استمع إلى الملخص
- تتعمق الرواية في العلاقات الشخصية وتستعرض قصص شخصيات متعددة، مما يضيف عمقًا إنسانيًا للقضية البيئية، مع حوارات غنية بالأفكار والجدل الفكري.
- تحتوي الرواية على عناصر "الأكشن" والجريمة، مثل إحراق الورشة ومقتل آري، مما يضفي طابعًا سينمائيًا وبوليسيًا، مع حبكة معقدة تجمع بين الجدل الفكري والإثارة الدرامية.
"غابة" (دار نوفل/ هاشيت أنطوان، بيروت، 2025) رواية الكاتب اللبناني سمير يوسف، لا تندرج في موضوعها وقضيتها ومكانها وشخصياتها، في الرواية اللبنانية أو حتى العربية. موضوعها الأساس هو قضية البيئة التي قلّما تنفذ إلى أدبنا، رغم أنه يشغل العالم. مكانها الريف الفرنسي وشخصياتها فرنسية، ذلك لا ينفي أن الرواية مكتوبة بعربية مقبولة.
تبدأ الرواية، أو لنقل قبل أن تبدأ، بنصّ غير منسوب، هو بحدّ ذاته قصة قصيرة. الوالد الذي يحمل، في الخيال، سلاح صيد، لكنه يكتفي بتأمّل البطّ. بعد ذلك، هناك الراوي الذي له قصته أيضاً. لا نزال قبل الرواية التي نُصادف في فصلها الأول توماس رئيس البلدية، في سيارته اللادا. ليست هذه الماركة عبثاً، إنها فاعلة في النص. على الطريق يفكّر توماس في أن العالم الذي تصنعه التكنولوجيا لم يعد حقيقياً، وهو الآن ماضٍ إلى تدميره. يلقي النار على ورشة المشروع الذي نفهم أنه سيحتل مكان الغابة والأراضي الزراعية، وفي واحدة منها قبر والد توماس. المشروع الذي لا نعرف تماماً اسمه، هو بالطبع العالم الحديث المعادي للبيئة.
موضوعها الأساس هو قضية البيئة التي قلّما تنفذ إلى أدبنا
ليست هذه وحدها قصة توماس، إن له حبّه لإيلينا، التي وجدها جنبه على سريره، بعدما خسر رهانه وصعد بريشة البطّ التي استحقّها بخسارته، لينام في غرفة في الفندق الذي هو أيضاً اعتداءٌ على الطبيعة. لإيلينا قصتها، ولماكس نائبه قصته، ولآري الصبية الفتية قصتها. رواية يوسف التي يقصها من الأول إلى الآخر حكاية البيئة هذه، ولا نكاد نقفز من صفحة إلا ونجدها فيها. رواية يوسف هذه من دون ريب رواية قضية، إنها في صفحاتها الـ152 دفاع متواصل عن نظرية، عن موقف، وعن قضية.
الحوار الذي يجري غالباً بين توماس وإيلينا حول المسألة مثير وقوي وحيوي، ليس فقط لما فيه من علم، بل ولما فيه أيضاً من جدل ومن أفكار. الرواية من هذه الناحية تكاد تكون أطروحة في موضوعها، بل يمكن بناء بحث متكامل عليها. ليست الأفكار وحدها هي الأساس، بل هناك أيضاً العصب والحساسية والخيال. إننا أمام رواية فكرية بالطبع، هي من المبدأ الى النهاية معالجة متصلة تبني فكرة على فكرة . كأن الروائي منتبه إلى ذلك، لذا يحاول ان يطوقه ويلتف عليه، بأن يزود الرواية بأقاصيص شتى ومن كل صوب.
هناك قصة توماس وإيلينا، لكن هناك أيضاً قصة آري التي تنتقل من فيكتور إلى ماكس، آري التي تنتمي إلى عصر التكنولوجيا وتتمرس به، لكن لتنقلب عليه. هناك أيضاً قصص من الهامش كقصة ماكس وآندري. الى جانب هذه الأقاصيص هناك أيضاً العنف الذي يخترق الرواية، إحراق الورشة، الشجارات العنيفة، ذبح كلبة آري، ثم هناك في النهاية مقتل آري بطعنة. هكذا نقع، من ناحية أخرى، لا على رواية جدل وأفكار فحسب، بل وعلى رواية "أكشن" تكاد تشبه في ذلك سيناريو فيلم سينمائي من النوع ذاته.
لا نجد الأكشن فقط، بل نجد في المقابل ما يشبه أن يكون رواية بوليسية. هناك جريمة توماس التي يعقبها خطفه من قبل مخابرات، الأمر الذي يكشفه العميد آندري ضابط البوليس الذي رغم وظيفته، ورغم تهديده المسبق لتوماس، يعمل على تبرئته، ذلك يقتضي نوعاً من رواية بوليسية مضادة. بدلاً من كشف المجرم، يتجه ضابط البوليس إلى العكس تماماً، إلى التغطية على جريمة صديقه. هكذا يحوم حول سيارة توماس ليجد فيها الدليل على ذهابه الى الورشة وقيامه بإحراقها، إنه قطعة من السيارة يلتقطها ويُخفيها. تنجح خطته، بعد أن انتقل من دور حارس الأمن إلى دور المرتكب، دور معكوس في قصة معكوسة.
كلّ ما في الرواية، بما في ذلك سيارة اللادا، يلعب دوراً روائياً، لكن المفاجئ في رواية كهذه هو لعبة الخيال. شيء من الفانتازيا يتخلّل فصول الرواية هو قصة اليعاسيب التي تحلّق في الجو، هي يعاسيب زرقاء صغيرة يهاجمها يعسوب أسود فيفرّقها، ثم نرى بجعات تحوم وتقذف من مناقيرها جثث اليعاسيب الزرقاء الصغيرة. إنها لوحة مقابلة للرواية، شيء كالشعر يواجه الأطروحة الجدلية ويقولها بالرمز والصورة والاستعارة.