البضائع الصينية تُريح جيوب البريطانيين وتخنق المصانع

08 يناير 2026   |  آخر تحديث: 03:42 (توقيت القدس)
متسوقون في شارع أكسفورد في لندن، بريطانيا 28 أغسطس 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- انخفاض أسعار السلع الاستهلاكية في بريطانيا، مثل التلفزيونات والهواتف الذكية، نتيجة تدفق واردات صينية منخفضة التكلفة، مما يخفف من أزمة غلاء المعيشة.
- تباطؤ التضخم المتوقع يمنح المستهلكين متنفساً، لكن تراجع الأسعار قد يؤثر على الإنفاق ويهدد بعض القطاعات الصناعية، مما يتطلب توازنًا في السياسات النقدية.
- الحكومة البريطانية تتبنى إجراءات لحماية الصناعة الوطنية، مثل فرض رسوم مضادة للإغراق، لتحقيق توازن بين خفض تكاليف المعيشة وحماية الإنتاج المحلي.

في مواجهة أزمة غلاء المعيشة التي خنقت الأسر البريطانية خلال الأعوام الماضية، بدأت مؤشرات جديدة تلوح في الأفق تشير إلى احتمال تراجع أسعار بعض السلع الاستهلاكية. التلفزيونات والهواتف الذكية وحتى السيارات الكهربائية قد تصبح قريباً في متناول عدد أكبر من المستهلكين، ليس نتيجة نمو اقتصادي أو زيادة في القدرة الإنتاجية المحلية، بل بسبب تدفّق متصاعد لواردات صينية منخفضة التكلفة، تجد طريقها إلى الموانئ البريطانية هرباً من الرسوم الجمركية الأميركية الثقيلة.

وبينما تتعافى مستويات التضخم بصعوبة من ذروة اختنقت فيها الأسواق بالأسعار المرتفعة، ترى الأوساط الاقتصادية في بريطانيا أنّ هذا التحوّل في حركة التجارة العالمية قد يمنح المستهلكين استراحة طال انتظارها من تكاليف الحياة المتصاعدة. لكن في المقابل، يثير هذا التحوّل ذاته قلق الصناعات الوطنية التي تواجه منافسة قد تعصف بفرص العمل وتغيّر ملامح الاقتصاد البريطاني على المدى المتوسط.

فشل الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في وقف توسّع الصادرات الصينية إلى الأسواق العالمية، كشف عن موجة جديدة من التحوّل في التجارة الدولية. الصين، التي سجّلت فائضاً تجارياً غير مسبوق تجاوز تريليون دولار خلال عام واحد، تبحث عن أسواق بديلة لتعويض الانخفاض الحاد في صادراتها إلى الولايات المتحدة، لتجد في بريطانيا ومنطقة اليورو وجهة متنامية لبضائعها.

يشير أحدث تقرير صادر عن بنك إنكلترا إلى دلائل مبكرة على تحويل التجارة، مع زيادة واردات السيارات والمعدّات التكنولوجية والأجهزة الإلكترونية من الصين، وهو ما يساهم تدريجياً في خفض أسعارها في السوق البريطانية. وبحسب صحيفة ذا غارديان البريطانية في 29 ديسمبر/كانون الأول الماضي، فإنّ تدفّق الواردات الصينية منخفضة التكلفة يعدّ عاملاً محتملاً في تخفيف التضخم في بريطانيا، مع مؤشرات على تزايد توجّه الصين نحو الأسواق الأوروبية والبريطانية نتيجة الرسوم الأميركية على صادراتها.

في السياق يقول البروفيسور سيراج شيخ، أستاذ أمن الأنظمة في جامعة سوانسي بالمملكة المتحدة، والمتخصّص في أمن الأنظمة السيبر-فيزيائية لقطاع السيارات والنقل، في حديث خاص لـ"العربي الجديد": "إن المملكة المتحدة إذا أرادت أن تبقى اقتصاد سوق حُرّ قدر الإمكان، فسيتعيّن عليها السماح بدخول السلع ذات الأسعار التنافسية إلى السوق المحلية. المستهلكون هنا يستفيدون من انخفاض الأسعار واتساع الخيارات المتاحة". بيد أنّه، حذّر في المقابل من أنّ "ذلك يحمل على المدى الطويل مخاطر مدمّرة على المنتجين والمصنّعين المحليين، نظراً إلى الضغط المتزايد على هوامش الأرباح".

