إفلاس شركات تركية

24 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 11:06 (توقيت القدس)
شركة في إسطنبول، تركيا، 11 يوليو 2025 (أوميت تورهان كوسكون/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد تركيا أزمة اقتصادية عميقة تتجلى في إفلاس الشركات الكبرى، مما يهدد بزيادة البطالة وتراجع قيمة الصادرات وسمعة المنتج التركي عالميًا.
- تتنوع أسباب الأزمة بين التضخم المستمر، تراجع قيمة العملة، ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع الطلب الخارجي، مما يستدعي تدخلاً حكوميًا عاجلاً لدعم الشركات.
- تحتاج تركيا إلى إجراءات جذرية مثل تعديل قوانين الإفلاس، تقديم قروض بفوائد منخفضة، وتعزيز العلاقات التجارية لفتح أسواق جديدة للمنتجات التركية.

لم تعد قصة إفلاس شركات تركية وتزامنها محض مصادفة أو ضائقة مالية ألمّت بشركة، إنتاجية أو خدمية، بقطاع محدد لأمر طارئ أو حدث عارض، فالذي يجري، من تسارع وكثرة إعلان الإفلاسات يدلل، أو يجب أن يدلل على أن أزمة ما تحيط بالاقتصاد التركي برمته، وتنذر، بحال الاستمرار، ربما بالأسوأ.

إذ وبغضون شهرين فقط، أعلنت شركات عدة، منها كبرى وعريقة ورائدة، إفلاسها منسحبة من السوق بعد عدم قدرتها، حتى على دفع أجور ورواتب عمالتها، والتلكؤ بتسديد فوائد القروض، والتي أعيد جدولة بعضها أكثر من مرة. الأمر الذي يوحي بأزمة عامة تتعدى أسوار الشركات، أو تنافس غير عادل، عرّى تكاليف الإنتاج التركي وأخرجه حتى من عقر سوقه الداخلية.

فأن تصل حمى الإفلاس إلى شركة "3F Tekstil"، وهي الأكبر بقطاع النسيج والملبوسات بتركيا، فهذا ينذر باهتزاز أعمدة الاقتصاد التركي، وتتوسع موجات الاهتزاز لنسبة البطالة وقيمة الصادرات، وربما سمعة المنتج التركي الذي أدمنته أسواق المنطقة والعالم، بعد فوره بثنائية المنافسة، الجودة والسعر.

وربما تنوّع المفلسين لتطاول الأزمة شركة "أرويمك تشيليك" المتخصصة بالمعادن والصلب، وهي الموجودة عبر الجيل الرابع، بتركيا وخارجها منذ 74 عاماً، فذاك لا يبعد شبح الإفلاس عن أحد، فالقضية وعلى ما يبدو، أكثر من عدوى وطلب تعيين لجان إشراف مؤقتة وتمديد المحكمة استحقاقات الشركات، بل ثمة أزمة مالية داخل الشركات، ناتجة عن أخرى اقتصادية عامة، تكسو تركيا، بدأت كرة ثلج صغيرة عبر ارتفاع الأسعار، قبل أن تتدحرج على شكل تضخم زاحف، وتتعاظم اليوم لتجتاح شركات كبرى وتعلن إفلاسها.

قصارى القول: أسهل الأجوبة على الدولة ربما، قولها إن الأزمة عالمية وأكبر الاقتصادات تعاني التضخم والركود، وحتى الإفلاس، فالعالم، منذ أزمة وباء كورونا، يتخبط ويعاني من أزمات اقتصادية، بل وليس من الاستحالة بمكان، أن يشهد العالم، كل العالم، كساداً كبيراً مثل الذي اجتاحه في ثلاثينيات القرن المنصرم، أو، على الأقل، أزمة تزيح دولاً وتدفع بأخرى، لتعيد الهيكلة والتصنيف الدولي، كما حدث للنمور الآسيوية نهاية تسعينيات القرن الفائت... أو حتى هزة على شكل فقاعة بقطاع محدد، كالتي حدثت بالعقارات الأميركية قبل نحو عقدين، وتجلت بمصرف "ليمان براذرز" العملاق، قبل أن تتحول إلى أزمة عالمية.

بيد أن تلك الإجابة، وإن كان فيها بعض منطق وحجة، لا تعفي تركيا التي تعاني من تضخم مستعص، وتراجع مستمر لسعر عملتها، من عمل شيء ما وانقلابي، خاصة أنها -الحكومة- من لجأت إلى حل رفع أسعار الفائدة، إلى الأعلى عالمياً، لتعالج آفات اقتصادية، من قبيل التضخم والبطالة، وتداوي نزيف قطاعات أخرى، كالديون الخارجية، وضبط زيادة معروض النقد للنهوض بالليرة.

