استقرار الجنيه المصري مرهون بالتحويلات... والطاقة تهدّده

10 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
محل صرافة في القاهرة، 6 يناير 2013 (خالد دسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- استقرار سعر الدولار أمام الجنيه المصري عند 49.72 جنيهاً للشراء و49.86 جنيهاً للبيع، مدعومًا بارتفاع تحويلات المصريين بالخارج وزيادة الاحتياطي النقدي، لكن الأزمة لم تنتهِ بعد بسبب الاحتياجات المرتفعة للنقد الأجنبي.

- ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 31.2% لتصل إلى 43.1 مليار دولار، مما يخفف الضغوط على سعر الصرف، وارتفع الاحتياطي النقدي إلى 55.07 مليار دولار، لكن التحدي يبقى في توليد تدفقات دولارية مستمرة.

- يواجه الاقتصاد المصري فجوة في ميزان المدفوعات بعجز 14.6 مليار دولار، وقطاع الطاقة يمثل تحديًا كبيرًا بسبب الاعتماد على واردات الغاز والمواد البترولية، مما يزيد الطلب على الدولار ويضغط على الاقتصاد.

استقر سعر الدولار أمام الجنيه المصري، أمس الأحد، في بداية تعاملات الأسبوع بالبنوك، ليسجل السعر الرسمي لدى البنك المركزي المصري 49.72 جنيهاً للشراء و49.86 جنيهاً للبيع. وفي البنكَين "الأهلي المصري" و"مصر" سجل 49.74 جنيهاً للشراء و49.84 جنيهاً للبيع، في حين استقرت الأسعار عند مستويات متقاربة في غالبية البنوك العاملة بالسوق المصرية؛ ما يعد مؤشراً على استمرار حالة الهدوء النسبي التي تشهدها سوق الصرف خلال الفترة الأخيرة.
ويأتي استقرار الدولار قرب مستوى 50 جنيهاً بعد تراجع العملة الأميركية من مستويات تجاوزت 52 جنيهاً خلال شهري يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز الماضيَين، بالتزامن مع ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى مستويات قياسية، ومواصلة الاحتياطي النقدي صعوده.
وفي تصريح لـ "العربي الجديد"، قال خبير التمويل والاستثمار، وائل النحاس، إنّ تراجع الدولار لا يعني أن أزمة العملة الأجنبية أصبحت من الماضي، إذ لا يزال الاقتصاد المصري يواجه احتياجات مرتفعة من النقد الأجنبي لتمويل الواردات، ولا سيّما قطاع الطاقة، إلى جانب الالتزامات الخارجية وخدمة الدين، في وقت يسجل فيه الحساب الجاري عجزاً يتطلب تمويلاً مستمراً، وأشار النحاس إلى أنّ تحويلات المصريين بالخارج تعد أحد أبرز العوامل التي دعمت تحسن السيولة الدولارية خلال العام المالي الحالي.
وأكد النحاس أن انخفاض الدولار إلى ما دون 50 جنيهاً يظل في الوقت الراهن مؤشراً على تحسن واضح في السيولة الدولارية، لكنه لا يمثل وحده دليلاً على انتهاء أزمة العملة؛ إذ يتحرك الدولار أمام الجنيه وفقاً لحجم المعرض والطلب، وتدفقات الاستثمار، والتحويلات، والسياحة، والصادرات، فضلاً عن مدفوعات الديون والواردات. ويبدو في المرحلة الحالية أن جانب المعروض الدولاري قد اكتسب قوة كافية للتغلب مؤقتاً على بعض الضغوط التضخمية.

قفزة في التحويلات والاحتياطي

أظهرت أحدث بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال أول 11 شهراً من السنة المالية 2025-2026 بنسبة 31.2% لتسجل نحو 43.1 مليار دولار، مقابل 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق. وبلغت التحويلات خلال شهر مايو/ أيار وحده نحو 3.9 مليارات دولار، بزيادة قدرها 13.5% مقارنة بالشهر ذاته من العام السابق.

