هل الأدب السوري أدب أقليات؟

27 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 10:04 (توقيت القدس)
الروائي السوري حيدر حيدر (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشير النص إلى التوتر الطائفي في سوريا، حيث تُحمّل الأقليات مسؤولية مشاكل البلاد، مما يثير تساؤلات حول قيمة مساهماتها في الأدب السوري وأزمة الدولة الوطنية.
- منذ انقلاب حزب البعث في 1963، شهدت سوريا صراعات داخلية أثرت على المجتمع المدني، لكن الأدباء من مختلف الطوائف استمروا في إنتاج أعمالهم بعيداً عن الطائفية.
- الأدب السوري يُعتبر نتاج دولة هشة، حيث لم تتحول المدن إلى مدن وطنية جامعة، مما أدى إلى تمزق الهوية الثقافية وتأثر الأدب بالصراعات السياسية والفكرية.

على هامش الاحتدام الطائفي في سورية، الذي يُمزق فيه المجتمع عبر إحالة كلّ مشاكله إلى أقليات كانت تحكم البلاد، ويحصر دورها في التسلط على الأكثرية، التي خسرت مئات الآلاف من القتلى خلال سنوات الثورة ضد نظام الأسد المستبد.

وفي طور دفاع البعض عن الأدوار التاريخية لكل المكونات في بناء سورية، عادت إلى الواجهة أسئلة تطرحها أصوات خفيضة، حول الأدب السوري باعتباره أدباً تكتبه أسماء تنتمي إلى الأقليات! أي أنّ وجوهه البارزة لا تنتمي للأكثرية السّنية، في رغبة للتقليل من قيمة وحجم مساهمتها في النتاج الأدبي العام.

وبغض النظر عن كون هذه الافتراضات لا تقوم على حيثيات أدبية، بل تنسجم مع الصراعات الطائفية وتكاد تكون جزءاً منها، إلّا أن مجرد طرحها إنما هو مؤشّر على وجود أزمة في الدولة الوطنية، بالإضافة إلى أنها تضع إصبعاً على أزمة في الحقل الثقافي نفسه.

انقلاب البعث

منذ استيلاء حزب البعث على مفاصل الدولة في مارس/ آذار 1963، قامت قيادات الثورة المتناحرة بعمليات تطهير في مؤسسات الدولة بناءً على الصراع بين تيار "الأساتذة" وبين العسكر الذين قضوا في النهاية على كل منافسيهم، أي مدنيي الحزب وكذلك العسكريين الذين يتبعون لهم، وقد ظهرت أمام السوريين صورة التحالف القائم بين ثلاثة مكونات هم العلويون والدروز والإسماعيليون، قبل أن يطيح حافظ الأسد كلّ منافسيه، حتّى من طائفته، ليتربع على عرش البلاد منذ عام 1970، وليصنع شكلاً فريداً من الحكم يقوم على سيطرة العائلة على الحزب والدولة وعلى الطائفة، والهيمنة على كل الطوائف الأخرى.

نتج الأدب عن صراع فكري وسياسي، لا عن استيلاء أقلية على أكثرية

ومع تفجّر الصراع في سبعينيات القرن الماضي بين حافظ الأسد وتنظيم الطليعة المقاتلة، ذي الطبيعة الجهادية، وقيام السلطة بتدمير الفضاء العام من خلال "أمننة" المجتمع، ألقى بظلاله على كل مؤسّساته، ولا سيّما منظمات المجتمع المدني مثل النقابات وغيرها، إذ أدّى تمرّدها ضد السياسات القمعية إلى قيام النظام بحلّها، واعتقال جزء كبير من قادتها، الذين وصلوا إلى مراكزهم عبر صناديق الاقتراع، وسط تأييد زملائهم لهم بوصفهم نخباً ثائرة رفضت ما يجري.

حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، أي زمن هذا الصراع، كانت الأسماء التي تظهر في نشاطات وإصدارات وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب، متنوعة، متعدّدة المشارب السياسية، وحتى حين ترى كاتباً ينتمي إلى أقلية دينية بحكم الولادة، يجب التدقيق في أن نتاجه الذي يظهر غالباً بوصفه معارضاً للسلطة، مثل: هاني الراهب وممدوح عدوان وحيدر حيدر.

فوجود المعارضين يدحض وعلى نحوٍ غير قابل للشك تأسيس مشهدٍ منقسم أقلياً وأكثرياً بناءً على الاقتراب أو الابتعاد عن السلطة، فهؤلاء الأدباء أتوا إلى حقول إبداعهم بعيداً عن الطائفة وبعيداً عن السلطة أيضاً، وفي مسار حضورهم استفادوا من بيئاتهم مادةً إبداعيةً وليس بوصفها مادةً تعيد إنتاج الطائفة، فهاني الراهب في روايته "الوباء" يقوم بتشريح بنية السلطة الراهنة من خلال تفكيك بنية العائلة العلوية، وممدوح عدوان في أعماله المسرحية يظهر الفقر والإجحاف الذي تعرضت له المجتمعات المهمشة، وكذلك فعل حيدر حيدر في رواياته ولا سيّما "الفهد" التي تحولت إلى عمل سينمائي ذي ملامح عالمية على يد المخرج نبيل المالح، وما ينطبق على هؤلاء الأدباء العلويين ينطبق أيضاً على الأدباء الذين ينتمون إلى الطوائف الأخرى.

