إليك حروب عصر الذكاء الاصطناعي: أولوية السيطرة على المعادن والمياه

06 يناير 2026   |  آخر تحديث: 18:36 (توقيت القدس)
منجم في أوكرانيا، 4 مارس 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تغيرت أسباب الحروب العالمية من السيطرة على الأراضي إلى الصراع على الموارد الطبيعية مثل النفط، ومع تقدم الذكاء الاصطناعي أصبحت المعادن النادرة والمياه العذبة محورية في الصراعات الدولية لضمان التفوق التكنولوجي والاقتصادي.

- أدى صعود الذكاء الاصطناعي إلى زيادة استهلاك المياه، خاصة في تبريد خوادم مراكز البيانات، مما يثير مخاوف بشأن استدامة هذه الممارسات في ظل ندرة المياه العذبة وتغير المناخ.

- تعتبر المعادن النادرة والمياه العذبة أسبابًا محورية للصراعات في مناطق مثل الكونغو، أوكرانيا، السودان، وفنزويلا، حيث تسعى القوى العالمية للسيطرة على هذه الموارد.

تتغير أسباب اندلاع الحروب مع الانتقال من عصر إنتاجي إلى آخر. من الزراعة إلى التجارة فالصناعة، تتبدل خريطة اكتساب النفوذ الدولي، لتصل إلى مرحلة جديدة مع بدء عصر الذكاء الاصطناعي. ومن السيطرة على الأراضي، والممرات التجارية والأسواق ومن ثم النفط، يعلن هذا العصر مواده الأولوية الأساسية، المعادن النادرة أهمها، والمياه أكثر ما يستدعي الشراسة، ما يفسر حقبة جديدة من الحروب والصراعات والاتفاقات الدولية الدائرة، وما يلقي الضوء على الدول التي يلاحقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يسعى إلى أن تكون بلاده المسيطرة على الاقتصاد العالمي المستقبلي المرتكز على التكنولوجيا، العسكرية منها بشكل خاص.

ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، زادت الشركات بشكل ملحوظ من استهلاكها المياه، مما أثار مخاوف بشأن استدامة هذه الممارسات في ظل ندرة المياه العذبة العالمية وتحديات تغير المناخ.

ويستهلك تبريد خوادم الذكاء الاصطناعي كميات كبيرة من المياه، حيث تستخدم مراكز البيانات أبراج التبريد وأنظمة التهوية لتبديد الحرارة، مما يؤدي إلى تبخر ما يصل إلى 9 لترات من الماء لكل كيلوواط ساعة من الطاقة المستخدمة.
يتطلب تصنيع الرقائق استخدامًا عاليًا للمياه مع معدلات إعادة تدوير منخفضة، مما يساهم في البصمة المائية لسلسلة التوريد مع شفافية محدودة بشأن بيانات الاستخدام الفعلية.

ومن المتوقع أن يصل استهلاك المياه الناتج عن الذكاء الاصطناعي إلى 6.6 مليارات متر مكعب بحلول عام 2027. في المقابل، وبحسب تقرير الأمم المتحدة للبيئة، يعاني ما يقرب من ثلثي سكان العالم من نقص حاد في المياه لمدة شهر واحد على الأقل سنوياً، ومن المتوقع أن تتفاقم هذه المشكلة بحلول عام 2030، حيث سيواجه ما يقرب من نصف سكان العالم إجهاداً مائياً شديداً.

أما فيما يتعلق بالمعادن النادرة، فهي عبارة عن مجموعة من 17 عنصرًا تُستخدم في الصناعات عالية التقنية. ليست نادرة جدًا في الطبيعة، لكنها صعبة الاستخراج والمعالجة مما يجعلها استراتيجية. وتستمد المعادن النادرة أهميتها من كونها مادة أولية في تصنيع المحركات الكهربائية (السيارات الكهربائية)، التوربينات الهوائية، الهواتف الذكية، الإلكترونيات الدقيقة، الرقائق الإلكترونية، أنظمة التوجيه والدفاع، والأقمار الصناعية والمعدات الفضائية. باختصار من يملك المعادن يملك التكنولوجيا، ومن يملك التكنولوجيا يملك القوة الاقتصادية والعسكرية. 

