- أعلن الرئيس الجزائري عن نية الاقتراض من البنك الأفريقي للتنمية بقيمة 3 مليارات دولار لتمويل مشاريع كبرى بشروط ميسرة، مع التأكيد على السيطرة على التضخم.
- رغم الفوائد المحتملة للاقتراض، تثار مخاوف من زيادة الديون الخارجية، مما يستدعي البحث عن بدائل تمويلية مثل الشراكة مع مؤسسات إسلامية أو نظام BOT.
في الخامس من فبراير/ شباط 2026، استضافت الجزائر حدثاً اقتصادياً بارزاً، إذ احتضن بنك الجزائر المركزي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي أعمال مؤتمر "شمال أفريقيا: ربط القارات، خلق الفرص" الذي شكَّل منصّة إقليمية لبحث آفاق التكامل والتنمية. وفي مشهد خرج عن المألوف في خطاب المؤسّسة المالية الدولية، ألقت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا كلمة افتتاحية اتَّسمت باشادات لافتة بجهود الجزائر في تنويع اقتصادها، وهي المُجاملات والإطراءات التي لطالما غابت عن تقارير الصندوق الرسمية.
ولم يكد يخفت وهج التصريحات حتى فاجأت غورغييفا المتابعين بنشر صورة لها عبر حسابها على فيسبوك، التُقطت خلال مصافحة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على هامش المؤتمر، لتُرفقها بتعليق تؤكِّد فيه أنّ الجزائر تُحرز تقدُّماً ملحوظاً في تحويل اقتصادها من خلال التنويع والابتكار، في تكريس واضح لهذا الخطاب الإطرائي غير المسبوق. وجدَّدت غورغييفا تأكيد دعم صندوق النقد لمساعي الجزائر الهادفة إلى توسيع دور القطاع الخاص واستحداث فرص عمل للشباب. وخلال لقاءاتها على هامش المؤتمر، وصفت غورغييفا حوارها مع شباب من روّاد الأعمال الجزائريين بالملهم، مشيدةً بأفكارهم الجريئة وطاقتهم وابتكاراتهم التي تُساهم في تنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل ورسم مستقبل مُشرق. وبين هذه الصورة الباذخة من الإشادات وذاك الدعم العلني، لم يملك المراقبون إلّا استحضار سيناريو الاقتراض مجدّداً، إذ بدت الصورة وكأنّها تحمل في طياتها أكثر من مجرّد مصافحة بروتوكولية.
في توقيت لافت، وبعد مغادرة غورغييفا إلى السعودية للمشاركة في مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة الذي احتضنته المملكة يومَي 8 و9 فبراير/ شباط، كشف الرئيس تبون، خلال لقاء إعلامي مع ممثِّلي الصحافة الوطنية في السابع من الشهر الجاري، عن توجُّه محتمل نحو الاقتراض من البنك الأفريقي للتنمية، بقيمة 3 مليارات دولار، لتغطية تمويل مشاريع كبرى، يتقدَّمها مشروع السكة الحديدية نحو الجنوب. وأوضح الرئيس أنّ الجزائر، بصفتها إحدى الدول المؤسِّسة وأكبر المساهمين في البنك، تنظر إلى هذه الخطوة بوصفها تعاملاً مع مؤسّسة مالية أفريقية ذات شروط ميسَّرة وفائدة يسيرة، لا تمسّ بالسيادة الوطنية، ولا تؤثِّر على استقلالية القرار السياسي للبلاد.
وأشار إلى أنّ فترة سداد القرض، الممتدّة بين 10 و15 سنة، تمنح الدولة هامشاً مريحاً من التخطيط والتنفيذ، دون أن يثنيها ذلك عن مواصلة دعمها الثابت لغزة وفلسطين، في إطار مواقِفها المبدئية الحرّة. وفي سياق متّصل، أكّد الرئيس تبون أنّ الجزائر تمكَّنت من السيطرة على التضخّم، واصفاً تراجعه إلى أقلّ من 2% بالمعجزة الاقتصادية، في ظلّ ما يعرفه العالم من اضطرابات مالية، كما شدَّد على الطابع الاجتماعي للدولة التي تترك، وفق قوله، هامشاً واسعاً لرجال الأعمال للمبادرة، مؤكِّداً أنّ المشاريع الكبرى التي أُطلقت مؤخَّراً باتت تَظهر مؤشّرات مردوديتها على نحوٍ متسارع.
