الحرب تطفئ غزة: انقطاع الكهرباء يشلّ الحياة في القطاع

31 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 17:03 (توقيت القدس)
الحرب على غزة، 20 يوليو 2025 (رويترز)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة: أظهرت بيانات الأقمار الاصطناعية انخفاضًا كبيرًا في الإضاءة الليلية، مما يعكس تدهور الأوضاع المعيشية والانهيار الكامل لشبكة الكهرباء، حيث تراجعت سطوع مدينة غزة ليلاً بمعدل 16 ضعفًا.

- الدمار الشامل وتأثير الحرب: منذ أكتوبر 2023، تعرضت غزة لدمار هائل، حيث دُمرت أو تضررت نحو 70% من المباني، وأسفرت الهجمات عن مقتل أكثر من 60 ألف شخص، معظمهم مدنيون، وتوقف محطة الكهرباء الوحيدة عن العمل.

- الأزمة الصحية والبيئية: أدى انقطاع الكهرباء إلى شلل في الخدمات الأساسية، مثل الرعاية الصحية وإمدادات المياه، مما تسبب في انتشار الأمراض. حذرت منظمة الصحة العالمية من تفشي الأوبئة، وسط استجابة دولية محدودة.

في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، تُظهر بيانات الأقمار الاصطناعية انخفاض الإضاءة الليلية في القطاع بمقدار سبع مرات عمّا كانت عليه قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفق تحليل أجرته وكالة "فرانس برس" استناداً إلى مشروع "بلاك ماربل" التابع لوكالة الفضاء الأميركية "ناسا". وتُبيّن الصور الفضائية الملتقطة بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2025، أن غزة تغرق في ظلام شبه تام مقارنة بالأشهر الخمسة التي سبقت الحرب، من مايو/أيار حتى سبتمبر/أيلول 2023. وأظهر التحليل أن سطوع مدينة غزة ليلاً تراجع بمعدل 16 ضعفاً، في مؤشر مرئي على تدهور الأوضاع المعيشية والانهيار الكامل لشبكة الكهرباء.

الدمار والانهيار الشامل

منذ اندلاع الحرب المستمرة منذ أكثر من 21 شهراً، تحوّل القطاع إلى ركام يزن ملايين الأطنان، حيث بلغت نسبة المباني المدمرة أو المتضررة نحو 70% من إجمالي المنشآت، وفق تحليل "فرانس برس" لبيانات أممية. ويُعزى هذا التدمير الهائل إلى الهجمات الإسرائيلية الكثيفة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين شنت حركة حماس هجوماً غير مسبوق على جنوب إسرائيل، أسفر عن مقتل 1219 شخصاً، معظمهم من المدنيين، بحسب حصيلة أعدتها وكالة "فرانس برس" استناداً إلى مصادر رسمية إسرائيلية.

وفي ردٍ على الهجوم، أطلقت إسرائيل حملة عسكرية واسعة النطاق على غزة، أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 60 ألف شخص، أغلبهم من المدنيين، بحسب وزارة الصحة في غزة، وهي أرقام تعتبرها الأمم المتحدة موثوقة رغم إدارتها من قبل حكومة حماس.

"لا كهرباء، لا ماء، لا غاز"

في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي حينها يوآف غالانت فرض "حصار شامل" على غزة قائلاً: "لا كهرباء، لا ماء، لا غاز". وبعد يومين فقط من هذا الإعلان، توقفت محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع عن العمل بسبب نفاد الوقود، كما قُطعت جميع خطوط الكهرباء القادمة من إسرائيل. وكانت هاتان الجهتان (المحطة المحلية وخطوط الكهرباء الإسرائيلية) تغطيان معاً 43% من الطلب على الكهرباء في عام 2022، في حين بقي أكثر من نصف الطلب من دون تلبية حتى قبل الحرب، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). أما في عام 2024، فقد بلغ متوسط الإمداد بالكهرباء في غزة صفر ساعة يومياً، مقارنة بـ12 ساعة يومياً في 2022.

غزة كما تُرى من الفضاء: صحراء مظلمة

يعتمد مشروع "بلاك ماربل" على قياس الإشعاع الأرضي، أي الضوء المنبعث من سطح الأرض، ويغطي نحو 2100 نقطة في غزة، تتوزع على مسافات متساوية تبلغ 500 متر. وتُظهر البيانات انخفاضاً حاداً في الإشعاع بين 10 و11 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو التاريخ الذي توقفت فيه محطة الكهرباء عن العمل.

