الأسهم الأميركية تتراجع تحت وطأة رهانات الذكاء الاصطناعي… وضعف الدولار يحيّر المستثمرين
استمع إلى الملخص
- شهدت الأسواق تبايناً في أداء القطاعات، مع تراجع مؤشر ستاندرد أند بورز 500 وناسداك 100 وارتفاع داو جونز الصناعي. تنتظر الأسواق نتائج "آبل" لتوضيح صورة الطلب في قطاع التكنولوجيا.
- يخفف التفاؤل بإمكانية تجنب إغلاق حكومي وشيك من حدة الضغوط، بينما يواصل الدولار تراجعه، مما يثير قلقاً بشأن مكانته كعملة احتياط عالمية.
تعيش الأسهم الأميركية لحظة توازن دقيقة بين زخم أرباح الشركات الكبرى وضغوط متصاعدة على مستوى السياسة النقدية والعملة. فبينما تتراجع مؤشرات "وول ستريت" مع إعادة تقييم المستثمرين تكاليف الإنفاق الهائل على الذكاء الاصطناعي، يواصل الدولار انحداره إلى أدنى مستوياته في سنوات، في إشارة لا تعكس هروباً من الأصول الأميركية بقدر ما تكشف عن موجة تحوّط عالمية متنامية من ضعف العملة الخضراء.
ووفقاً لما أوردته وكالة بلومبيرغ، انخفضت الأسهم الأميركية اليوم الخميس، مع تباين أداء القطاعات، إذ تراجع مؤشر ستاندرد أند بورز 500 بنسبة 0.3%، وهبط ناسداك 100 الثقيل بأسهم التكنولوجيا 0.7%، في مقابل ارتفاع داو جونز الصناعي 0.4%. وجاء الأداء المتفاوت في وقت واصل فيه المستثمرون فرز الرابحين والخاسرين من موجة الإنفاق الضخمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت المحرك الأبرز لتوجهات السوق.
ورغم أنّ نتائج شركات التكنولوجيا العملاقة جاءت، في المجمل، إيجابية، فإنها لم تكن خالية من القلق. فقد برزت "ميتا بلاتفورمز" بين أفضل الأسهم الأميركية أداءً، مدعومة بتوقعات إيرادات أقوى من المنتظر، اعتبرها محللون، بحسب "بلومبيرغ"، مبرراً لاستثماراتها الرأسمالية الضخمة في العام المقبل. وفي المقابل، تعرّض سهم "مايكروسوفت" لضغوط واضحة، بعدما خيّبت توجيهات أعمال الحوسبة السحابية الآمال، في وقت تجاوز فيه الإنفاق الرأسمالي التقديرات.
وفي هذا الصدد، تنقل الوكالة عن دينيس ديبوشير، رئيس الاستراتيجيات في "22 في ريسيرتش"، قوله إنّ "ثيمة الذكاء الاصطناعي، ومن سيستفيد من إنفاقه الرأسمالي مستقبلاً، لا تزال العامل الأكبر في تحديد اتجاهات السوق وتقييمات الشركات"، فيما ينتظر المستثمرون محطة مفصلية جديدة بعد إغلاق التداول، مع إعلان "آبل" نتائجها، والتي قد تساهم في توضيح صورة الطلب والإنفاق في قطاع التكنولوجيا الفائقة.
على الصعيد السياسي، خفّف التفاؤل بإمكانية توصل الجمهوريين والديمقراطيين إلى اتفاق لتجنب إغلاق حكومي وشيك من حدة الضغوط، رغم تحذيرات من أن واشنطن "تقترب أكثر من اللازم" من هذا السيناريو، مع اقتراب موعد انتهاء التمويل. واقتصادياً، أظهرت بيانات طلبات إعانة البطالة الأولية أرقاماً أعلى من المتوقع، في حين تراجعت الطلبات المستمرة، في إشارة متباينة إلى وضع سوق العمل. وزادت الضغوط بعد إعلان شركة داو الأميركية للكيماويات عزمها تسريح نحو 4500 موظف، في خطوة تعكس استمرار سياسات خفض التكاليف لدى الشركات الصناعية.
في موازاة ذلك، يواصل الدولار الأميركي تراجعه، في تطور بات يلفت انتباه مديري الأصول عالمياً. فقد انخفض مؤشر بلومبيرغ للدولار بنحو 2% منذ بداية الشهر، متجهاً نحو أسوأ أداء شهري له منذ يونيو/ حزيران 2025، وقريباً من أدنى مستوى في نحو أربع سنوات، لكن هذا الضعف لا يعني، وفق شركة فيديريتد هيرميس لإدارة الأصول، خروجاً جماعياً من الاستثمارات الأميركية. بل على العكس، يرى مديروها أن المستثمرين الأجانب يعمدون إلى التحوّط من مخاطر العملة بدل بيع الأسهم والسندات الأميركية.
وفي هذا الشأن، تنقل "بلومبيرغ" في تقرير مستقل، عن جون سيدواي، مدير المحافظ الأول للدخل الثابت العالمي في "فيديريتد هيرميس"، قوله إنّ "المستثمرين الأجانب يحمون حيازاتهم الأميركية من ضعف الدولار بدل التخلي عنها"، معتبراً أن هذا السلوك يشكل ركيزة أساسية للنظرة السلبية المستمرة تجاه العملة الأميركية، علماً أن "فيديريتد هيرميس" تدير أصولاً تقارب 871 مليار دولار، بما يمنح رؤيتها وزناً خاصاً في الأسواق، بحسب الوكالة.
ورغم تراجع الدولار، تلاحظ "بلومبيرغ" ارتفاع مؤشر الأسهم الأميركية الأوسع نطاقاً ستاندرد أند بورز 500 بنحو 2% منذ بداية العام، مدفوعاً بأرباح قوية، لا سيما في قطاع التكنولوجيا، بينما بقيت السندات الأميركية مستقرة نسبياً، مشيرة إلى أن هذا التباين أعاد إلى الواجهة النقاش الذي تصاعد العام الماضي عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية واسعة، ما تسبب آنذاك باضطرابات حادة في الأصول الأميركية والدولار.
وتنقل الوكالة عن محللين قولهم إن الفجوة بين أداء الأسهم والسندات من جهة، والدولار من جهة أخرى، تعكس استخداماً متزايداً للمشتقات المالية للتحوط من مخاطر العملة، بدل التخلي عن السوق الأميركية نفسها. ويأتي في هذا الإطار تحذير "فيديريتد هيرميس" من أن استمرار ضعف الدولار لعام ثانٍ قد يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق بشأن مكانته طويلة الأمد كعملة احتياط عالمية. ففي حال تحوّل هذا الاتجاه إلى مسار مستدام، قد يكون لذلك تداعيات تتجاوز تقلبات الأسواق اليومية، وتمسّ جوهر النظام المالي العالمي.