عند النظر الى الجزء المملوء من الكأس، يمكن القول إنّ الاقتراض من أجل إنجاز مشاريع البنية التحتية، ولا سيَّما خطوط السكك الحديدية الرابطة بين الشمال والجنوب، يندرج في صميم السياسات الاقتصادية الرشيدة، إذ يساهم في تعزيز التبادل التجاري مع دول الساحل الأفريقي، ويفكّ العزلة عن مناطق شاسعة في الجنوب الجزائري، وكذا الأمر بالنسبة إلى دعم المشاريع الإنتاجية والصناعية التي تخدم الاقتصاد الوطني وتحدّ من فاتورة الاستيراد. هذه الخطوة صائبة من الناحية الاقتصادية، وتنتهجها دول كبرى، حتى تلك التي بلغت مراحل متقدِّمة من التصنيع، مثل الهند والبرازيل، غير أنّ نجاحها رهن بتوفُّر شرط أساسي هو حسن التسيير، وهو ما لا تزال الجزائر تعاني من غيابه في العديد من القطاعات.
أمّا إذا تأمَّلنا الصورة انطلاقاً من الجزء الفارغ من الكأس، فإنّ المديونية الخارجية شبه المنعدمة، التي لطالما شكلَّت هاجساً لأعداء الجزائر، جعلت البلاد بمنأى عن الضغوط المالية الخارجية. لذلك؛ فإنّ أيّ اقتراض، حتى لو كان محدوداً، قد يُفسَّر بدخول غير واعٍ إلى نفق مظلم، قلّما خرج منه من سلكه سالماً. خصوصاً أنّ الجزائر لا تزال تمتلك من الإمكانيات المالية الذاتية ما يسمح لها بالاعتماد على مواردها الخاصّة، ولو على حساب التأجيل النسبي لبعض المشاريع الكبرى، كما حدث سابقاً مع إنجاز خط السكة الحديدية الرابط بين بشار وتندوف وغار جبيلات.
وبنظرة إلى ديون الجزائر، نجد أنها قليلة مقارنة بدول أخرى أو إمكانيات الدولة النفطية والاقتصادية، فبحسب تقرير أصدره بنك الجزائر المركزي، تراجع إجمالي الدين الخارجي للبلاد إلى 2.87 مليار دولار مع نهاية عام 2024، مقارنة بنحو 3.832 مليارات دولار مسجَّلة في نهاية 2019، وهو ما يعكس نجاعة حرص السلطات على تقليص الاعتماد على الاقتراض الخارجي، عبر التركيز على تسوية الالتزامات القائمة، وإعادة هيكلة الديون بطريقة تحدّ من المخاطر المالية على المدى البعيد.
غير أنّ هذا الاقتراض الجديد بقيمة 3 مليارات دولار، حتى وإن بدا مبلغاً محدوداً، يشكِّل خروجاً عن النهج المتحفِّظ السابق، وقد يجرّ البلاد إلى ديون أخرى بحجّة تمويل إنجاز مشاريع كبرى. والأمر المحيِّر أنّ الجزائر تمتلك من الإمكانيات المالية الخاصّة ما يسمح لها بتمويل هذه المشاريع ذاتياً، أو تأجيلها على الأقل، لو توفَّر قدر من العقلانية وترشيد النفقات. وفي ظلّ توفُّر هذه الإمكانيات المحلية، تبدو خيارات التمويل البديلة أكثر سلامة من العودة إلى مربّع الاستدانة الخارجية الخطير والمرير.
فبإمكان الجزائر، على سبيل المثال، اللّجوء إلى الصيغ الإسلامية في التمويل، عبر الشراكة مع مؤسّسات كالبنك الإسلامي للتنمية في جدة، القائمة على مبدأ الشراكة في تمويل المشروع وتقاسم الأرباح بدلاً من الإقراض التقليدي، كما يمكن الاعتماد على نمط BOT "Build, Operate, Transfer"، وهو نظام "البناء والتشغيل والتحويل"، الذي أثبت نجاحه في العديد من الدول، ويتيح إنجاز المشاريع الكبرى دون تحمُّل أعباء الديون، عبر إشراك القطاع الخاص في التمويل والتنفيذ مقابل حقّ الانتفاع لفترة محدَّدة قبل نقل الملكية إلى الدولة.
خلاصة القول، إنّ الاقتراض الخارجي بالنسبة للدول النامية يشبه تماماً تعاطي جرعة مخدِّر أولى، سرعان ما تقود إلى متاهات الإدمان. والجزائر، التي عانت ويلات ديون التسعينيّات وما تلاها من إصلاحات قاسية أغلقت آلاف الشركات وسرَّحت ملايين العمال، غير مستعدَّة لتكرار محنة التقشُّف على شعب يسمع بين الحين والآخر أخباراً عن تبرُّعات بلاده السخية بملايين الدولارات لدعم أشقائها ومبادراتها المتكرِّرة لمسح ديون دول أفريقية.