وتعتبر المعادن النادرة سبباً محورياً في الحروب والاضرابات وصراع النفوذ داخل الكونغو ومالي وأفغانستان وأوكرانيا وفنزويلا وغرينلاند وميانمار. فيما تعتبر المياه محورية في كل من السودان، إثيوبيا، سورية، ليبيا وأيضاً فنزويلا وغرينلاند.

معادن الكونغو ومياهها

تنتج الكونغو أكثر من 70% من الكوبالت العالمي، وهو معدن أساسي للبطاريات الكهربائية والتكنولوجيا الذكية. تحتوي أيضًا على الليثيوم، والتنتالوم، والنحاس، والتيتانيوم. وفيما تضم أفريقيا 30% من احتياطيات المعادن الحرجة عالميًا، تتركز هذه الاحتياطيات في الكونغو. وثمة في الكونغو كميات هائلة من المياه بسبب الأنهار الكبيرة لكنها غير مستغلة بسبب الحروب والفساد.

ووسط الحروب الدامية الدائرة في الكونغو، تلعب الولايات المتحدة دوراً في إدارة الصراع لبسط النفوذ، وقد تحدثت "رويترز" عن مناقشات غير رسمية دارت بين مسؤولين أميركيين وكونغوليين لصفقة "المعادن مقابل الأمن".

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ "رويترز" في مارس/ آذار الماضي إن "الولايات المتحدة منفتحة على مناقشة الشراكات في هذا القطاع بما يتماشى مع برنامج أميركا أولاً الذي تتبناه إدارة (الرئيس دونالد) ترامب"، مشيراً إلى أن الكونغو تملك "حصة كبيرة من المعادن النادرة في العالم والمطلوبة للتكنولوجيا المتقدمة".

ثروات أوكرانيا

تمتلك أوكرانيا ثروة معدنية هائلة تقدر قيمتها بنحو 15 تريليون دولار، وتضم 22 من أصل 34 معدنًا حرجًا عالميًا تشمل الليثيوم والغرافيت والتيتانيوم والمعادن الأرضية النادرة. وتُعد من أكبر الدول الأوروبية في احتياطيات الليثيوم والغرافيت وقدر إنتاج التيتانيوم عالميًا. ورغم أن أوكرانيا تشغل 0.4% فقط من سطح الأرض، إلا أنها تمتلك 5% من احتياطيات العالم من المعادن النادرة، وهو ما يجعلها محط أنظار القوى العالمية.

ووُقّع ترامب اتفاق موارد معدنية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا في 30 إبريل/ نيسان 2025 لإنشاء صندوق استثمار مشترك في الموارد (المعادن، والنفط والغاز) لدعم إعادة الإعمار بعد الحرب. الاتفاق يضمن لواشنطن حق الدخول إلى موارد أوكرانيا الحيوية مقابل دعم عسكري واقتصادي، مع الحفاظ على ملكية أوكرانيا لها، ما اعتبره المحللون سطواً أميركياً أبدياً على معادن أوكرانيا.

وفي فبراير الماضي، طرح دونالد ترامب لأول مرة صفقة محتملة على أنها رد للمساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا. قال ترامب: "أقول إنني أريدها. وأخبرتهم أنني أريد ما يعادلها، أي ما يعادل 500 مليار دولار من المعادن النادرة".

صراع على أفغانستان

تحتوي أفغانستان على الليثيوم والنحاس ومعادن نادرة أخرى بأحجام تقدر بتريليونات دولارات تاريخيًا (وفق تقارير جيولوجية دولية)، لكن البيانات الدقيقة محظورة أو غير منشورة رسميًا بسبب الصراع. 

