استمع إلى الملخص
- في "مدينة نسوية"، تقدم ليزلي كيرن تحليلاً تقاطعيًا للجوانب الجندرية في المدن، متجاوزةً الجندر لتشمل تجارب فئات حضرية مهمشة، مما يجعل الكتاب مرجعًا للتخطيط الحضري النسوي.
- رغم تركيز الكتاب على مدن الشمال العالمي، إلا أنه يدعو لإعادة النظر في المدن العربية ودعم النضال النسوي لتفكيك الحواجز وجعل المدن مرحبة بجميع الأجساد.
أحدثت الحركة النسوية منذ النصف الثاني من القرن العشرين تحوّلات جوهرية في علم الجغرافيا، ولا سيّما في الجغرافيا البشرية، عبر مساءلة المقاربات التقليدية للجغرافيين الرجال التي فسّرت المجال الحضري بوصفه علاقة بين "البيئة" و"المجتمع"، دون تحليل المجتمع إلى عناصره المختلفة.
لذا سعت الجغرافيا النسوية إلى إعادة فهم العلاقة بين الإنسان والحيّز المكاني مع الأخذ بعين الاعتبار الفروق النوعية، مؤكِّدة أن النوع عنصر فاعل يُسهم في تشكيل الفضاء نفسه، وفي صياغة فكر جديد في الجغرافيا يعكس وجهة نظر المرأة في تحديد أنماط الحركة، وتقسيم العمل، والسلوك المكاني، بوصفها نتائج مباشرة للأدوار الاجتماعية المفروضة على النساء.
في كتابها "مدينة نسوية"، لا تسعى الباحثة ليزلي كيرن إلى شرح الجغرافيا النسوية بشكل نظري، بل تقوم بتجسيدها في اليومي المعاش من أيام النساء، في امتداد لسعيها نحو مدن أكثر عدالة ومساواة واستدامة، بوصفها واحدة من أبرز الأصوات المعاصرة في مجال العمران والجندر.
تفكك أنظمة القمع المتجسّدة في التخطيط والحياة الحضرية
ورغم صدور الكتاب قبل خمس سنوات عن "فيرسو"، فإنه لا يزال يشكّل مرجعية لنماذج من التخطيط الحضري النسوي يتم نقاشها اليوم لتطوير عدد من المدن حول العالم، حيث توظّف كيرن مقاربة نسوية تقاطعية في تحليل الجوانب الجندرية للمدينة، مفكِّكةً أشكال اللامساواة المتداخلة وأنظمة القمع المتجسّدة مادياً في التخطيط والحياة الحضرية. وتنطلق من تجربتها الشخصية، من جسدها بوصفه "الجغرافيا الأقرب إلينا"، مدركةً امتيازاتها كمواطنة كندية، من طبقة وسطى، ومغايرة الجنس، دون أن تدّعي تمثيل تجربة نسوية شاملة. تحاول، انطلاقاً من موقعها، مقاربة تجارب فئات حضرية أخرى مهمَّشة مثل المهاجرين/ات، والأشخاص السود، وذوي/ذوات الإعاقة، والسكان الأصليين، ومجتمعات الميم-عين، بوصفهم جميعاً جزءاً من خرائط التهميش والاستبعاد في المدينة.
طرح أسئلة النساء
تعتمد كيرن ما يمكن تسميته سياسة "طرح أسئلة النساء": لا أسئلة جوهرانية مبنية على افتراضات مسبقة حول "طبيعة المرأة"، بل أسئلة تنبثق من التجربة اليومية لمن يعرّفن أنفسهن ضمن الفئة الديناميكية والمتغيّرة المسماة "نساء". فتبدأ بأسئلة تبدو بديهية: لماذا لا تتّسع عربة طفلي في الترام؟ ولماذا أضطر إلى المشي مسافة أطول لأن الطريق الأقصر غير آمن؟ لتصل إلى أسئلة تتجاوز مسألة الجندر: كيف يمكن لرغبة النساء في الأمان أن تؤدي إلى تعزيز مراقبة مجتمعات الملوّنين؟ وكيف يمكن للمطالبة بإتاحة عربات الأطفال أن تتقاطع مع احتياجات ذوي الإعاقة وكبار السن؟ وكيف يمكن لرغبة النساء في "المطالبة" بالفضاء الحضري أن تُعيد، دون قصد، إنتاج خطابات وممارسات استعمارية تُقوِّض نضالات السكان الأصليين في استعادة أراضيهم التي سُلبت واستُعمِرت؟
المدينة بوصفها فضاءات متعدّدة
لا تُضيّق كيرن مخروط النقاش عند التجربة الحضرية الشخصية، بل ترسم مساراً تاريخياً للتخطيط الحضري، مبيِّنةً كيف أُزيل الجندر أو أُهمل منهجياً في هذه المخططات، التي ارتكزت تاريخياً على احتياجات الرجال، وقدرتهم على التنقّل، وبُنيتهم الجسدية. وفي الوقت نفسه، تبني على تاريخ طويل من أعمال الباحثات اللواتي كتبن في العمران والحياة الحضرية قبلها، مثل شارلوت برونتي، وجين آدامز، وآيدا ب. ويلز، وكاثرين بيتشر، وميلوسينا فاي بيرس.
