حملة ضد الفنانة كانديس برايتس.. ماذا يعني أن تكون يهودياً في ألمانيا؟

31 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 07:03 (توقيت القدس)
كانديس برايتس في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي 2009 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعرضت كانديس برايتس لانتقادات بسبب ارتدائها زي يهودي أرثوذكسي في معرض ببرلين، حيث ربطت الصحف ذلك بمواقفها المناهضة للسياسات الإسرائيلية، متجاهلة أن ارتداءها للزي كان جزءًا من مشروع مسرحي.
- في عمله "إغراق ألمانيا"، استخدم شلينجينسيف الهوية اليهودية كقناع، مما أثار تساؤلات برايتس حول تفكيك الماضي الاستعماري والفاشي لألمانيا.
- تدعو برايتس إلى جلسات حوارية مع الأعمال الفنية لتوضيح السياق التاريخي، مشيرة إلى العلاقة المضطربة بين ألمانيا واليهودية وتأثير اليهود الليبراليين المناهضين للصهيونية.

تتوالى حملات الصحف الألمانية في مهاجمة الفنانة الجنوب أفريقية كانديس برايتس، المقيمة والناشطة في برلين، على خلفية ظهورها بلباس يهودي أرثوذكسي مخصص للرجال، خلال لقاء أجرته في المعرض الوطني ببرلين. ويأتي هذا الهجوم في سياق معروف عن برايتس، لمواقفها الحازمة في الدفاع عن الفلسطينيين، ورفع الصوت بشأن ما تصفه بـ"حرب الإبادة في غزة". وقد سعت هذه الصحف إلى الربط بين ظهور الفنانة بهذا الزي ومواقفها المناهضة للسياسات الإسرائيلية.

كتّاب هذه الصحف لا يعيرون اهتماماً لطبيعة العمل الفني الذي تقدّمه برايتس أو شكله، ولا لغيرها ممن أعلن تضامنه مع الفلسطينيين؛ إذ يُنظر إليهم من قِبل هؤلاء الكتّاب بوصفهم "معادين لإسرائيل"، فلا تُكتب عنهم تغطيات إلا في سياق التشهير بهم وبالمؤسسات التي لا تزال تحتفظ بهامش ضئيل من الحرية يسمح بعرض أعمالهم واستضافتهم. 

وقد لفتت صحيفة فرانكفورتر ألغيماينه إلى أن "برايتس، بعد 7 أكتوبر 2023، تخلّت عن ممارستها الفنية، واستبدلتها بكلمات لاذعة استخدمتها عبر الإنترنت وفي الفضاء العام لمهاجمة إسرائيل والدولة الألمانية التي تعتبرها 'دكتاتورية بالقدر نفسه'".

وقد تجاهلت هذه الصحف عمداً أمرين أساسيين: أولاً، أنَّ الفنانة يهودية الأصل؛ وثانياً، أن ارتداءها لهذا الزي يأتي ضمن مشروع عمل مسرحي لا يزال قيد التحضير. والأهم من ذلك هو إنكارها لما أوضحته برايتس في مستهل اللقاء، حيث صرّحت بأنها لا ترتدي زي اليهود الأرثوذكس ارتداءً اعتيادياً، بل تلعب دور شخصية الفنان الألماني كريستوف شلينجينسيف في عمله "إغراق ألمانيا" (1999)، الذي يعاد عرضه حالياً في المعرض الوطني. وتهدف من خلال ذلك إلى لفت الانتباه إلى إشكالية استخدام بعض الفنانين الألمان للهوية اليهودية قناعاً في أعمالهم الفنية.

في عام 1999، دعا متحف الفن الحديث الأميركي المخرج الألماني كريستوف شلينجينسيف (1960–2010) إلى نيويورك، حيث أخرج عرضاً بعنوان "إغراق ألمانيا" عند تمثال الحرية. وقد اختار عمداً تاريخ 9 نوفمبر/تشرين الثاني، لإحياء ذكرى أحداث مفصلية في التاريخ الألماني، مثل "ليلة البلور" (1938)، وسقوط جدار برلين عام 1989.