سيطرة تامّة

غير أنّ الطروحات الحادة حول الأدب السوري كونه نتاج الأقليات المهتمة بالسياسة، جاءت مع سيطرة الدولة على المؤسّسات الثقافية منذ السبعينيات، إذ أطبقت على اتحاد الكتاب العرب، بينما توجه المختلفون عنها إلى تأسيس رابطة أدباء الشام في المنفى. لكن الأجهزة الأمنية ورقابتها ميّزت بين أديب ينتمي إلى الحيّز الديني السني قد يشكل خطراً عليها، وبين آخر غير متدين. وظهر أن من يحظى بالدعم والانتشار ينتمي غالباً إلى تيارات حداثية ويسارية تشكّلت معارضة ثقافية في المنفى، بدأ حديثها يتخذ منحى اتهامياً: "النخبة ليست ممثلة للشعب"، "الأدب مفصول عن الريف"، "الحداثة غطاء للأقلية السياسية".

مقاربة الأدب السوري بوصفه أدب دولة هشة، لا أدب أقليات

لكن هذا الخطاب لم يكن حكراً على خصوم السلطة، فالنظام نفسه روّج صورة "الثقافة التعدّدية"، بحيث تظهر الأقليات على المسرح لتؤكد "وحدة النسيج السوري"، وبين هذا وذاك، ضاع جوهر الأدب باعتباره فعلاً جمالياً ونقدياً يتجاوز الهويات الضيقة، كما أن الخطاب يخلط بين الأدب الرسمي الذي رعته مؤسسات الدولة وبين الأدب السوري بمعناه الأوسع.

هناك كُتّاب وكاتبات هُمِّشوا أو أُقصوا، وظلوا يكتبون في الظلّ أو المنفى، لكنّهم لا يدخلون في حساب هذه التسمية لأنهم لم يمروا عبر "بوابة المؤسّسة". ولعلّ الطامة الكبرى تأتي من هذه النظرة التي تختزل الحقل الثقافي إلى بطاقات هوية طائفية، بينما الحقيقة أن الأدب السوري مرّ بتحولات متتابعة: من الرومانسية والوجدانية في العشرينيات إلى الخمسينيات، مروراً بالواقعية الاشتراكية، ثم الحداثة الشعرية والسردية، وصولاً إلى أدب المنفى والثورة. هذا التحول نتج عن صراع سياسي وفكري، لا عن استيلاء أقلية على أكثرية.

أدب الهشاشة والمدن الممزّقة

وبدلاً من الشعار الجاهز، وما يتضمنه من تزكية للصراعات ما دون الحالة الوطنية، يمكننا أن نقارب الأدب السوري بوصفه أدب دولة هشة، لا أدب أقليات. دولة ضعيفة التمثيل، متضخمة الأجهزة، مأزومة الهوية، جعلت الحقل الثقافي مجالاً للنخبوية والولاء أكثر مما هو مجال للتنوع الحقيقي.

كما يمكن أن نراه أدبَ مدن ممزقة: دمشق وحلب وحمص واللاذقية، مدن مختلطة تاريخياً لكنّها لم تتحول إلى مدن وطنية جامعة، وأرياف هائمة أُلحقت بالمدينة، ولكنها، وتبعاً للسياسات الأمنية والاقتصادية، تغوّلت على المدن وأنتج هذا الاختلاط الرهيب في الهويات!

هذا التمزق لم يُنتج خطاباً طائفياً مباشراً بقدر ما أنتج طليعة مغتربة، لغتها حداثية، جمهورها ضيّق، وأحياناً تُتَّهم بـ"الانفصال عن الشارع" لا بسبب أصلها، بل بسبب لغتها ومخيلتها. لتجاوز هذا الادّعاء، يجب إعادة تعريف الحقل وطرح الاستفهامات وفق ثلاث دوائر متقاطعة؛ الدائرة الجمالية: ما الذي أضافه الأدب السوري للتجريب الشعري والروائي والمسرحي؟ والدائرة الاجتماعية: من هو جمهوره؟ كيف تفاعل معه؟ ولماذا بقي نخبوياً؟ والدائرة السياسية: كيف حدّدت السلطة، أو المعارضة، أو المنفى، موقع الكاتب؟

هذه القراءة لا تعفي النظام من مسؤوليته في تسييس الثقافة وتطويعها، لكنها أيضاً ترفض خطاب التعميم الذي يصادر حقّ الأدب في أن يكون مساحة حرة.

* شاعر وناقد سوري مقيم فرنسا

المساهمون