريجيًا من كلفة الاستخراج، ما يحوّل هذه الموارد من أصول معطّلة إلى فرص استثمارية واعدة في المستقبل.

كما أن الموقع الجغرافي لغرينلاند يفتح آفاقًا اقتصادية جديدة مرتبطة بطُرق الشحن القطبية، التي قد تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية. وأيضاً، ستصبح الجزيرة مصدراً عالمياً للمياه العذبة، وهي ثروة من المتوقع أن تكون سبباً للحروب المستقبلية.

وتعتمد الغالبية العظمى من اقتصاد غرينلاند على الصيد والدعم المالي من الدنمارك. اقتصادها صغير نسبيًا، لكن ترامب يعتبرها موقعًا استراتيجيًا مهمًا لأمن الولايات المتحدة في مواجهة الصين وروسيا. ويرى أن ثروات الجزيرة الطبيعية تحت الجليد تجعلها "ضرورية" للأمن القومي الأميركي.

قوة اقتصادية كامنة

أبدى ترامب لأول مرة اهتمامه بشراء الجزيرة المغطاة بالجليد في معظمها والتي يبلغ عدد سكانها 57 ألف نسمة فقط من الدنمارك في عام 2019، لكن طلبه قوبل بالرفض. وغرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، مغطاة بالجليد بنسبة 81% تقريبًا. وصل الفايكنغ إلى الجزيرة في القرن العاشر قادمين من أيسلندا؛ وبدأ الاستعمار الدنماركي في القرن الثامن عشر، وأصبحت غرينلاند جزءًا لا يتجزأ من المملكة الدنماركية عام 1953. انضمت إلى المجموعة الأوروبية (الاتحاد الأوروبي حاليًا) مع الدنمارك عام 1973، لكنها انسحبت عام 1985 بسبب نزاع تمحور حول حصص الصيد الصارمة. ومنح البرلمان الدنماركي غرينلاند الحكم الذاتي عام 1979، ودخل القانون حيز التنفيذ في العام التالي.

صوتت غرينلاند لمصلحة زيادة الحكم الذاتي في نوفمبر 2008، وحصلت على مسؤولية أكبر عن الشؤون الداخلية عندما تم توقيع قانون الحكم الذاتي لغرينلاند ليصبح قانونًا في يونيو 2009. ومع ذلك، لا تزال الدنمارك تمارس السيطرة على العديد من مجالات السياسة نيابة عن غرينلاند، بما فيها الشؤون الخارجية والأمن والسياسة المالية بالتشاور مع حكومة الحكم الذاتي للجزيرة. وفي عام 2024، أصدرت غرينلاند استراتيجيتها الخارجية والدفاعية والأمنية للفترة 2024-2033، بعنوان "غرينلاند في العالم - لا شيء يخصنا دون مشاركتنا".

ويعتمد اقتصاد غرينلاند على صادرات الروبيان والأسماك، وعلى دعم حكومي كبير من الحكومة الدنماركية، وفقاً لبيانات وكالة موديز للتصنيف الائتماني. تشكل الأسماك أكثر من 90% من صادراتها، مما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار. وقد رُصد للدعم الحكومي الدنماركي حوالي 535 مليون دولار، أي ما يزيد عن 50% من إيرادات الحكومة، و25% من الناتج المحلي الإجمالي.

يشهد الاقتصاد نموًا بعد فترة من الركود، وقد حفز هذا النمو زيادة حصص صيد الروبيان، وهو المنتج التصديري الرئيسي في غرينلاند، بالإضافة إلى ازدياد النشاط في قطاع البناء، لا سيما في نوك، العاصمة. كما يساهم الاستهلاك الخاص والسياحة في نمو الناتج المحلي الإجمالي بشكل أكبر من السنوات السابقة. وقد نما قطاع السياحة في غرينلاند سنويًا بنحو 20%.

تواجه الجزيرة تحديات كبيرة، منها نقص العمالة المؤهلة، والتشتت الجغرافي، وعدم تنوع الصناعات، واستدامة الميزانية العامة على المدى الطويل، وتناقص عدد السكان نتيجةً للهجرة. وقد توقف التنقيب عن الهيدروكربونات مع انخفاض أسعار النفط. تمتلك الجزيرة إمكانات لاستغلال الموارد الطبيعية، حيث توجد مشاريع مقترحة لاستخراج المعادن النادرة واليورانيوم وخام الحديد، إلا أن تضاريسها الجليدية ونقص البنية التحتية يعيقان التنمية.

ممر مستقبلي للتجارة الدولية

وتحتل غرينلاند موقعًا استراتيجيًا على طول مسارين محتملين للشحن عبر القطب الشمالي: الممر الشمالي الغربي، على طول الساحل الشمالي لأميركا الشمالية، وطريق البحر العابر للقطب الشمالي، عبر قلب المحيط المتجمد الشمالي.