ويشير النحاس إلى أن استمرار هذه التدفقات يعني أن أحد أهم مصادر العملة الأجنبية بات يوفر سيولة أكبر للجهاز المصرفي، بما يساعد على تلبية احتياجات المستوردين والشركات ويخفف الضغوط على سعر الصرف. وأكد أهمية هذه التدفقات مقارنة بالأموال الأجنبية المستثمرة في أدوات الدين المحلية (الأموال الساخنة)، إذ تمثل تحويلات العاملين بالخارج مورداً أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي والأسر المصرية، وأقل عرضة للتغير السريع نتيجة تحولات الأسواق العالمية.
وتابع النحاس أن ارتفاع الاحتياطي النقدي عزز موقف البنك المركزي في سوق الصرف، بعد أن سجل صافي الاحتياطيات الدولية نحو 55.07 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، وهو مستوى مرتفع تاريخياً يمنح الجهاز المصرفي هامشاً أكبر للتعامل مع احتياجات النقد الأجنبي والصدمات الخارجية، غير أنه عاد وذكّر بأن ارتفاع الاحتياطي لا يعني انتهاء المشكلة، قائلاً: "إن الاختبار الأساسي مرتبط بقدرة الاقتصاد على توليد تدفقات دولارية مستمرة تغطي احتياجاته، وليس فقط بحجم الرصيد الموجود لدى البنك المركزي في وقت معين".

فجوة ميزان المدفوعات وتحدي الطاقة

تكشف بيانات ميزان المدفوعات عن استمرار وجود فجوة بين موارد مصر واستخداماتها من النقد الأجنبي؛ فخلال الفترة من يوليو إلى مارس/ آذار من السنة المالية 2025-2026، سجل الحساب الجاري عجزاً بنحو 14.6 مليار دولار، في الوقت الذي سجل فيه الحساب الرأسمالي والمالي صافي تدفقات إلى الداخل بنحو 9.9 مليارات دولار. وهو الأمر الذي دفع المحللين الماليين إلى إبداء تفاؤل حذر، محذرين من ربط تحسن سوق الصرف بمجرد جذب تدفقات مالية مؤقتة من الخارج، في وقت لا يزال فيه النشاط الجاري للاقتصاد يولد طلباً كبيراً على الدولار.

ويأتي هذا الطلب متأثراً بارتفاع فاتورة الطاقة نتيجة تراجع إنتاج الغاز المحلي واعتماد مصر على كميات أكبر من الواردات لتلبية احتياجات محطات الكهرباء والصناعة. وفي هذا السياق، يقدر رئيس هيئة البترول السابق، مدحت يوسف، احتياجات مصر بنحو 2.5 مليار دولار شهرياً لاستيراد الغاز والمواد البترولية، وأكد يوسف لـ"العربي الجديد" أن الفاتورة المتصاعدة سنوياً تتأثر بتراجع معدلات الإنتاج المحلي وزيادة كمية الواردات وتكلفتها، بينما تراجعت قيمة الصادرات المصرية من مشتقات النفط والغاز إلى نحو 2.3 مليار دولار خلال نصف العام الجاري. وتوقع أن تصل فاتورة الاستهلاك السنوي للمحروقات إلى نحو 30 مليار دولار، بما يمثل ثلاثة أضعاف فاتورة المشتريات المحققة في الأعوام السابقة.

الجنيه المصري والاختبار الأصعب

يؤكد خبراء أن قطاع الطاقة يعد أحد أهم الاختبارات أمام استقرار الجنيه خلال الفترة المقبلة؛ فكل زيادة في كميات الغاز أو المنتجات البترولية المستوردة تعني طلباً إضافياً على الدولار، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية يرفع قيمة فاتورة الاستيراد حتى وإن ظلت الكميات مستقرة. ومن ثم، فإنّ استمرار هدوء سوق الصرف سيكون مرتبطاً على نحوٍ وثيق بتطور فاتورة الواردات، وخاصة الطاقة، وليس فقط بتدفقات التحويلات والسياحة والاستثمارات، حسب الخبراء.
وفي سياق متصل، وضع النحاس حركة الدولار ضمن إطار أوسع يتجاوز التعاملات اليومية في السوق المصرية، رابطاً بين تحركات العملة الأميركية وأسواق الذهب والأسهم والنفط والعملات المشفرة، والتغيّرات الجارية في النظام المالي العالمي.
وكان البنك المركزي المصري قد أبقى في اجتماعه الأخير على أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير عند 19% للإيداع و20% للإقراض في ظل استمرار المخاطر التضخمية. وتشير التوقعات إلى ارتفاع التضخم السنوي في يوليو إلى 15.6% مقابل 14.3% في يونيو، متأثراً بزيادة أسعار الكهرباء والسلع الأساسية، وهي البيانات الرسمية المنتظر صدورها اليوم الاثنين.