بريطانيا: نُذر مواجهة جديدة بين ستارمر والنقابات حول قانون العمل الجديد
استمع إلى الملخص
- يتزامن التوتر مع انعقاد مؤتمر نقابات العمال في برايتون، حيث يعبر قادة النقابات عن قلقهم من إضعاف القانون المقترح الذي يهدف لحماية العمال، بينما يرى قطاع الأعمال الصغيرة فرصة لمعالجة المشكلات.
- يتزامن الجدل مع إضراب في مترو لندن، حيث يطالب العاملون بزيادة الأجور، بينما تسعى الحكومة لإدخال إجراءات جديدة تشمل حقوقاً لحماية المبلغين وإجازة الأبوة.
لم تكد حكومة العمال البريطانية بزعامة كير ستارمر
التعافي من الأزمة السياسية التي أعقبت استقالة نائبة ستارمر أنجيلا راينر، حتى لاحت في الأفق نذر معركة جديدة تهدد بمزيد من الخلاف بين رئيس الحكومة والجناح اليساري في الحزب الحاكم وأنصاره من نقابات العمال.تتعلق المعركة هذه المرة بمشروع قانون العمل الجديد الذي وعدت الحكومة به نقابات العمال وكان من المفترض أن يدخل حيز التنفيذ في العام المقبل، لكن النقاشات الدائرة حاليا تشير إلى أن الحكومة وتحت ضغط الوضع الاقتصادي المتردي تعتزم تأجيله وتخفيف بعض بنوده استجابة لمخاوف الشركات الصغيرة وأصحاب الأعمال، الأمر الذي أثار غضب نقابات العمال، الحليف التقليدي للحزب الحاكم.
وحذرت كريستينا ماكنيا، الأمينة العامة لاتحاد "يونيسون"، أكبر نقابة للعمال في بريطانيا، من أنها قلقة من أن الحكومة لم تعد ملتزمة بتنفيذ مشروع القانون بالكامل، وذلك عقب رحيل أنجيلا راينر، التي كانت تصنف دائما ضمن الجناح اليساري، والتعديل الوزاري.
وتضم نقابة "يونيسون" في عضويتها أكثر من مليون عامل، كثير منهم في وظائف منخفضة الأجر نسبياً. كما تعرف كريستينا ماكنيا بولائها الكبير للحكومة العمالية، لكن يبدو أن رحيل راينر بعد العاصفة التي حدثت بسبب تخلفها عن دفع مستحقات ضريبية على منزل تمتلكه أثار مخاوف لدى النقابات العمالية بأن التعديلات الأخيرة في الحكومة ستؤثر على الجناح المؤيد لحقوق العمال.
واعتبرت ماكنيا في تصريحات لبي بي سي، أن رحيل راينر وأشخاص يؤيدون مشروع القانون "لا يبعث برسالة جيدة أبداً، فالأشخاص الذين كانوا ملتزمين تماماً بدفع مشروع قانون حقوق العمال إلى الأمام لم يعودوا في تلك المناصب".
وأضافت أنه لا توجد أسماء جديدة مطروحة تبعث الثقة في أن الحزب لا يزال ملتزماً، وأن الحكومة لا تزال ملتزمة بتمرير هذا التشريع، وحذرت من أن التراجع عن تطبيق التشريع المقترح سيكون "خطأ فادحا"، مهددة بأن النقابيين الذين يؤيدون التشريع ويطالبون بجدول زمني لتنفيذه سوف يتصدون لذلك بـ"حملة غاضبة".
معركة مرتقبة
يتزامن هذا التصعيد مع انعقاد المؤتمر العام لنقابات العمال البريطانية في مدينة برايتون الساحلية، حيث عبّرت قيادات نقابية بارزة عن قلقها من أن يتم إضعاف مشروع القانون بعد رحيل راينر وإقالة جاستن مادرز من منصب وزير التوظيف، وقرار نقل جوناثان رينولدز من وزارة الأعمال إلى منصب مسؤول تنظيم الكتلة النيابية في البرلمان.
ومن شأن القانون المقترح أن يُدخل تغييرات جوهرية على حقوق العمال في بريطانيا، إذ يحميهم من الفصل التعسفي بدءا من اليوم الأول لالتحاقهم بوظائفهم، على عكس القانون الراهن الذي يتيح لأصحاب الأعمال فترة عامين يمكن خلالها صرف العمال دون تعويض أو التزام قانوني، كما من المفترض أن يحظر الممارسات الاستغلالية التي تشملها العقود الحرة على طريقة "صفر ساعات" أي عدم التزام أصحاب الأعمال بتقديم حد أدنى من ساعات العمل للعاملين لديهم.
