تكايا أم درمان.. مسرحٌ في انتظار انتهاء الحرب

21 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 03:03 (توقيت القدس)
من عروض مبادرة "صالون فلاح" في إحدى تكايا حي الثورة بأم درمان (مازن الرشيد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التكايا كمساحات ثقافية واجتماعية: تحولت التكايا في أم درمان إلى فضاءات ثقافية واجتماعية تجمع الناس من مختلف الطبقات لتبادل الطعام والثقافة، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويعيد إحياء التراث الثقافي.

- الفن كوسيلة للمقاومة والتعبير: أصبحت جلسات المسرح الارتجالي والغناء في التكايا أدوات لفهم الواقع وتفكيكه، مما يعكس هموم الناس اليومية ويعيد صياغة السردية الجماعية.

- الإبداع في ظل القيود: رغم نقص الإمكانيات، أفرزت التكايا أشكالًا جديدة من التعبير الفني، حيث تعبر الأغاني والمسرحيات عن المأساة بطرق متنوعة وفعالة.

ليست أم درمان مدينةً بالمعنى التقليدي، بل هي حالة شعورية، تجربة يعيشها من يسكنها أو يمر بها، ولا ينفصل فيها الفن عن الحياة، ولا تُختزل الثقافة في قاعات مغلقة، بل تتجسد في الشارع، في البيوت، في حلقات الذكر، وفي حكايات تُروى عند الغروب. لكن الحرب، ذلك الوحش الذي لا يعرف سوى لغة الدمار، حوَّلت أم درمان إلى ساحة للخراب. منذ انفجار المواجهات في إبريل/ نيسان 2023، يبحث الناس عن كسرة خبز تدفع الجوع، وعن كلمة أمل تدفع اليأس، ظهرت التكايا الصوفية واحات صمود، لم تكن مجرد أماكن لتوزيع الطعام، بل تحولت إلى فضاءات ثقافية. 


من الطعام إلى مائدة الثقافة 

نشأت التكايا في الأصل استجابةً لحتمية الجوع. ومع الأحداث الأخيرة حيث النزوح الجماعي وتفكك الأسر، وجدت مجموعات صغيرة نفسها تتشارك ما تبقى من طعام، لكن سرعان ما تحولت هذه الدوائر الصغيرة إلى ظاهرة ثقافية معقدة، فبينما يقوم البعض بإعداد الوجبات، يبدأ آخرون في ترديد الأغاني، يعزفون على ما تبقى من آلات موسيقية، أو يروون حكايات من زمن لم يعد موجوداً. هكذا، يصبح الطعام والثقافة وجهين لعملة واحدة: الأول يُبقي الجسد حياً، والثاني يُبقي الذاكرة مشتعلة.

في هذه المساحات، تذوب الفوارق الطبقية؛ الطبيب والمعلم والعامل والنازح، جميعهم يجلسون على نفس الأرض، يأكلون من نفس الصحون، ويشاركون في نفس الأغاني. ليست هذه مجرد صورة رومانسية، بل إحياء لنموذج "الجماعة" الذي ميّز المجتمع السوداني لقرون. لكن الأكثر إثارة هو كيف تحولت هذه التكايا إلى ورش إبداعية، فمع انشغال النساء بتحضير الطعام، يبدأ الرجال، وأحياناً الأطفال، في تشكيل فرق موسيقية عابرة. آلات بسيطة مثل الجِرَاب (الطبل التقليدي) أو الدلوكة (الهاون المعدني) تصبح أدوات عزف. الأغاني التي تُردَّد ليست مجرد تسلية، بل هي طقوس مقاومة من أغاني الحنين إلى الغائبين، وأغاني السخرية من الوضع، وأغانٍ تذكر بأيام السّلام. كل كلمة، كل نغمة، هي محاولة لاستعادة شيء من الإنسانية في زمن يحاول الحرب سلبها.


