"لا حرب من أجل النفط" أمام السفارة الأميركية في دبلن، 4 يناير 2026 (ناتاليا كامبوس/ Getty)
رغم التصعيد الأميركي المفاجئ في فنزويلا والتطورات السياسية الدراماتيكية التي شهدتها البلاد خلال عطلة نهاية الأسبوع، تتقاطع آراء
المؤسسات المالية العالمية الكبرى على خلاصة واحدة مفادها أن سوق النفط العالمي لن يشهد تحولاً جذرياً في توازنه خلال المدى القريب. فبين هشاشة البنية التحتية النفطية الفنزويلية، وفائض المعروض العالمي، و
قيود الاستثمار والعقوبات، يبدو أن تأثير كاراكاس في أسعار الخام سيبقى محصوراً، على الأقل حتى عام 2026.
وفي هذا الصدد، يرى رئيس استراتيجية السلع في بنك "آي إن جي" (ING) وارن باترسون أن تأثير التحركات الأميركية في فنزويلا على أسواق النفط العالمية يرتبط بشكل أساسي بمسار الانتقال السياسي في البلاد. ويؤكد وفق تقرير أوردته "وول ستريت جورنال" اليوم الاثنين، أن "انتقالاً طويلاً ومضطرباً يرفع مخاطر اضطرابات الإمدادات على المدى القصير"، في حين أن انتقالاً أكثر سلاسة قد يدفع الولايات المتحدة إلى تخفيف القيود المفروضة على
ناقلات النفط الفنزويلية، ما قد يضغط على الأسعار مؤقتاً، ويفتح الباب لاحقاً لتخفيف أوسع للعقوبات.
ومع ذلك، يشدد باترسون على أن التطورات الأخيرة "لا تغيّر النظرة العامة لسوق النفط في 2026"، حيث يتوقع بنك "آي إن جي" استمرار وفرة المعروض، مع متوسط سعر لخام برنت عند 57 دولاراً للبرميل خلال العام.
كما تنقل "وول ستريت جورنال" عن محلل السلع في بنك "يو بي إس" (UBS) جيوفاني ستاونوفو قوله أن الإجراءات الأميركية في فنزويلا "غير مرجحة لأن تُحدث أثراً كبيراً في توازن سوق النفط العالمي خلال العام المقبل". ويعزو ذلك إلى أن أي تعافٍ في الإنتاج النفطي يتطلب
استثمارات ضخمة، في ظل بنية تحتية مهملة نتيجة سنوات من سوء الإدارة ونقص التمويل. ويضيف أن الغموض لا يزال يكتنف هوية الشركات المستعدة للاستثمار في فنزويلا عند مستويات الأسعار الحالية، في ظل استمرار المخاطر السياسية والأمنية والقانونية. ومع ذلك، يشير البنك إلى أن رفع الحظر الأميركي عن النفط الفنزويلي قد يسمح بارتداد محدود في الإنتاج نحو مستويات ما قبل العقوبات.
ويتوقع "يو بي إس" السويسري بقاء السوق في حالة فائض حتى مطلع 2026، على أن يتقلص تدريجياً، مع تقديرات لسعر برنت عند 62 دولاراً للبرميل في الربع الأول، و65 دولاراً منتصف العام، و67 دولاراً بنهاية 2026.
وفي السياق نفسه، يرى كبير الاقتصاديين في "كابيتال إيكونوميكس" (Capital Economics) نيل شيرينغ أن أي زيادة محتملة في إنتاج فنزويلا "لن تغيّر كثيراً في مسار سوق يتجه أصلاً نحو ارتفاع المعروض وانخفاض الأسعار"، مشيراً إلى أن تعافي الإنتاج الفنزويلي، حتى على المدى المتوسط، سيبقى محدود الأثر مقارنة بالتحولات الكبرى لدى المنتجين الرئيسيين. كما يؤكد أن "الصورة الأكبر" تتمثل في تصاعد الإنتاج في الولايات المتحدة ودول تحالف "أوبك+"، وهو ما سيظل العامل الحاسم في ديناميكيات سوق النفط خلال السنوات المقبلة.
بدورها، ترى محللة "ساكسو بنك" شارو تشانانا أن فنزويلا لا تمثل صدمة كافية لإعادة تسعير النفط عالمياً، موضحة أن عودة الإنتاج بشكل ملموس تتطلب سنوات من إعادة البناء، تشمل ضخ رؤوس أموال وتوفير معدات وكوادر وإعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة. وتتفق هذه الرؤية مع تقديرات المجموعة المصرفية العالمية، مقرّها سويسرا، "جوليوس باير" التي يقول رئيس الأبحاث الاقتصادية فيها نوربرت روكر، إن التوتر بين واشنطن وكاراكاس "لا يدعم ارتفاعاً ذا مغزى في أسعار النفط على المدى القصير"، نظراً لأن صادرات فنزويلا تمثل جزءاً صغيراً من فائض المعروض العالمي الحالي، مضيفاً أن التأثير الحقيقي لأي تدخل أميركي سيكون طويل الأمد، مع عدم اليقين بشأن سرعة تحديث قطاع النفط الفنزويلي.
أما فريق أبحاث السلع في "غولدمان ساكس" فتنقل عنه "وول ستريت جورنال"، اليوم، وصفه مخاطر أسعار النفط الناتجة عن الاضطرابات الفنزويلية بأنها "محدودة وملتبسة"، وتعتمد بشكل كبير على تطور سياسة العقوبات الأميركية. فبينما قد يشهد الإنتاج زيادة طفيفة في بعض السيناريوهات، تبقى احتمالات تعطل الإمدادات قائمة إذا تصاعد الصراع الداخلي. وفي الاتجاه نفسه، يرى رئيس الأبحاث في الشركة الاستثمارية والمصرفية الماليزية "إم بي إس بي" (MBSB) عمران ياسين يوسف أن أي عمل عسكري أميركي في فنزويلا "غير مرجح أن يعطل أسواق النفط"، مشيراً إلى انخفاض الإنتاج الفنزويلي أصلاً، وإلى أن السوق العالمية تعاني فائضاً متزايداً في المعروض. وهو يتوقع أن تتراوح أسعار برنت بين 55 و60 دولاراً للبرميل في 2026.