وباتت مناطق مأهولة سابقاً في غزة تلمع الآن بشكل خافت لا يختلف كثيراً عن المناطق الصحراوية المحيطة مثل شمال سيناء المصرية. ووفق الصور، لا يظهر من القطاع ليلاً سوى عدد محدود من المناطق التي ما زالت تضيء، مثل بعض المستشفيات المزودة بمولدات كهرباء، وعلى رأسها المستشفى الأوروبي في خانيونس الذي بدا أكثر سطوعاً بنسبة 70% من المناطق المحيطة. ورغم أن القطاع يضم 36 مستشفى، إلا أن الأمم المتحدة أكدت أنه بحلول 30 يونيو/حزيران 2025، لم يكن سوى 18 منها يعمل بشكل جزئي، فيما كانت 63 فقط من أصل 136 منشأة صحية قادرة على تقديم الحد الأدنى من الرعاية، أي أقل من 40%.

استثناءان في الليل: معبر كرم أبو سالم وممر صلاح الدين (فيلادلفي)

من بين المناطق القليلة التي لا تزال مضاءة بشكل ملحوظ ليلاً، تظهر منطقتان فقط بوضوح عبر صور الأقمار الاصطناعية، ممر صلاح الدين (فيلادلفي) وهو الشريط الحدودي بين غزة ومصر، الذي باتت تسيطر عليه إسرائيل في الآونة الأخيرة، حيث يشهد حركة عسكرية مستمرة. ومعبر كرم أبو سالم، الواقع جنوب شرقي القطاع، ويمثّل نقطة العبور الرئيسية للمساعدات الإنسانية إلى غزة، وهو الآن النقطة الأكثر إضاءة في كامل القطاع مقارنة بما قبل الحرب.

الكهرباء في غزة: العتمة مرآةً لكارثة إنسانية شاملة

يُعدّ انقطاع الكهرباء عن قطاع غزة أحد أوجه المأساة الإنسانية العميقة التي يعيشها أكثر من 2.2 مليون فلسطيني في ظل حرب مدمّرة مستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. لا يقتصر تأثير هذا الانقطاع على مجرد غياب الإنارة ليلاً، بل يمتد ليشكل تهديداً مباشراً على حياة السكان، ويكشف انهياراً واسعاً في منظومة الخدمات الأساسية في القطاع، في مقدّمتها الرعاية الصحية، وإمدادات المياه، وسلاسل الإمداد الغذائية.

منذ بداية الحرب، تعرضت البنية التحتية في غزة لتدمير هائل بفعل الغارات الجوية والقصف المستمر، حيث تُقدّر نسبة المباني المدمّرة أو المتضرّرة بنحو 70% من إجمالي المنشآت وفق تحليل لوكالة "فرانس برس" استند إلى بيانات أممية. لم تسلم من الدمار المرافق الصحية ولا شبكات المياه والصرف الصحي، ما أدى إلى شلل شبه تام في الخدمات الأساسية.

وتُعاني محطات المياه ومضخات الصرف الصحي من التوقف نتيجة غياب الكهرباء ونفاد الوقود، ما أدى إلى تسرب المياه العادمة إلى الأحياء السكنية والبحر. وقد حذّرت منظمة الصحة العالمية من تفشي الأمراض والأوبئة، مثل الكوليرا والتيفوئيد، نتيجة هذه الأوضاع البيئية والصحية الكارثية.

الكهرباء: من 12 ساعة يومياً إلى العدم

بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، كان متوسط إمدادات الكهرباء في غزة في عام 2022 نحو 12 ساعة يومياً، وهي نسبة كانت تُعد متدنية أصلاً، نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر منذ عام 2007. إلا أن هذا الرقم انخفض إلى الصفر في عام 2024، بعدما توقفت محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع عن العمل في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي بعد يومين فقط من إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت فرض "حصار شامل" يشمل منع دخول الكهرباء والوقود والمياه إلى القطاع.

وكانت المحطة إلى جانب خطوط الكهرباء القادمة من إسرائيل تؤمّن ما نسبته 43% من احتياجات غزة الكهربائية، في حين بقيت النسبة المتبقية غير ملبّاة حتى في أوقات "الهدوء". واليوم، بات القطاع يعتمد على مولدات كهرباء صغيرة غير كافية، تحتاج إلى كميات من الوقود غير متوفرة، وتعمل فقط في عدد محدود من المستشفيات والمرافق الإنسانية.

ورغم المناشدات المتكررة من الأمم المتحدة ومنظمات كـ"أطباء بلا حدود" و"اللجنة الدولية للصليب الأحمر" للمطالبة بتأمين الكهرباء والوقود للمرافق الإنسانية، إلا أن الاستجابة من الجانب الإسرائيلي ظلت محدودة وتخضع لاعتبارات سياسية وأمنية، وسط اتهامات باستخدام الحصار وسيلة ضغط جماعي. أصبح انقطاع الكهرباء في غزة رمزاً للعجز الدولي عن وقف الكارثة المتفاقمة. إنه ليس مجرد عتمة ليلية، بل حالة من الاختناق الجماعي. ففي زمن الأقمار الاصطناعية والاتصال اللحظي، يعيش ملايين الفلسطينيين بلا إنارة، بلا ماء، بلا علاج، وبلا صوت يسمعه العالم بما يكفي لإحداث تغيير.

(فرانس برس، العربي الجديد)