ويضيف شيخ: "على الجانب الآخر، قد يدفع ذلك المنافسين المحليين إلى التنافس بشكل أكثر شراسة وإيجاد وسائل أكثر ابتكاراً لرفع مستويات الكفاءة وخفض عوامل الإنتاج والمنافسة على الجودة والعلامة التجارية والمصادر المحلية". ويلفت شيخ إلى أنّ أحد الأمثلة الممتازة على ما يجري، هو: "السيارات الصينية التي تتحدّى حالياً سوق السيارات في المملكة المتحدة من خلال نماذج أرخص ثمناً وأعلى جودة. سيارات موثوقة تُبنى في الصين ومتاحة للمستهلكين البريطانيين. ومع التحوّل نحو السيارات الكهربائية في المملكة المتحدة، تستفيد صناعة السيارات الصينية من تفوّقها في تكنولوجيا البطاريات والإلكترونيات الداخلية لمنافسة صانعي السيارات في بريطانيا وأوروبا في السوق البريطانية".

وبحسب ما أوردته "ذا غارديان"، يرى ستيفن ميلارد نائب مدير المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية أن الرسوم الأميركية المفروضة على الصين تشجع على إعادة توجيه صادراتها نحو بريطانيا، بينما تؤكد كاثرين مان، عضو لجنة السياسة النقدية في بنك إنكلترا، أن دلائل مبكرة تشير إلى بدء تأثير هذا التحول على الأسعار داخل المملكة المتحدة.
وفي سياق أوسع، يشير تقرير صندوق النقد الدولي لتوقعات الاقتصاد العالمي (أكتوبر/تشرين الأول 2025) إلى أنّ إعادة تشكّل سلاسل التجارة العالمية والتصاعد في السياسات الحمائية يمكن أن يغيّرا أنماط الأسعار والتضخم عالمياً وهو ما ينعكس أيضاً على اقتصادات أوروبا وبريطانيا.

أثر مباشر على التضخم… والمستهلك أول المستفيدين

ويتوقّع خبراء الاقتصاد أن يسهم تدفّق الواردات منخفضة التكلفة، خصوصاً من الصين، في استمرار تباطؤ التضخم خلال العام المقبل، بما يقرّب المعدّل تدريجياً من الهدف الحكومي البالغ 2% بحلول منتصف 2026. وتُظهر بيانات مكتب الإحصاءات الوطني أنّ الأسعار تنخفض بوتيرة أوضح في السلع القابلة للاستيراد مقارنة بالخدمات، وهو ما يمنح المستهلكين متنفساً محدوداً وسط الضغوط المتواصلة من فواتير الطاقة وتكاليف السكن والدخول شبه الراكدة.

وبرغم هذه التطورات الإيجابية للمستهلكين، يحذّر خبراء من أن تراجع الأسعار بشكل حاد قد يؤثر على حجم الإنفاق في الاقتصاد ويهدّد بعض القطاعات الصناعية، ما يفرض على صُنّاع السياسة النقدية تحقيق التوازن بين دعم القوة الشرائية والحفاظ على النشاط الاقتصادي وفرص العمل. وتثير هذه المؤشرات تساؤلات حول كيفية تفاعل بنك إنكلترا مع هذا الهبوط في الأسعار، خصوصاً أن التضخم لا يزال أعلى من هدفه البالغ 2%. وبرغم أن التراجع الأخير يمثّل خبراً إيجابياً للأسر المثقلة بتكاليف المعيشة، يحذّر البنك من أن انخفاض الأسعار بشكل كبير قد يدفع المستهلكين إلى تأجيل الإنفاق، ما يضعف النشاط الاقتصادي ويهدد فرص العمل.

ضغط على المصانع رغم الفرج للمستهلكين

بينما يجد المستهلك البريطاني متنفساً في الأسعار المنخفضة للسلع الصينية، تتصاعد المخاوف لدى قطاعات الإنتاج المحلي من أن تتحوّل هذه المكاسب قصيرة الأجل إلى خسائر هيكلية أعمق. وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة البريطانية إلى أنّ الصين تُعدّ من أكبر مورّدي السلع إلى بريطانيا، مستحوذة على نحو 8% من إجمالي واردات السلع في العام 2024 والاثني عشر شهراً المنتهية في منتصف 2025، مع اتجاه تصاعدي في قيمة الواردات مقارنة بالسنوات الأخيرة.