التدخل الأميركي بعد 2001 استمر في سياق الحرب وليس فقط الموارد، لكن الاهتمام بالمعادن ظهر في تقارير سياسية واقتصادية لاحقة كخيط ضمن استراتيجيات إعادة إعمار وربطها بالأمن الاقتصادي. 

وفي التفاصيل تمتلك أفغانستان احتياطيات من معادن الليثيوم، والنحاس، والذهب، واليورانيوم، والبوكسيت، وخام الحديد، والكروم، والرصاص، والزنك، إضافة إلى مناجم للفحم، والكبريت، والرخام، والحجر الأملس (الصابوني)، والجص. وتعد أفغانستان صاحبة أكبر احتياطي في العالم من الليثيوم وبعض المعادن النادرة الأخرى، وفق إحصاءات وكالة "الأناضول".

وأعلنت وزارة المناجم والبترول في تقرير نشرته عام 2019 أن البلاد تمتلك احتياطيات تقدر بـ1,9 مليون طن من المعادن النادرة. ويعتقد أن أفغانستان تمتلك أكبر احتياطي من الليثيوم على مستوى العالم. وقد وصفتها وزارة الدفاع الأميركية، في إحدى المراسلات الداخلية عام 2010، بأنها "سعودية الليثيوم" على حد تعبيرها. ويستخدم المعدن النادر في تصنيع بطاريات أيون الليثيوم المستخدمة كمصدر للطاقة في السيارات والشاحنات الكهربائية وكل الأجهزة القابلة للشحن.

وفيما تحاول الصين توسيع نفوذها المعدني في أفغانستان، جمّدت الولايات المتحدة أصول البنك المركزي الأفغاني المحفوظة في فرع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) بنيويورك. وتحتاج "طالبان" بسرعة إلى موارد مالية لتأسيس البنية التحتية التي تمكّنها من الاستفادة من الثروات الباطنية التي تزخر بها البلاد.

وتُطالب بكين حركة "طالبان" بتقديم تعهدات لضمان أمن استثماراتها في المنطقة، إذ تخشى من تكرار المشاكل الأمنية التي تسببت في إيقاف استثماراتها بمناجم أفغانستان خلال فترة سيطرة الولايات المتحدة على البلاد.

ثروة السودان المائية

يقدر نصيب السودان من مياه النيل بحوالي 20.5 مليار متر مكعب سنويًا، إذ إن حوالي 44% من مساحة السودان داخل حوض النيل، وتُشكل مياه النيل مصدرًا أساسيًا للأمن الغذائي والري في البلاد. والسودان غني أيضًا بالمياه الجوفية التي تُعتبر موردًا ضخمًا: التقديرات تشير إلى وجود مئات مليارات إلى نحو 900 مليار متر مكعب من المياه الجوفية في باطن الأرض.

من جهة أخرى، يعتبر السودان من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، ويحتل المركز الثالث في القارة في الإنتاج. ويقدر احتياطي الذهب بنحو 1,550 طن، يضاف إلى عدة معادن، منها الحديد والنحاس والفضة، وكذلك اليورانيوم بكميات معتبرة جعلته ضمن الاحتياطيات العالمية. كما أن السودان تطل سواحله على البحر الأحمر وتربطه روابط مع أفريقيا والعالم العربي. ويواجه السودان حرباً ضخمة تختصر صراع النفوذ منذ إبريل 2023، وتتداخل مصالح دول عربية وأجنبية في الحرب للسيطرة على موارد البلاد الضخمة.

