كتاب طبخ كافكا.. الطعام رمزاً لعزلة وجودية

15 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:09 (توقيت القدس)
اختيار أن يكون نباتياً هو تمرّد صامت ضد والده (تصميم: العربي الدجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الذكرى المئوية لرحيل كافكا شهدت اهتمامًا متجددًا بأعماله، حيث لم تُنفذ وصيته بإتلاف مخطوطاته بفضل صديقه ماكس برود، مما أتاح استكشاف تفاصيل جديدة عن حياته الأدبية والشخصية.
- "كتاب طبخ كافكا" يسلط الضوء على عاداته الغذائية، حيث استخدم الغذاء للتعبير عن صراعه مع والده والمجتمع، واعتنق النظام النباتي كتمرد صامت ضد السلطة الأبوية.
- الكتاب يُظهر كيف تحوّل الطعام والزهد إلى رموز للألم والاغتراب، ويعكس أسلوبه الأدبي البسيط، حيث كانت التغذية عند كافكا نوعًا من العلاج والثقافة.

شهدت السنة الماضية ذكرى مرور مئة عام على رحيل الكاتب التشيكي النمساوي فرانز كافكا، وفتحت الأبواب واسعة لاستعادة آلاف التفاصيل عن كاتب عاش مغموراً من الناحية الأدبية، وكان سيظلّ كذلك، لولا أن صديقه ماكس برود لم يُنفّذ وصيّته بإتلاف مخطوطاته، خلافاً لصديقته ديامنت التي ساعدته في إحراق ما يقارب 90 بالمئة من أعماله التي كتبها في برلين.

لم تكن المناسبة إيذاناً بإعادة نشر أعمال صاحب رواية "المسخ"، أو أعمال الآخرين عنه، ففي كل عام هناك كتاب ما عنه، وعن رسائله ورسوماته، وعن حياته القصيرة وأسباب رغبته في عدم نشر أي من مخطوطاته، عن شغفه باللغة الألمانيّة وكآباته وأمراضه. في 16 أغسطس/ آب الماضي، صدر "كتاب طبخ كافكا، التجوّل النباتي لفرانز كافكا" (منشورات كلیت - كوتا)، في 550 صفحة من القطع الكبير، والذي يضيء عاداته الغذائية، ووصفاته في الطبخ.

صدر الكتاب لأول مرة في عام 1893، ولكن في هذه الطبعة التي حررتها الطبيبة إيفا غريتسمان والناقد الأدبي دينيس شِك، والمرفقة بمقدمة منهما، يدخلان معدة ودماغ وأعصاب وهواجس كافكا، ويربطان ذلك مع أعماله. وعلى نحوٍ غير مباشر يقدمان مفتاحاً لفهم حياته ونصوصه الأدبية، من "الفنان بالجوع" وصولاً إلى "رسالة إلى الأب"، ما يمنح القارئ نافذة لفهم جوانب من حياته الفكرية وفنه.

استعمل الغذاء مادة للتعبير عن الصراع مع والده ومع المجتمع

كان هرمان، والد كافكا، يهودياً متديناً يعمل جزّاراً ومولعاً بالطعام الدسم وباللحوم، وذا بنية جسدية قوية. في الوقت الذي كان ابنه نحيلاً ومريضاً، وفي وقت لاحق، صار نباتياً، والذي لم يحصل اتباعاً لحمية خاصة لأسباب صحية، وتحوّلت تلك العادات إلى مادة أدبية، استعملها للتعبير عن الصراع مع والده ومع المجتمع، وحتى مع جسده الهش.

ويمكن تخيّل الابن أمام والده الصارم في التربية على مائدة الطعام. فلا يكون أمام الأب سوى أن يضع صحيفة أمام عينيه، لكي لا يرى ما يأكله وريثه النحيل، ولا كيف يأكله ببطءٍ يثير الأعصاب؛ وكافكا يدفع المكسرات والأعشاب والخضار إلى جوفه، وكأنه يرميها في وجه والده.

في عام 1910، قرر كافكا "اعتناق" النظام الغذائي النباتي بوصفه "جزءاً من آراء غير تقليدية في عصره حول الصحة والتغذية، وربط النظام النباتي بتحسّن حالته الصحية، خاصة في ما يتعلق بأمراضه الهضمية المزمنة". قبل أن يذهب، في عام 1924، إلى مصح الطبيب هوفمان بالقرب من فيينا، ليموت هناك بعد أقل من شهرين بسبب الجوع. 

كافكا - القسم الثقافي
بورتريه لفرانز كافكا، 2014 (Getty)

إلى جانب توماس مان وراينر ماريا ريلكه، كان صاحب رواية "المحاكمة" من نزلاء مصحّ لاهمان قرب دريسدن الألمانية. وهناك، في عام 1918، تعرّف على "كتاب الطبخ الصحي للاستخدام من قِبَل نزلاء المصح السابقين"، ومن خلاله اكتشف مطبخاً يشكل الآن صميم علم التغذية الحديث.

لم يستطع مشاركة الآخرين موائدهم كما لم يستطع مشاركة عالمهم

ولكن هل ما زال "كتاب طبخ كافكا" مثيراً للناس لكي يُجربوا وصفاته الـ 544؟ يجد مُحرّرا الكتاب بأن هذه الوصفات ما زالت تحظى بالتقدير، فهي تشمل مجموعة متنوعة من الأطباق التقليدية مثل الملفوف المحشي، وخضروات الفجل الحار بصلصة زبدية، والكرنب المخبوز مع البطاطا، وكور نباتية من الجبن الأبيض.

من خلال تلميحات هذا الكتاب، يبدو اختيار كافكا أن يكون نباتياً هو تمرّد صامت ضد والده، ورفض لطريقته في الحياة، وهذا الصراع يظهر بوضوح في نصه الشهير "رسالة إلى الأب"، إذ يصف الأب بأنّه "سلطة قمعية" ويكشف عن "شعوره بالضعف والهشاشة" أمامه. بمعنى أن اختياره لهذا النوع من الغذاء كان "موقفاً وجودياً وأدبياً ضد السلطة الأبوية".

ويبيّن المحرّران كيف تحوّل الطعام والزهد إلى "صورة رمزية للألم الداخلي والاغتراب"، بل أصبح الطعام "رمزاً لعزلته الوجودية؛ فكما لم يستطع مشاركة الآخرين موائدهم، لم يستطع أيضاً مشاركة عالمهم".

ويذهب المحرّران أبعد من ذلك، إذ يتوصلان إلى أنّ الكتاب ليس مجرد وصفات نباتية، فالأكل القليل والبسيط يدل على أسلوبه الأدبي البسيط، وبأن الحرمان/ الزهد يشكل موضوعاً متكرّراً في نصوصه، وبأن الصحة والمرض، أو الجسد باعتباره عائقاً، يظهران خلفية دائمة في قصصه، وبجسارة يربطان الوصفاتِ بمقاطع معينة من كتاباته، ويوضحان كيف كانت التغذية عند كافكا، والنباتيين آنذاك، نوعاً من العلاج والثقافة، وليست مجرد توجّه غذائي حديث أو موضة.


* كاتب سوري مقيم في ألمانيا

المساهمون