الحرب في المنطقة تكبّد السياحة الإيطالية 100 مليون يورو
- فرضت قيود على إمدادات وقود الطيران في المطارات الإيطالية، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف التشغيل وأسعار التذاكر، وتأثير ذلك على الموسم السياحي وإلغاء آلاف الرحلات.
- الأزمة تسببت في خسائر اقتصادية كبيرة في قطاع السياحة المنظمة، مع تراجع الحجوزات الجديدة، مما يستدعي تدخلاً حكومياً لحماية استمرارية الشركات.
تتفاقم تداعيات الأزمة في المنطقة لتطاول قطاعات حيوية تتجاوز حدودها، وفي مقدمتها السياحة والطيران، اللذان يُعدّان من أكثر الأنشطة الاقتصادية حساسية تجاه التوترات الجيوسياسية. ومع تصاعد حالة عدم اليقين، يتراجع الإقبال على السفر، وتتبدل أنماط الطلب سريعاً، ما يضع الشركات العاملة في هذا المجال أمام تحديات متزايدة تتعلق بإدارة المخاطر والحفاظ على استمرارية أعمالها في بيئة دولية مضطربة.
ولا تقتصر الانعكاسات على حركة المسافرين، بل تمتد إلى منظومة اقتصادية أوسع تشمل الفنادق والتجارة وخدمات النقل، في ظل اضطراب مسارات الطيران وارتفاع تكاليف التشغيل. ويكشف هذا الواقع عن هشاشة بنيوية في قطاع يعتمد أساساً على الاستقرار والتخطيط المسبق، ما يجعل أي تصعيد سياسي أو عسكري عاملاً مباشراً في إعادة تشكيل خريطة السفر العالمية، ويفرض الحاجة إلى مقاربات أكثر مرونة للتعامل مع الأزمات المتكررة.
قيود على الوقود ومخاوف من ارتفاع التكاليف
شهدت المطارات الإيطالية في الأيام الأخيرة فرض القيود الأولى على إمدادات وقود الطيران، في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط واستمرار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة. فقد أصدرت شركة "إير بي بي إيطاليا" نشرة ملاحية أبلغت فيها شركات الطيران بوجود قيود على التزود بالوقود حتى 9 إبريل/نيسان في مطارات بولونيا وميلانو ليناتي وتريفيزو والبندقية، مع إعطاء الأولوية لرحلات الإسعاف والطائرات الحكومية والرحلات التي تتجاوز مدتها ثلاث ساعات.
وأثار ذلك مخاوف شركات الطيران من انعكاسات مباشرة على أسعار التذاكر، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تداعيات استمرار النزاع الإقليمي. في هذا السياق، عبّرت أقاليم إيطالية، لا سيما الجزر، عن قلق متصاعد. فقد دعا مسؤول السياحة في إقليم سردينيا، فرانكو كوتشوريدو، الحكومة إلى ضمان مخزونات وقود كافية، محذراً من أن التحدي لا يتعلق بالطلب السياحي بقدر ما يرتبط بتداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز ونقص الإمدادات.
بدوره، حذر رئيس اتحاد الفنادق في كالابريا، فابريتسيو داغوستينو، من أن أي تراجع في توفر وقود الطائرات قد يؤدي إلى تقليص الرحلات بشكل حاد، مع ما يحمله ذلك من آثار مدمرة على الموسم السياحي، خصوصاً في ظل مؤشرات على إلغاء أو تأجيل رحلات شارتر وتراجع الحجوزات الأجنبية. في المقابل، حاول رئيس اتحاد المطارات الإيطالية، كارلو بورغوميو، تهدئة المخاوف، مؤكداً أن الوضع لا يرقى بعد إلى مستوى الأزمة، وأنه لم يجر إلغاء أي رحلات حتى الآن، مع الإبقاء على حالة مراقبة قصوى، والاستعداد للتنسيق مع الحكومة لمواجهة أي تطورات محتملة.
اضطراب الممرات الجوية وارتفاع التكاليف
وذكر تقرير نشرته صحيفة "كورييري ديللا سيرا" الإيطالية أن الأزمة في المنطقة شلّت الممرات الجوية بين أوروبا وآسيا، مع إلغاء أكثر من 70 ألف رحلة، وترك نحو 14 مليون مسافر عالقين، فضلاً عن خسائر تُقدّر بمليارات اليوروهات.
وأوضح التقرير أن أسعار وقود الطائرات (الكيروسين) تضاعفت تقريباً خلال أقل من شهر، ما زاد من الضغوط على شركات الطيران ورفع تكاليف التشغيل بشكل حاد. وأضاف أن التأثير لم يقتصر على شركات الطيران، بل امتد إلى منظومة السياحة بأكملها، بما في ذلك الفنادق والمطاعم والمتاجر، مشيراً إلى أن اضطراب هذا الممر الحيوي حرم السوق من نحو ثلث المقاعد المتاحة سنوياً على خطوط الشرق–الغرب.
كما لفت إلى أن تداعيات الأزمة طاولت دولاً بعيدة جغرافياً عن منطقة الخليج، حيث تأثرت الفنادق الإيطالية، خصوصاً الفاخرة منها، بتراجع تدفقات السياح ذوي الإنفاق المرتفع من الشرق الأوسط، ما انعكس أيضاً على مراكز التسوق والمطارات.
