كلب السلطة وكلب الفلسفة بين أفلاطون وكافكا

03 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:06 (توقيت القدس)
هيلين كيلر مع كلبها في سان فرانسيسكو، 4 يوليو/تموز 1939 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استعارة الكلب في الأدب تمتد من الفلسفة، حيث استخدمه أفلاطون كرمز للحارس الأمين وديجانوس كرمز للحياة الحرة، مما يعكس تعددية الأدوار الرمزية للكلب.
- في الأدب الحديث، يظهر الكلب كمرآة وجودية، كما في "إخضاع الكلب" لأحمد الفخراني و"يوم الكلب" لكارولين لامارش، حيث يرمز للانهيار النفسي والهشاشة.
- الكلب يتجاوز كونه حيواناً منزلياً ليصبح رمزاً للحرية والتوحش، كما في "تحريات كلب" لكافكا، مما يعيد تعريف الفيلسوف ويكسر فكرة النموذج المثالي.

استعارة الكلب في الأدب تعود بجذورها إلى الفلسفة. أفلاطون قدّم صورة للفيلسوف الحارس في جمهوريته، إذ يُشبَّه الكلب بالحارس الأمين الذي يحمي المجتمع العادل ويصون نظامه ومؤسساته. على النقيض، اتخذ ديجانوس الكلبي من الكلب رمزاً للحياة الحرة على الهامش، بعيداً عن أي سلطة أو مؤسسة، واحتفى بصفاته الطبيعية مثل البساطة والجرأة والعيش وفق الغريزة.

هذا التباين في النظر إلى الكلب، بين كونه حارساً للنظام عند أفلاطون وكائناً متمرداً عند ديجانوس، يكشف عن عمق الرمزية التي يحوزها الحيوان في المخيلة الإنسانية. وجاء جيل دولوز لاحقاً ليعيد صياغة هذه الاستعارة ساخراً من فكرة "النموذج المثالي"، في إشارة إلى أن وراء كل كلبٍ كلباً أفلاطونياً متخيَّلاً، في إشارة إلى هشاشة الميتافيزيقا، وضرورة الاعتراف بالتعددية والاختلاف بدل البحث عن مثال واحد مهيمن.


مرآة وجودية وفكرية

من هذه الأرضية الفلسفية، يغدو الكلب في الرواية أكثر من مجرد تفصيل سردي؛ إنه مرآة وجودية وفكرية تعكس علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. يتبدى ذلك بوضوح في الأدب الحديث، سواء في النصوص العالمية أو في العربية. ففي رواية "إخضاع الكلب" لأحمد الفخراني نموذج لا يُظهر الكلب "ونيس" حيواناً أليفاً فحسب، بل مرآة تُسقط عليها شخصية هارون، الراوي، انهيارها النفسي إثر فقْد ابنه وهروب زوجته. حين يطيع الكلب شخصاً آخر، يشعر هارون بالخيانة. الطاعة في ذهنه مرادفة للحب، وكأنّ الكلب يجب ألا يحب سواه. هنا، الكلب ليس هو المهم، بل ما يعكسه من انهيار داخلي، من توهم بالسيطرة ومرض في العلاقة مع النفس والآخر.

يتحوّل إلى رمز للحرية والتوحش عبر طرح أسئلة عن الطاعة

على نحو موازٍ، تكشف رواية يوم الكلب (Le Jour du chien) للكاتبة الفرنسية كارولين لامارش عن طاقة رمزية أخرى لحضور الكلب في السرد. فالعمل يُقدَّم في صيغة رواية "كورالية"، إذ تواجه ست شخصيات لحظة مشتركة: رؤية كلب مذعور، هائم بلا وجهة. الكلب هنا لا يغير مصائر الشخصيات، لكنه يفتح أعينها على هشاشتها العميقة، كأنه مرآة تعكس انكساراتها أو مخاوفها، وتكشف أن وراء كل حياة فردية موتاً يتربص، وصمتاً يخيّم. وقد عبّرت لامارش عن ذلك بقولها إن الكلب كان بمثابة تجسيد لمشاعرها الداخلية التي لا تستطيع التعبير عنها إلا من خلاله، فهو رمز للخوف والخذلان، لكنه أيضاً عزاء وذاكرة طفولة. ومن خلاله، تكشف الرواية أن الحيوان ليس مجرد حضور عرضي، بل محفّز لطرح الأسئلة الوجودية التي تتجاوز الفرد لتصل إلى معنى الحياة ذاتها. بهذا المعنى، يقترب كلب لامارش من أن يكون ضميراً صامتاً يربط بين الشخصيات، مثل خيط خفي ينسجها جميعاً داخل سؤال أكبر عن العزلة، والخوف، والموت.