ولا يقتصر الغضب على صفوف النقابات التي تعقد مؤتمرها العام في برايتون بل يمتد إلى صفوف نواب الحزب الحاكم، وهو ما تردد على ألسنة نواب بارزين في تصريحات صحافية. فقد نقلت "بي بي سي" عن نائب عمالي كبير قوله: "العديد من زملائي في حزب العمال يخشون من أن تؤدي الضغوط الاقتصادية الحالية لإغراء وزراء الحكومة بالتأني في التنفيذ كغصن زيتون ممدود لقطاع الأعمال".
من جانبه، لا يخفي قطاع الأعمال الصغيرة ابتهاجه برحيل راينر وأصحاب النفوذ من مناصري القانون في التعديل الوزاري الأخير. فقد اعتبر اتحاد الشركات الصغيرة أن استقالة أنجيلا راينر والتعديل الوزاري يمثلان فرصة لمعالجة المشكلات في مشروع قانون حقوق العمال.
وقال كريغ بومونت، مدير السياسات في الاتحاد، إن بعض استطلاعات الرأي الأخيرة لأعضائنا تكشف عن أن 92% من أصحاب الأعمال يشعرون بالقلق من هذا التشريع. لم نصل أبداً إلى هذه النسبة في أي استطلاع سابق.
وأضاف في تصريحات صحافية: "أصحاب الأعمال مثقلون بالتغييرات القادمة. ليست لديهم فرق للموارد البشرية. كل هذه الإجراءات المختلفة تُخيفهم، وهذه فرصة لمعالجة القضايا". وأشار بومونت إلى أن استقالة راينر وإقالة وزير التوظيف مادرز – وهما من أبرز داعمي مشروع القانون داخل الحكومة – قد تفتح مجالاً للتوصل إلى تسوية.
وحسب تقديرات متداولة، فإن تنفيذ إجراءات مشروع القانون قد يكلّف الشركات نحو خمسة مليارات جنيه إسترليني، وهو ما تقول الأعمال الصغيرة إنه يثقل كاهلها إضافة إلى الزيادات الأخيرة في مساهمات التأمين الوطني التي يدفعها أصحاب العمل، وكذلك الزيادة في الحد الأدنى للأجور.
لكن اتحاد نقابات العمال يرى على لسان أمينه العام بول ناواك أن تغيير مشروع القانون أو إضعافه لن يكون في مصلحة أحد، مضيفا "وجود أشخاص في وظائف مستقرة وبأجور جيدة هو أمر مفيد للجميع. مفيد للعمال، لكنه مفيد أيضاً لأصحاب الأعمال الجيدين الذين يتعرضون لمنافسة غير عادلة من الشركات المستغلة، وهو مفيد للاقتصاد البريطاني".
ويأتي تجدد هذا الجدل في الوقت الذي يعاني فيه الملايين من سكان العاصمة البريطانية وزوارها من أسوأ إضراب لوسائل النقل العام منذ عام 2023. فقد بدأ آلاف العاملين في شبكة مترو لندن إضرابا عن العمل اعتبارا من مساء أمس الأحد ويستمر حتى الخميس المقبل، مطالبين بزيادة الأجور وخفض ساعات العمل. ولم تسفر مفاوضات مطولة بين نقابة العمال التي تمثلهم وبلدية لندن التي تشرف على إدارة شبكة المترو عن التوصل إلى حل وسط.
وتحذر بعض مجموعات الأعمال من أن هذه الإجراءات ستجلب "موجة من التغييرات المربكة" وقد تثني الشركات عن توظيف المزيد من العمال. ويخضع مشروع قانون حقوق العمال حالياً لمراجعة مجلس اللوردات، ولا يُتوقع أن يحصل على التصديق الملكي قبل الخريف.
وتريد الحكومة أن تدخل مجموعة من الإجراءات الجديدة حيّز التنفيذ العام المقبل، بدءاً من شهر إبريل/ نيسان المقبل، ومنها إزالة القيود الحالية على بدل المرض القانوني. ففي الوقت الراهن، لا يمكن للعمال المطالبة به إلا ابتداءً من اليوم الرابع للمرض وفقط إذا كان دخلهم لا يقل عن 125 جنيهاً إسترلينياً في الأسبوع.
كما يُتوقع بدء العمل بحقوق جديدة تخص حماية المبلغين عن المخالفات، وإجازة الأبوة ابتداءً من اليوم الأول للعمل، بالإضافة إلى حقوق إجازة والدية غير مدفوعة الأجر مع بداية العام المقبل. وقال وزير الأعمال جوناثان رينولدز إن الحكومة عملت منذ بداية العملية مع شركات من جميع الأحجام "لضمان أن يكون مشروع القانون مناسباً لها".