عندما يصبح الفن ضرورةً 

في إحدى تكايا حي الثورة بالمدينة، تحولت جلسات المسرح الارتجالي إلى ظاهرة لافتة، إذ بدأت مجموعة من الشباب، بعضهم من طلاب المعاهد الفنية قبل الحرب، بتقديم عروض مسرحية بسيطة. نصوص تُكتب جماعياً، وتعكس هموم الناس اليومية: صعوبة الحصول على الماء، والخوف من القصف، وحكايات النزوح. ليست هذه العروض محترفة، بل هي عفوية، تقدم في ساحة التكية، بدون ديكور، بدون إضاءة، فقط أجساد الممثلين وأصواتهم.   

بدأت مجموعة من طلاب المعاهد الفنية بتقديم عروض مسرحية

في لحظة يشعر فيها الناس بالعجز، يصبح المسرح وسيلة لإعادة بعض السيطرة على السردية. فبدلاً من أن يكونوا مجرد ضحايا، يصبحون مشاركين في سرد حكايتهم. أحد العروض، الذي كان يروي قصة نزوح عائلة، انتهت ببكاء الجمهور، ليس من الحزن، بل من الارتياح لأن أحداً أخيراً قال ما يعيشونه. الفن هنا لم يكن هروباً من الواقع، بل أداة لفهمه، لتفكيكه، ولإعادة تشكيله. في تكية أخرى، بأحياء كرري أصبحت جلسات الغناء اليومية أرشيفاً شفوياً. النساء، وهنّ يَقُمْن بتحضير الوجبات، يرددن أغانيَ من الزمن القديم. أغاني المطربين السودانيين محمد وردي، ومحمد الأمين، وغيرها الأغاني الشعبية. لكن مع الوقت، بدأن يُضفن كلمات جديدة، تعكس الواقع الجديد، فتحولت إحدى الأغاني، التي كانت في الأصل تدور حول الحب والغزل، إلى أغنية عن الانتظار: انتظار انتهاء الحرب، انتظار عودة الأبناء، انتظار أي خبر سار.

هذه الأغاني لم تكن مجرد تعبير عن الحنين، بل كانت وسيلة أيضاً للحفاظ على الهوية. ففي زمن تحاول فيه الحرب تفتيت المجتمع، تصبح الثقافة وسيلةً للتمسّك بالذات الجماعية، كما أن هذه الممارسات أفرزت مواهب جديدة. نساء في الخمسينيات من عمرهنّ اكتشفن أنهنّ يمتلكن صوتاً جميلاً، شباب لم يغنوا من قبل وجدوا في التكايا مساحة آمنة للتجريب.


جدلية الدمار والخلق 

في حالة التكايا، ولّد الضغط الشديد أشكالاً جديدة من التعبير، ولم تقتل المحدودية في الإمكانيات (نقص الآلات، انقطاع الكهرباء، عدم وجود مسارح) الإبداع، بل دفعت إلى ابتكار أشكال بديلة. الأغنية، على سبيل المثال، لم تعد تحتاج إلى استوديو أو عازفين محترفين. كلمات بسيطة، ولحن مألوف، وآلة أو اثنتين تكفي. المسرح لم يعد بحاجة إلى خشبة أو إضاءة، فساحة التكية تصبح مسرحاً، وأضواء الهواتف المحمولة تكفي للإضاءة. هذا الاضطرار إلى البساطة أعاد الفن إلى جذوره، إلى ما كان عليه قبل أن يصبح صناعةً معقّدة.

كما أن الحرب، رغم فظاعتها، أصبحت مادة خاماً للإبداع؛ فالكلمات التي تُغنى، والحكايات التي تُروى، والنكات التي تنتشر، جميعها تعكس الواقع بطرق مختلفة. هناك أغانٍ تحكي المأساة مباشرةً، وأخرى تستخدم السخرية السوداء، وثالثة تختار التلميح بدلاً من التصريح. هذا التنوع في الأساليب يظهر كيف أنّ الفن يستطيع أن يتعامل مع المأساة بدون أن يَسقُط في الخطابية أو العاطفية الزائدة.