ويحذّر خبراء الصناعة من أنّ التنافُس السعري للسلع المستوردة يضع الصناعات ذات الهوامش الضيقة تحت ضغط مباشر. ففي قطاع السيراميك على سبيل المثال، نبّهت جهات نقابية إلى أنّ الصناعة تواجه "منعطفاً حرجاً" بفعل الإغراق السلعي وارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الاستثمار، وهو ما يهدد آلاف الوظائف في البلاد، بحسب ما نشرته "ذا غارديان" بتاريخ 29 ديسمبر الماضي.

ولا يقتصر هذا الضغط على الصناعات الحرفية، إذ أعلنت شركة إينيوس للصناعات الكيماوية في 7 أكتوبر 2025 خفضَ نحوِ 60 وظيفة في مصنعها بمدينة هال شرق يوركشاير، أي ما يعادل خُمس قوة العمل في المنشأة، مؤكدة أنّ ارتفاع تكاليف الطاقة إلى جانب تدفّق الواردات الصينية "الرخيصة للغاية"، أثّر على قدرتها التنافسية. ويرى محلّلون اقتصاديون أنّ هذه الضغوط الصناعية ترتبط بإعادة توجيه الصادرات الصينية نحو الأسواق الأوروبية والبريطانية نتيجة الرسوم الجمركية الأميركية الصارمة، ما يزيد من حدة التنافس داخل السوق المحلية. 

الإجراءات الحكومية والسياسات الردعية

في مواجهة الضغوط المتزايدة على الصناعة البريطانية نتيجة تدفّق الواردات منخفضة التكلفة من الصين، تبنّت الحكومة سلسلة من الإجراءات الرامية إلى حماية الإنتاج الوطني وتعزيز المنافسة العادلة. وبحسب ما أعلنته وزيرة المالية البريطانية، راتشيل ريفز، عبر موقع الحكومة الرسمي في 23 إبريل/نيسان 2025، فإن لندن تعمل على ضمان "أرضية لعب متكافئة" أمام الشركات المحلية عبر تعزيز دور هيئة تدابير التجارة في رصد المخالفات التجارية والتحقيق السريع في الشكاوى وتقديم دعم عملي للمؤسسات التي تواجه منافسة سعرية غير عادلة.

ووفق المصدر نفسه، تشمل هذه الإجراءات مواجهة ممارسات الإغراق السلعي، أي بيع السلع المستوردة بأسعار أقل من كلفتها الفعلية للإضرار بالمنتج المحلي، مع إعطاء الأولوية للشكاوى التي تُقدِّمها الصناعات البريطانية المتضررة. كما أوصت هيئة تدابير التجارة في أواخر عام 2024 بفرض رسوم مضادة للإغراق تصل إلى 83.5% على واردات حفّارات صناعية كبيرة من الصين وذلك بهدف حماية الشركات البريطانية العاملة في المعدات الثقيلة من فقدان حصتها في السوق المحلية.

وتشير منصة "كيم أنالست" الاقتصادية في تقرير نُشر بتاريخ 13 يوليو/تموز 2025 إلى أنّ الحكومة مددت العمل بالرسوم المضادة للإغراق على واردات السيراميك المستخدم في أدوات المطبخ المنزلية الصينية حتى عام 2029، في خطوة لحماية صناعة تواجه منافسة شديدة منذ سنوات. وبحسب أبحاث منشورة عن مكتبة مجلس العموم البريطاني في ديسمبر 2025، تم كذلك تبنّي تدابير إضافية لدعم قطاع الصلب، منها فرض رسوم أو حصص على واردات محددة تُظهر التحقيقات أنها تُلحق ضرراً فعلياً بالمصانع البريطانية، وذلك للحفاظ على القدرات الإنتاجية الأساسية في هذا القطاع الاستراتيجي.

ومن خلال هذه الحزمة من السياسات، تحاول لندن تحقيق توازن دقيق بين خفض تكاليف المعيشة للمستهلكين عبر الاستفادة من السلع الأرخص ثمناً، وبين حماية قاعدة الإنتاج المحلي وفرص العمل في الوقت نفسه، في ظل اشتداد المنافسة العالمية والتحوّلات في سلاسل التجارة الدولية. فبين "راحة الجيوب" و"مخاوف المصانع"، تبدو بريطانيا عالقة بين مكاسب قصيرة الأجل وتحديات اقتصادية قد تطول.

المساهمون