ومن خلال ثيمات متعددة، تقرأ كيرن المدينة بوصفها فضاءات متوازية ومتقاطعة لا تجربة واحدة. ففي "مدينة الرجل" تناقش خوف النساء الحضري، وثقافة الاغتصاب، والحركات الاحتجاجية، و"الأيام المزدوجة" للنساء بين العمل المأجور والعمل المنزلي/الرعائي. وفي "مدينة الأم" تتناول تجربتها كامرأة حامل ثم كأم في مدينة لم تُصمَّم لها، متسائلةً عمّا إذا كان من الممكن أصلًا تخيّل شخصية "المتسكّع" كامرأة حامل.
تبيّن كيف أُزيل الجندر أو أُهمل منهجياً في مخططات المدن
أما في "مدينة الأصدقاء" فتعود إلى الصور النمطية للصداقة بين النساء، وتحلّل تمثّلاتها الثقافية وصولاًإلى حضورها في الفضاء الحضري، بين المدينة والضواحي، كما تناقش الحق في أن نكون وحدنا في "مدينة الفرد". هكذا، وعلى امتداد سبعة فصول: مدينة الرجل، والأم، والأصدقاء، والفرد، والاحتجاج، والخوف، والإمكان، يأخذنا الكتاب في رحلة من التجارب والإحالات إلى الثقافة الشعبية من أفلام ومسلسلات وكتب، بلغة واضحة وأسلوب سلس، يجعله سهل المتابعة ومتاحًا لجمهور واسع.
محدودية العدسة وأسئلتنا
نُقد كتاب "مدينة نسوية" لمحدودية اشتغاله على مدن الشمال العالمي، مثل لندن وتورنتو ونيويورك، وهي المدن التي عاشت فيها الكاتبة وتنقّلت بينها، ما أتاح لها تحليلاً دقيقاً للحياة اليومية من موقع العارف بتفاصيلها. كما يُؤخذ عليه عدم تقديمه أجوبة فعلية جاهزة لـ"أسئلة النساء". فما تقدّمه أقرب إلى عدسة تحليلية لإعادة النظر في المدينة وعلاقات القوة التي تشكّلها، أكثر من كونه مجموعة وصفات تخطيطية جاهزة. عدسة تنطلق من إيمان بقدرتنا جميعاً على تخيّل وخلق عوالم حضرية جديدة، عوالم حضرية نسوية، حتى لو لم تدم سوى لحظة واحدة، أو وُجدت فقط في جيب صغير من المدينة.
فماذا لو وجّهنا هذه العدسة إلى مدننا العربية اليوم؟
ماذا ستكشف عن موقع النساء في فضاءاتها، وعن الأجساد التي تُحتسب وتلك التي تُقصى؟ وكيف يمكن التعرّف على البدائل القائمة فعلاً، وفحص إمكانية توسيعها أو تكييفها مع سياقاتنا المختلفة، في ظل شبه انعدام لهذا الحقل المعرفي في مؤسساتنا الأكاديمية؟ وكيف يمكن للأبحاث، من خلال هذه العدسة، أن تدعم النضال النسوي العربي للتحرّك والسعي للمطالبة بحق النساء في مدننا؟ من أجل مدينة لا تخشى فيها النساء احتلال الحيّز المكاني بأجسادهن "الكبيرة جداً، الخصبة جداً، الجنسية جداً، الفوضوية جداً الهشّة جداً"، ومن أجل "مدينة نسوية تُفكَّك فيها الحواجز، الجسدية والاجتماعية، وتُصمَّم بحيث تكون جميع الأجساد مُرحَّبًا بها ومأخوذة في الحسبان".