لأن ملامح الركود المتعاظمة بتركيا، لها أسبابها المحلية، ولا يمكن رمي الوزر فقط، على الظروف الدولية، أو حتى على الصراعات السياسية والعسكرية التي أرخت تبعاتها على سلاسل التوريد وحجم الإنتاج والاستهلاك، وغيرت من الوجهات، وحتى الأنماط الاستهلاكية.

فهنا في تركيا ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار الطاقة أولاً، والتي يجد المشرّع بربطها بالسعر العالمي ذريعة، سبب، وتراجع القدرة الشرائية التي أصابت الأتراك، خاصة بعد التضخم وتراجع سعر عملتهم، سبب أيضاً، كما لتراجع الطلب الخارجي بعد وجود بدائل، أقل سعراً على الأقل، سبب ومهم.

ومعالجة تلك الأسباب، وإن عبر دعم مباشر وتمويل حكومي، يصب في صالح تركيا، الدولة والمواطن وصدى الإنتاج والصادرات، مهما بلغت تكاليف الدعم والتمويل، لأن مَنح ثلاثة أشهر أو حتى سنة، للشركات لتعيد هيكلة الديون ليس حلاً، وإن فيه بعض التسكين وتأجيل إعلان المحظور.

فأن تتعاطى تركيا بحياد، وإن بذريعة المنافسة والاقتصاد الحر، مع طلب "كونكورداتو" الذي يعني تسوية الديون وحماية الأصول، قبل إعلان عجز الشركة عن تسديد استحقاقاتها، فيه، على الأرجح، واقعية إن لم نقل قسوة، لا تتناسب مع الدولة الأبوية والتي تمارسها، أعتى الليبراليات بحال الأزمات، للحفاظ على الشركات والإنتاج وتوازن السوق وامتصاص فائض البطالة.

كما لا ينتهي دور تركيا، التي وصل إنتاجها أسواق العالم بأسره، واقتربت صادراتها من 300 مليار دولار، بأن تعيد النظر فقط بقانون الإفلاس الذي يعود لعام 1932، وتغرق بمتاهات حقوق المصارف وحماية الدائنين والعمال، وضرورة ذلك لا شك. بل خطورة ما يجري يقتضي رفع سقف القروض بفوائد منخفضة، وتمديد فترات التسوية قبل الحجز والتصفية، كذلك يقتضي إعادة النظر بالضرائب والرسوم التي تراكمت خلال الأعوام الأخيرة، ويتطلب إعادة النظر بجميع تكاليف الإنتاج، وخاصة المواد الأولية والطاقة... ويحتاج، ولا ضير وعيب بذلك، أن يصطحب رئيس الدولة كبار المصنعين ورجال الأعمال بجولاته، ليفتح لهم آفاقاً تصديرية جديدة وأسواقاً، لم يزل صدى سمعة المنتج التركي فيها، وله ما له من حضور وطلب وحظوة. وإلا، فلا غرابة في تساقط الشركات كما حجارة الدومينو، بواقع فتح أسواق ومناخات أخرى الباب واسعاً للشركات التركية، أو تدخل دول أخرى لتسعف، على طريقتها.

نهاية القول: ربما شبح الإفلاس، من أخطر ما يصيب الاقتصادات، فآثاره لن تقتصر على تراجع الإنتاج وغلاء الأسعار وتراجع الصادرات ولا حتى زيادة البطالة فحسب، بل ثمة آثار وخطرة، ستمتد للمناخ الاستثماري العام، وتدفع أصحاب الرساميل والأعمال، للعد للألف، قبل التفكير بتوطين مشروعاتهم أو أموالهم ببلد طارد ويعاني الأزمات، بل ولم يعرف كيف يحمي شركاته العريقة من الإفلاس.

كما، ثمة تربص خارجي بالاقتصاد التركي، سواء من قبيل المنافسة أو حتى السياسة إن شئتم. فأن يتزامن سحب أموال ساخنة أوروبية مع حالات التضخم وإعلان الإفلاس، فليس من مصادفة بالأمر، كما أن تفتح مصر مناخها وتكيّف قوانينها على مقاسات الشركات التركية التي بدأت بالانتقال للقاهرة، فليس من عين رضا بالموضوع.

كما، وربما هو الأخطر، أن تتوسع المصارف الإماراتية وبهذا التوقيت، عبر تقديم قروض جديدة بمئات الملايين من الدولارات إلى الشركات، فهذا وما سبق وسيلي، يحيل الموضوع لملامح استهداف، كل الأمل ألا تتكاتف الإجراءات المحلية معه. فإن عذرت مصر والدول الأوروبية والإمارات، ولو من مبدأ الرياح هبت أو التجارة شطارة، فلا تبرير لتركيا بخسارة شركاتها، وتكبيل اقتصادها، والسماح بالإساءة لسمعتها الاقتصادية العريقة، قولاً وفعلاً.

المساهمون