الحرب على فنزويلا

لا شك في أن السبب الأساس لهجوم الرئيس الأميركي على فنزويلا هو الاحتياطي النفطي الضخم في البلاد، إلا أنه إلى جانب ذلك تعتبر فنزويلا من الدول الغنية جدًا بالمياه السطحية، حيث تشكل منظومة شبكة نهر أورينوكو (Orinoco) العنصر الأساسي في النظام المائي للبلاد، ويمتد لنحو 2,700 كم تقريبًا إلى المحيط الأطلسي. هذا النهر أكبر من أكثر من 1,000 مجرى مائي في البلاد ويغطي حوضًا هيدرولوجيًا ضخمًا. كما أن بحيرة ماراكايبو في شمال غرب البلاد تُعد واحدة من أكبر البحيرات في أميركا الجنوبية، وتُستخدم لأغراض النقل والطاقة وصيد الأسماك، إضافة إلى دورها في البيئة المحلية. 

وفي البلاد سد غوري وهو أحد أكبر السدود الكهرومائية في العالم، يغطّي مساحة تزيد على 4,250 كيلومتر مربع، وهو مصدر رئيسي للطاقة الكهربائية (أكثر من 60% من الكهرباء في البلاد) ويُعد خزانًا مائيًا حيويًا. 

وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم بنحو 303 مليارات برميل تقريبًا، وهو ما يشكل حوالي 17% من احتياطيات النفط العالمية، وكلّه جزء مهم من اقتصاد البلاد، وفق "رويترز". وتحتفظ أيضًا باحتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، المصاحبة غالبًا لحقول النفط. لكن أيضاً تمتلك فنزويلا احتياطيات ذهب كبيرة في منطقة الدرع الغوياني، واحتياطات ضخمة من الحديد. 

كذلك، وفق تقديرات مختبرية حديثة وتحليلات جيولوجية من مناطق قريبة من الحدود مع كولومبيا توجد تركيزات عالية من العناصر الأرضية النادرة جنبًا إلى جنب مع الكولتان (وهو خام يحتوي على التنتالوم، عنصر حيوي في صناعة الإلكترونيات). وتشير بعض التقديرات الحكومية (من المرحلة الأولى للبرنامج الهيكلي لمنطقة التعدين) إلى أن احتياطيات العناصر الأرضية النادرة في فنزويلا قد تصل إلى ما لا يقل عن 300 ألف طن متري من هذه المعادن، تشمل معادن خفيفة وثقيلة، مثل السيريوم، اللانثانوم، النيوديميوم وغيرها. 

مغريات غرينلاند

وتعتبر التصريحات الأميركية بالاتجاه نحو السيطرة على غرينلاند الأكثر وضوحاً من حيث السيطرة على مواردها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وأكد ستيفن ميلر، أحد كبار مساعدي ترامب، الاثنين، أن غرينلاند تنتمي بحق إلى الولايات المتحدة وأن إدارة ترامب يمكنها الاستيلاء على الإقليم الدنماركي شبه المستقل إذا أرادت ذلك.

وتُعدّ غرينلاند، وفق "هارفرد"، مصدرًا محتملاً للعديد من المعادن الحيوية لعملية التحول في قطاع الطاقة. وعلى وجه الخصوص، تمتلك الجزيرة رواسب ضخمة من العناصر الأرضية النادرة اللازمة لتصنيع البطاريات، وتقنيات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، والمعدات العسكرية المتطورة. وتنظر الدول الغربية إلى موارد غرينلاند المعدنية بوصفها فرصةً لتقليل اعتمادها على الصين، التي تهيمن على سلاسل إمداد المعادن الحيوية.

وأظهر مسح أُجري عام 2023، أن 25 من أصل 34 معدناً اعتبرتها المفوضية الأوروبية "مواد خام حيوية" موجودة في غرينلاند. وتشمل هذه المعادن كميات كبيرة من المواد المستخدمة في صناعة البطاريات، مثل الغرافيت والليثيوم، بالإضافة إلى ما يُعرف بالعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح.

ويمكن أن يساهم الاستغلال التجاري للجليد والمياه في الجزيرة في تلبية الطلب العالمي المتزايد على المياه العذبة. ويُحتجز ما يقارب 20% من المياه العذبة في العالم داخل الغطاء الجليدي الذي يغطي الجزيرة.

المساهمون