ومع ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي، يُمكن لهذين المسارين تقليل أوقات الشحن وتجاوز نقاط الاختناق التقليدية مثل قناتي السويس وبنما. حاليًا، يُعد هذان المساران غير مجديين تجاريًا، ومن المرجح أن يظلا كذلك لسنوات عديدة بسبب سوء الأحوال الجوية والجليد العائم.

ووفقاً لدراسة نشرتها جامعة هارفرد في يناير 2025، فإنه على المدى البعيد، ومع ازدياد حركة السفن في المحيط المتجمد الشمالي، يُرجح أن تُصبح غرينلاند لاعبًا رئيسيًا في الإدارة الفعّالة للمحيط المتجمد الشمالي، بما في ذلك إدارة الطوارئ والوقاية والاستجابة. ستعتمد جدوى هذه المسارات الملاحية الجديدة وغيرها من الأنشطة البحرية في المنطقة، من بين أمور أخرى، على الاستثمارات في بنية تحتية بحرية شاملة. تتمتع غرينلاند بموقع استراتيجي يُؤهلها للاستفادة من هذه الاستثمارات والمساهمة في إدارتها. 

معادن غرينلاند ونفطها

يُسهّل ذوبان الجليد البري والبحري، الوصول إلى رواسب غرينلاند الغنية بالمعادن والهيدروكربونات، ما يجذب انتباه الدول المتنافسة على مواد التحول الطاقي. مع ذلك، لا يزال تطوير هذه الموارد يواجه تحديات جمة نظراً لبيئة غرينلاند القاسية، وبعدها الجغرافي، ونقص البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الاستخراج، فضلاً عن المخاوف المحلية بشأن الآثار البيئية والمخاطر التي تهدد سبل العيش التقليدية.

وتُعدّ غرينلاند، وفق "هارفرد"، مصدرًا محتملاً للعديد من المعادن الحيوية لعملية التحول في قطاع الطاقة. وعلى وجه الخصوص، تمتلك الجزيرة رواسب ضخمة من العناصر الأرضية النادرة اللازمة لتصنيع البطاريات، وتقنيات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، والمعدات العسكرية المتطورة. وتنظر الدول الغربية إلى موارد غرينلاند المعدنية بوصفها فرصةً لتقليل اعتمادها على الصين، التي تهيمن على سلاسل إمداد المعادن الحيوية.

وأظهر مسح أُجري عام 2023، أن 25 من أصل 34 معدناً اعتبرتها المفوضية الأوروبية "مواد خام حيوية" موجودة في غرينلاند. وتشمل هذه المعادن كميات كبيرة من المواد المستخدمة في صناعة البطاريات، مثل الغرافيت والليثيوم، بالإضافة إلى ما يُعرف بالعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح.

وقد أبدت الصين أيضًا اهتمامًا بثروة غرينلاند المعدنية، إلا أن مشروعًا مدعومًا من الصين لاستخراج العناصر الأرضية النادرة قد توقف بعدما حظرت الجزيرة تعدين اليورانيوم. وفي عام 2023، لم يكن في الجزيرة سوى منجمين عاملين، إلى جانب عدد قليل من المشاريع الأخرى قيد التطوير. كما يُعدّ التعدين مثيرًا للجدل بين سكان غرينلاند: فبينما يرى البعض فيه سبيلًا نحو الاستقلال، يشعر آخرون بالقلق إزاء آثاره على البيئة وسبل العيش التقليدية. ومع ذلك، يتفقون جميعًا على أن القرار النهائي يعود لسكان غرينلاند.

ووفقًا لتقرير صادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية عام 2007، يُحتمل وجود احتياطات كبيرة من النفط والغاز قبالة سواحل غرينلاند. إلا أن حكومة الجزيرة أوقفت إصدار تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز في عام 2021، مُعللةً ذلك بمخاوف بشأن الجدوى الاقتصادية والآثار البيئية للحفر.

ويمكن أن يساهم الاستغلال التجاري للجليد والمياه في الجزيرة في تلبية الطلب العالمي المتزايد على المياه العذبة. ويُحتجز ما يقارب 20% من المياه العذبة في العالم داخل الغطاء الجليدي الذي يغطي الجزيرة. وتُعدّ مصايد الأسماك في غرينلاند ركيزة أساسية لاقتصادها، إذ توفر سبل العيش للمجتمعات المحلية، وتُمثّل السلعة التصديرية الرئيسية لغرينلاند، وتُساهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. تُعدّ غرينلاند مُساهماً مهماً في الإمدادات العالمية من الأسماك، ومع تغيّر المناخ، قد تزداد أهميتها.