عبد الكبير الخطيبي... قطع منهجي مع التركة الكولونيالية

16 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:03 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب (تصميم العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعبر عبد الكبير الخطيبي عن رغبته في أن يكون سائق حافلة كاستعارة للارتحال والاغتراب، مما يعكس تنقله بين اللغات والثقافات دون التخلي عن جذوره، وهو ما يشكل مدخلاً لكتاب يناقش إسهاماته في السوسيولوجيا والنقد الأدبي.
- أسهم الخطيبي في تأسيس معهد السوسيولوجيا في الرباط، وواجه تحديات سياسية أدت إلى إغلاقه، مما دفعه إلى التركيز على علامات علم الاجتماع في الحياة اليومية ودعوة إلى "النقد المزدوج" للثقافتين العربية والغربية.
- يرفض الخطيبي مركزية الغرب والشرق، ويدعو لفهم الهوية كممارسة للاختلاف، حيث تتداخل الذات والآخر، ويسعى لتفكيك الثنائيات واستبدالها بالتعددية، مع التركيز على معرفة التراث دون الوقوع في سجونه.

يقرأ عبد الفتاح كيليطو رغبة صديقه عالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي (1938–2009)، بالعمل سائق حافلة مثلما ذكر في روايته الذاتية "الذاكرة الموشومة"، بأنها رغبة في التوجّه نحو هوية وفضاء جديدَين. تمثلُ هذه القراءة مدخلاً لفهم مقالات سبعة باحثين في كتاب "عبد الكبير الخطيبي ورهانات تأسيس سوسيولوجيا مغربية" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025). فسائق الحافلة، في قراءة كيليطو، استعارةٌ لشخص يصبح "غريباً محترفاً" لا يتنكّر لجذوره، لكنه يختار الارتحال والاغتراب، ويجد نفسه في وضعية حركة دائمة عبر العالم، قادراً على عبور الحدود بين اللغات والثقافات. 

جمَع الخطيبي بين السوسيولوجيا والنقد الأدبي والكتابة الإبداعية، وأسهم مع عدد من مجايليه في صياغة معجم مفاهيمي في حقل دراسات الاستعمار وما بعده. وحين نضعه في السياق المغربي، فهو ينتمي إلى جيل ما بعد الاستقلال، وما رافق هذا الجيل من سجالات الهوية واللغة وبناء الدولة الحديثة. وتركّزت جهوده على إرساء قطيعة منهجية مع "التركة الكولونيالية"، من دون نفيها أو إلغائها، بل عبر قراءة متغيّرات المغرب ما بعد الاستقلال في تحديات بناء الدولة الوطنية المستقلة، وإنجاز قطيعة واعية مع شروط التبعية للاستعمار، والانتقال بالمجتمع من أوضاع التقليد إلى أوضاع جديدة من الفكر والثقافة ومبادئ الحداثة.

يضمّ الكتاب مقالَين كتَبَهما الخطيبي، يصف فيهما المشتغلين في حقل علم الاجتماع من المغاربة، في الفترة التي أسهم فيها بتأسيس معهد السوسيولوجيا في الرباط، بأنهم "أيتام المجتمع"، مثل محمد جسوس وبول باسكون، باعتبارهم أفراداً مريبين، بسبب ارتباط علم الاجتماع بالسياسة؛ ارتباط دفع السلطة إلى إغلاق المعهد بعد توصيات لجنة بحثت تأثير أحداث عام 1968 في فرنسا على الجامعات المغربية. هذا الارتياب الرسمي من علم الاجتماع دفع الخطيبي إلى استبدال ممارسة علم الاجتماع النظري بالتقاط علاماته في حياة الناس أنفسهم، في سلوكياتهم، وفي تفاعلاتهم اليومية مع قوى القمع التي تؤثر في المجتمع بصورة غير مباشرة، وقد أثّرت في تطوّره الخاص.

 دعوة إلى معرفة التراث وضبط تاريخه من غير السقوط في سجونه

كما يعرض الكتاب، في مجمل مقالاته، مشروعَ الخطيبي الفكري من زاوية دعوته وتبنيه مقولة "النقد المزدوج"، وهو نقد ينصبّ على الثقافتَين العربية والغربية، في محاولة لتحويل العلاقة مع الغرب من تبعية أو رفض إلى حوار وقراءة من المنظور العربي، ولا سيّما الحوار مع التيارات الثورية في الغرب التي رآها ضرورة لتفكيك الأرضية الاجتماعية والطبقية في العالم العربي، مثل فلسفة دريدا ولاكان، كما وقف الخطيبي موقفاً نقدياً من أطروحات الهوية الثابتة الوحدوية التي يتغنّى بها الخطاب العربي، مثل دعوات العودة المطلقة إلى التراث. 
في المقابل، نجد في مشروعه دعوة إلى معرفة التراث وضبط تاريخه ومضامينه من غير السقوط في سجونه. 

وفي مشروعه أيضاً، لا يسعى الخطيبي، في نقده مركزية الغرب، إلى استبدالها بمركزية الشرق، إنما يوجّه نقده إلى كل مركزية، وإلى كل تخندق خلف "هوية عمياء". وقد تحرّك فكر الخطيبي داخل فضاءات تنسج الهوية بوصفها ممارسة للاختلاف، إلى جانب الاستمرار في قراءة الثنائيات وصولاً إلى تقويضها، ليحلّ التعدّد محلّ التقابلات الثنائية، على قاعدة أن "كل ذات متأثرة بالآخر، وكل آخر فاعل في بناء الذات"، ووفق مقولة مفادها استحالة وجود فواصل بين الأنا والآخر. 

يجمع الكتاب، الذي يقع في 160 صفحة، مقالاتِ الباحثين: حيدر الحاج، ومحمد معطسيم، ومزاد الخطيبي، ومصطفى خلال، ومصطفى محسن، ونور الدين الزاهي، ووسيلة مجاهد، وهو من تنسيق وإشراف مراد الخطيبي، وبوشعيب الساوري، وعبد القادر سبيل.

المساهمون