خسائر مباشرة وإلغاء آلاف الحجوزات
وذكرت رابطة شركات السفر والسياحة الإيطالية (Assoviaggi) في تقرير نشرته، الأسبوع الماضي، أن الأزمة ألقت بظلال ثقيلة على قطاع السياحة المنظمة، مع تسجيل أكثر من 7100 حجز ملغى أو مُعاد جدولته أو تحويله إلى وجهات بديلة منذ اندلاع النزاع. وأوضح التقرير، المستند إلى تحليل أعده مركز الدراسات السياحية في فلورنسا على عينة من 681 وكالة سفر، أن التداعيات الاقتصادية بلغت خلال الأسابيع الثلاثة الأولى فقط نحو 100 مليون يورو، بمتوسط خسارة يتجاوز 14 ألف يورو لكل وكالة.
وأشار إلى أن أكثر من 3800 حجز أُلغي مقابل نحو 3300 طلب لتغيير الوجهات خلال الأسابيع الأولى، مع امتداد التأثير إلى حجوزات الأشهر المقبلة، ما يعكس اتساع نطاق الأزمة. وبيّن أن الإلغاءات في دول منطقة النزاع: الإمارات، البحرين، الأردن، السعودية، عُمان، قطر، الكويت، كانت شبه كاملة، نتيجة إغلاق الأجواء والمطارات والتحذيرات من السفر، فيما سجلت المناطق المجاورة مثل مصر والبحر الأحمر وتركيا وأوزبكستان إلغاء 10.6% من إجمالي الحجوزات. كما امتدت التداعيات إلى الرحلات البعيدة، حيث أفاد 38.9% من الوكالات بإلغاءات نحو وجهات في آسيا وجنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا، بنسبة 6.7% من الحجوزات المؤكدة. في المقابل، أعادت الوكالات توجيه العملاء نحو وجهات تُعد أكثر أماناً، مثل جزر الكناري وإسبانيا وإيطاليا والرأس الأخضر والكاريبي واليونان والمغرب والولايات المتحدة.
ضغوط تشغيلية وتراجع الطلب
لم تقتصر الضغوط على الإيرادات، إذ اضطرت 41.5% من الوكالات إلى تحمل تكاليف إضافية لإعادة الحجز، فيما لم تسجل 58.5% أعباء مباشرة. وسجل الطلب على الحجوزات الجديدة تراجعاً ملحوظاً، مع انخفاض يُقدّر بنحو 20% خلال الأشهر الثلاثة المقبلة مقارنة بالمعدلات الطبيعية، خاصة في الرحلات طويلة المدى نحو آسيا والشرق الأقصى.
وقال رئيس الرابطة، جأنّي ريبيكّي، إن القطاع يمر بمرحلة شديدة الحساسية، حيث ارتفعت التكاليف التشغيلية وتراجعت التوقعات قصيرة الأجل، ما يستدعي تدخلاً حكومياً عاجلاً عبر إجراءات طارئة لحماية استمرارية الشركات، إلى جانب إصلاحات هيكلية، خصوصاً في ما يتعلق بالتشريعات الأوروبية التي تُحمّل الشركات وحدها أعباء الأزمات الاستثنائية.
من جهته، قال المنسق العلمي لمرصد البحر المتوسط، التابع لمعهد القديس بيوس الخامس للدراسات السياسية، فرانشيسكو أنغيلوني، في حديث خاص مع "العربي الجديد"، إن الصورة التي نقلتها Assoviaggi تكشف حقيقة، غالباً ما يجري التقليل من شأنها، وهي أن قطاع السياحة ليس هامشياً بالنسبة إلى التوازنات الدولية، بل يُعتبر من أول القطاعات التي تقيس اقتصادياً إدراك المخاطر على المستوى العالمي.
وأوضح أن الضرر لا يقتصر على استحالة الوصول إلى بعض الوجهات، بل يبدأ عندما يقرر المسافر، تحت وطأة عدم اليقين، تعليق قراره بالسفر، وهنا تدخل الحرب مباشرة في موازنات شركات السياحة. وأضاف أن الأزمة تكشف هشاشة هيكلية في نموذج السياحة المنظمة ضمن سياق دولي يتسم بعدم الاستقرار المزمن، مشيراً إلى أن المشكلة الأساسية تتعلق بتراجع القدرة على التنبؤ، وهي التكلفة الأعلى في قطاع يعتمد على التخطيط المسبق والموسمية والثقة.
ولفت إلى أن امتداد تداعيات الأزمة إلى وجهات بعيدة يثبت أن صناعة السياحة باتت تعتمد على "جغرافيا الروابط" وليس فقط على الوجهات، حيث أصبحت مسارات العبور الجوية ومناطق الأمان عوامل حاسمة في اتخاذ قرار السفر. واعتبر أن السياحة تمثل مرآة دقيقة للعولمة، إذ يكفي تعثر ممر استراتيجي واحد لإحداث ارتدادات واسعة على السوق العالمي. وختم بالقول إن ما نشهده اليوم لا يمكن اعتباره مجرد أزمة اقتصادية، بل هو مؤشر على تحول أعمق، حيث أصبحت السياحة المنظمة أكثر عرضة لتداعيات التفتيت الجيوسياسي، مع تراجع قدرتها على الحماية مقارنة بحجم المخاطر. وأضاف: "لهذا نقول إن الخبر الحقيقي ليس هو حجم الخسائر التي يمنى بها قطاع السياحة والسفر اليوم، بل كيف أضحى نموذجه التشغيلي هشاً في عالم توقف عن أن يكون مستقراً".