حدود الغريزة والعقل

من هنا، تطرح مسألة حضوره في الأدب سؤالاً أساسياً: ما الذي يعنيه أن يظهر الكلب في النصوص السردية؟ كثير من الروايات تشير إلى أن وجود الكلب يتجاوز كونه حيواناً منزلياً، ليغدو كائناً مفكراً أو حاملاً لرسائل رمزية. فهو يتيح إعادة التفكير في طبيعة الإنسان وعلاقته بالحيوان، ويكشف حدود الغريزة والعقل، كما يطرح مسألة الوفاء والصداقة ويضع العلاقات البشرية في موضع مقارنة محرجة مع وفاء الحيوان غير المشروط. وفي أحيان أخرى، يتحول الكلب إلى رمز للحرية والتوحش، عبر طرح أسئلة عن الترويض والانفلات، عن الطاعة والغريزة. بل إن بعض الروايات تمنح الكلب حق الكلام، أو وجهة النظر السردية، لتعيد تقييم الإنسان من الخارج بنوع من البراءة المقلقة. أضف إلى ذلك أن الكلب قد يكون شاهداً على الموت والفقد، فيصير تمهيداً لمأساة أو امتداداً لصمتها الثقيل. هكذا، كل هذه الثيمات، رغم تنوعها، تصب في سؤال أكبر: كيف نُعرّف أنفسنا من خلال الآخر الصامت.

يصبح الكلب، حين يقترن بالسلطة، أرفع شأناً من المواطن العادي

أما عند كافكا، في نصه "تحريات كلب"، فإن الحيوان يتحوّل إلى فيلسوف صامت. الكلب لا يمثل سوى ذاته، لكنه مع ذلك يُقلق القارئ بقدرته على طرح أسئلة وجودية: من أين يأتي الطعام؟ كيف يعمل النظام الجماعي؟ ما القوانين التي تنظّم حياتنا؟ في لحظة ما، يبدو الكلب أقرب إلى الإنسان من الإنسان ذاته، لأنه يتأمل شروط الوجود من موقع البراءة والقلق معاً. هنا، لا يعود الحيوان أدنى وعياً، بل ربما أكثر صدقاً وتواضعاً، لأنه لا يخدع نفسه بأوهام التفوق.


من الكلب حقاً؟

وإذا كان الفخراني قد جعل الكلب مرآة للهشاشة الفردية، وكان كافكا قد حمّله قلق الأسئلة الوجودية، فإن أحمد فؤاد نجم استخدمه في سياق هجائي ساخر يكشف طبيعة السلطة. ففي إحدى قصائده، يروي حادثة كلب أم كلثوم الذي عضّ طالباً، فوقَف النظام إلى جانب الكلب لا الإنسان، لأن الكلب "يتبع الست". هنا يصبح الكلب، حين يقترن بالسلطة، أرفع شأناً من المواطن العادي، وكأن الوفاء للسلطة يمنح حصانة ووجاهة تفوق الكرامة الإنسانية ذاتها. هذه الحكاية الساخرة تعكس عمق الرمزية: الكلب ليس مجرد كائن بريء، بل هو في موقع تُعرَّى فيه البنى الاجتماعية والسياسية.

كل هذه النماذج تشير إلى أن حضور الكلب في الأدب يتجاوز حدوده البيولوجية، ليغدو حاملاً لتساؤلات كبرى. فهو مرة مرآة للذات المنهارة، ومرة عقلاً فلسفياً يلاحق المعنى، ومرة شاهداً ساخراً على انحيازات السلطة. وبذلك يلتقي مع إرث أفلاطون وديجانوس ودولوز، الذين رأوا في الكلب كائناً قادراً على إعادة تعريف الفيلسوف أو كسر فكرة النموذج المثالي. الأدب، إذ يعيد تدوير هذه الرموز، يجعل الكلب كياناً مقلقاً يُربك الحدود بين الإنسان والحيوان، بين النظام والانفلات، بين الطاعة والحرية.
يمنح الروائيون الكلب فرصة قول ما يعجز البشر عن البوح به. هو ليس مجرد تابع، بل صوت من الهامش، يمشي خارج السطر لكنه لا يغادره أبداً. وعبر الكلاب، نعيد النظر في الإنسان: في جُبنه، وشهوته للهيمنة، وحنينه، وعزلته، ومقاومته. ولذلك، حين يظهر الكلب في الرواية، لا نضحك ولا نستأنس به فقط، نقف قليلاً، ونتساءل: من الكلب حقاً؟ نحن أم هو؟

فنون
التحديثات الحية
المساهمون