تطرح تساؤلات حول عبء تفكيك الماضي الاستعماري لألمانيا

وفي ذلك العرض، قام شلينجينسيف بأداء طقوسي ركع فيه أمام تمثال الحرية، مستعيداً بذلك مشهد ركوع المستشار الألماني الأسبق فيلي برانت في وارسو بعد الحرب العالمية الثانية، ثم ألقى في نهر هدسون وعاءً يحتوي على "رماد ألمانيا الرمزي"، وحقيبة تضم 99 قطعة من الأدوات اليومية الألمانية، ليُعلن بذلك "نهاية ألمانيا" الرمزية قبل دخول الألفية الجديدة.

برايتس، من جانبها، تصرّح بأنها ترحّب بفكرة "إسقاط ألمانيا القديمة في النهر"، وتثمِّن عمل شلينجينسيف في تقصّي التاريخ الاستعماري لألمانيا، خصوصاً أنه اختتم تلك السلسلة من الأعمال في ناميبيا، فوق أنقاض المستعمرات الألمانية هناك. لكنها في الوقت ذاته تتساءل: "من الغريب أن شلينجينسيف شعر بالحاجة إلى ارتداء الهوية اليهودية بوصفه زيّاً تنكّرياً لإنجاز هذه المهمة. فهل يتعيّن حقاً على الأكتاف اليهودية تحمّل عبء تفكيك الماضي الفاشي والاستعماري لألمانيا؟".

تحاول برايتس الغوص في هذا السؤال من خلال عملها المقبل، "صورة ذاتية لكريستوف شلينجينسيف"، لكنها لم تجد بداً من الإسراع في طرح القضية بشكل مباشر و"استفزازي" على حد تعبيرها، ولا سيما مع إعادة عرض فيديو "إغراق ألمانيا" حالياً في المعرض الوطني. وهي بذلك تطرح سؤالاً إضافياً: إلى أي مدى يوجد وعي في ألمانيا 2025 بفداحة ارتداء ثقافات الآخرين بوصفها أزياءً تنكرية؟

وتؤكد برايتس أنها لا تدعو إلى منع عرض العمل الفني الذي تتفق مع أغلب ما جاء فيه، لكنها ترى ضرورة مرافقة هذه الأعمال بجلسات حوارية ونقدية تتناول السياق التاريخي والمعاصر لإشكالياتها. ولا تُخفي برايتس استغرابها من دعوتها إلى الحديث في ندوة بعنوان "هويات عابرة" حول كيفية تشكل الهويات في المجتمعات الحديثة، في الوقت الذي يُعرض فيه عمل شلينجينسيف من دون أي توضيح أو تعليق توضيحي بجانبه. وترى أن هذا التناقض يكشف عن العلاقة المضطربة بين ألمانيا واليهودية، وأن سؤال: ماذا يعني أن تكون يهودياً في ألمانيا؟" لا يزال مصدراً للتوتر والارتباك حتى اليوم.

هذه الفكرة سبق أن تناولتها الكاتبة اليهودية ديبوراه فيلدمان، المقيمة في برلين منذ أكثر من عشر سنوات، في كتابها المثير للجدل "الولع باليهود" (2024)، حيث وصفت نظرة شريحة من الألمان إلى اليهودية بوصفها "مصدراً للولع"، تُجسّد فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي ما يعتبره الغرب التكفير الأمثل عن ماضيه النازي. لكن وجود يهود ليبراليين، مناهضين للصهيونية والاحتلال، يربك هذا الخطاب ويزعزعه. وهذا تحديداً ما أكّدته كانديس برايتس في منشور على صفحتها، تعليقاً على ردات الفعل الغاضبة من الصحافة الألمانية على مواقفها الأخيرة.