المطر يخذل الصومال: الجفاف يكتسح المزارع ويجوع السكان
استمع إلى الملخص
- يواجه الصومال تحديات كبيرة مع تأثر 4.8 ملايين شخص بالجفاف، ونقص حاد في المياه والغذاء، بينما تعمل الحكومة على تكثيف الجهود لمواجهة هذه الأزمة.
- النزوح الجماعي أدى إلى تدهور الأوضاع في المخيمات، ومع تراجع دعم المانحين، يبرز الحاجة إلى تمويل دولي أكبر لدعم الجهود الإنسانية في الصومال.
في مخيم "راما-عادي" في الصومال تعيش بشارة علي يارو، وهي أم لأسرة مكونة من تسعة أفراد. تقول بشارة إن عائلتها تواجه أوضاعاً بالغة السوء، حيث تضطر يومياً إلى قطع مسافة تقارب كيلومترين نحو المدينة للتسول من أجل تأمين وجبة واحدة فقط، مشيرة إلى أن بعض الأيام تمر دون أن يتمكنوا من الحصول على أي طعام، فيقضونها جوعى.
كانت بشارة في السابق قادرة على إعالة أسرتها من تربية المواشي والزراعة، حيث كانت توفر لهم ثلاث وجبات يومياً، قبل أن يفقدوا كل شيء بسبب الجفاف. حتى أن المساعدات الغذائية التي تصلهم غير كافية، ولا تلبي الحد الأدنى من احتياجات الأسرة. حالة بشارة تمتد على مساحات واسعة في الصومال. الأرض يضربها العطش نتيجة موجة جفاف غير مسبوقة تترافق مع شح الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، تسببت في خسائر واسعة في الثروة الحيوانية والزراعة، وأثرت بشكل مباشر على سبل عيش ملايين المواطنين.
وأعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية، الخميس، أن البلاد تواجه كارثة إنسانية خطيرة نتيجة موجة الجفاف الناجم عن التغيرات المناخية الحادة، والذي أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية، ونقص حاد في المياه والغذاء، ما يهدد الأمن الغذائي والاستقرار المعيشي في عدد واسع من المناطق.
وبحسب التقديرات الرسمية، فإن الجفاف أثر على 74 منطقة، ويطاول نحو 4.8 ملايين شخص، من بينهم أكثر من 200 ألف شخص يواجهون أوضاعاً إنسانية حرجة، في حين أصبح نحو مليوني رأس من الماشية مهددة بالنفوق. وحذرت الحكومة من أن استمرار هذه الأوضاع سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على الأمن، والصحة، والاقتصاد، ومعيشة السكان.
ووجه رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري جميع المؤسسات الحكومية لتكثيف العمل لمواجهة آثار الجفاف، وتسريع تنفيذ خطط الطوارئ، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، مشدداً على أن حماية المواطنين وتخفيف معاناتهم تمثل أولوية وطنية قصوى. ولا تقتصر معاناة الصوماليين على نقص الغذاء، إذ تعاني الأسر أيضاً من شح المياه، حيث يعتمد سكان مخيم "راما-عادي" مثلاً على برميل واحد يتم تقاسمه بين عدة عائلات، في حين تعجز بشارة عن دفع مبلغ خمسة آلاف شلن صومالي لشراء برميل ماء من الآبار الخاصة القريبة من المخيم. أما المأوى، فحدث ولا حرج؛ إذ تعيش الأسرة في عريش بدائي مصنوع من الأقمشة والأعواد، لا يقي من حر الشمس ولا برد الليل.
وتؤكد بشارة أن هذه هي المرة الأولى التي تنزح فيها أسرتها منذ 24 عاماً من العمل في الزراعة والرعي بمنطقة أوفلو التابعة لبيدوا، بعدما نفقت مواشيها وخسرت أراضيها الزراعية بالكامل. وفي المخيم ذاته، يكافح حسين إبراهيم آدم، وهو رب أسرة يعجز عن تأمين وجبة واحدة يومياً لأطفاله.
حسين خسر محاصيل زراعية متنوعة، بينها الطماطم والذرة والبقوليات، إضافة إلى نفوق عشرات رؤوس الماشية، تركته عاجزاً عن سداد ديون زراعية تثقل كاهله نفسياً ومعيشياً. ويوضح أن أطفاله غالباً ما يعتمدون على ما يجود به الآخرون من طعام غير كافٍ، ويضطرون أحياناً إلى النوم دون عشاء.
ويقول حسين إن أسرته تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، فلا مأوى يحميهم ولا ناموسيات تقي أطفالهم من الحشرات، كما تنتشر بينهم الحمى والأمراض، في ظل غياب أي مركز صحي داخل مخيم "دولو 1" وعدم قدرته على شراء الأدوية من المرافق الخاصة، فيما لم تتعافَ الأسرة بعد من مشقة رحلة النزوح الشاقة التي استغرقت يومين سيراً على الأقدام لمسافة تقارب 60 كيلومتراً.
من جهته، أكد عبد القادر معلم عبد النور، رئيس مخيم "راما-عادي"، أن الأسر الوافدة حديثاً تعيش أوضاعاً شديدة القسوة، وتعتمد بشكل شبه كامل على سكان المخيم القدامى الذين يعانون أصلاً من الفقر.
وأوضح أن العديد من العائلات تفتقر للأواني المنزلية الأساسية، وأن الخدمات الصحية والتعليمية شبه معدومة، وأشار إلى أن المخيم سجل خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول وحده وصول نحو 400 أسرة جديدة نزحت بسبب الجفاف من المناطق المحيطة ببيدوا. ويحذر عاملون محليون وأمميون من أن موجات الجفاف المتكررة، المرتبطة بتغير المناخ، دمرت مصادر العيش التقليدية للمزارعين والرعاة، ودفعت آلاف الأسر إلى النزوح، في ظل غياب بدائل اقتصادية أو حلول مستدامة.
وبحسب خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026، التي طرحتها الحكومة الصومالية، فإن الاستجابة لهذه الأوضاع تتطلب تمويلاً يقدر بـ852 مليون دولار، خُصص منه مبلغ 350 مليون دولار لدعم المدن ذات الأولوية، بهدف تقديم المساعدات لنحو 2.4 مليون شخص.
وقال مدير مكتب برنامج الغذاء العالمي في الصومال الخضر دالوم، في حوار سابق مع "العربي الجديد"، الشهر الماضي، إن التحدي الإنساني في الصومال كبير، خاصة في ظل احتمالات تراجع دعم المانحين. فعلى سبيل المثال، اضطر برنامج الغذاء العالمي إلى خفض حجم مساعداته بنسبة 50%، فبعدما قدم مساعدات لنحو مليون شخص في يناير/ كانون الثاني 2025، تقتصر المساعدات حالياً على عدد أقل بكثير. وبشكل عام، الاستجابة الدولية ما زالت دون المستوى المطلوب.