باسم خندقجي (4): أن ترقص في السجن

30 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:58 (توقيت القدس)
باسم خندقحي في مكتبة تنمية بالقاهرة (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني الأسرى الفلسطينيون من ظروف قاسية في السجون، حيث يُحرمون من حقوقهم الأساسية ويُجبرون على البقاء في زنازين ضيقة بسبب القيود الشديدة، مما يزيد من معاناتهم في ظل حرارة الصيف.
- تُفرض قيود صارمة على الأسرى أثناء الفسحة في ساحة الفورة، حيث يُمنعون من التوقف أو التحدث ويُجبرون على التحرك داخل خط أصفر، مما يعكس محاولات السيطرة النفسية والجسدية عليهم.
- تحدى أحد الأسرى السجانين بالدوس على الخط الأصفر والرقص عليه، مما أثار غضبهم وأدى إلى تدخل قوات القمع، لكنه ألهم زملاءه وأظهر قوة الإرادة والصمود.

يوم حزيراني حزين آخر حدد ملامحه قيظ ناري كما لو أنه سياط تجلد بلهبها مساحة السجن ووقت ظهيرته الحديدية. وقتٌ ساكن خالٍ من المعنى لم يتخلل سكينته المشبعة بالحر الشديد، سوى هدير الطائرات الحربية التي اخترقت سماء السجن في طريقها لصب جامّ حقدها الصاروخي على غزّة. الأسرى في زنازينهم التي تحيط بساحة السجن الصغيرة، وتعد بمثابة الحيز المكاني الصغير والمقيد بكل سياسات التنكيل والإهانة وتضييق الخناق عليهم، وهم الذين حرموا في أوج عدوان الإبادة الجماعية منذ السابع من أكتوبر 2023، من جميع حقوقهم وإنجازاتهم التي انتزعوها من بين أنياب السجان، من خلال نضالاتهم وإضراباتهم الطويلة عن الطعام. ومن أهم تلك الإنجازات بضع ساعات من الفسحة والتجول في ساحة السجن الصغيرة، والتي تسمى بلغة الأسرى "ساحة الفورة". 

هذا الحيز المستطيل الصغير والضيق الممدد على حزيران الجهنمي، كان خالياً من الأسرى الذين حُشروا في زنازينهم دون أدنى قدرة على الحركة أو الخروج إلى ساحة الفورة، ومنهم من كان يقف على باب الزنزانة بحثاً عن نسمة هواء تخفف من شدة الحرارة التي أحالت الزنزانة إلى صهريج ساخن يكاد ينفجر بمن فيه من أجساد مستنزفة ومرهقة، وإذا ما رأى السجان أحد أولئك الأسرى وهو متشبث بنافذة الزنزانة، كان ينهره ويشتمه عبر مكبر الصوت الذي يقلب الصوت الإنساني إلى صوت معدني أجش وبارد مطالباً إياه بالعودة إلى الخلف، إلى أعماق الزنزانة، وعدم الوقوف على الباب مهدداً ومتوعداً بإنزال أشد العقوبات قسوة بحق الأسرى، ليتقهقر الأسير بالنهاية إلى الوراء، خشية أن يقوم السجان باتخاذ اقترابه من الباب ذريعة واهية كي يعتدي ويقمع من خلالها بقية الأسرى.

يلوذ الأسير بصمتٍ خانق يُعبّر من خلاله عن مدى عجزه وعدم قدرته على مقارعة وتحدي السجان. فآلة القمع هولها شديد وقمعها رهيب لا يعرف حدوداً هذه المرة، ولينتظر تلك اللحظة التي سيسمح بها السجان للأسرى بأن يخرجوا من زنازينهم لكي يتجولوا في ساحة الفورة عدة دقائق، إلى أن حلّت اللحظة التي انبعث فيها صوت السجان المعدني صارخاً ومخاطباً الأسرى بأرقام زنازينهم:
زنزانة واحد وثلاث وخمس هيا اخرجوا إلى الفورة معكم 10 دقائق فقط. ثم فُتحت أبواب الزنازين كهربائياً عن بعد، وعبر صوت التنبيه المميز للباب الحديدي الثقيل جاء الإذن بفسحة ضيقة للأجساد المنهكة والمحترقة قيظاً، لتنعتق دقائق من صهاريج القتل البطيء.

يلوذ الأسير بصمتٍ خانق يُعبّر من خلاله عن مدى عجزه

لساحة الفورة شروطها ومحدداتها، من أهمها عدم وقوف أو توقف الأسرى عن الحركة والدوران بحسب عقارب الساعة، وألا ينادوا أو يتحدثوا مع رفاقهم الأسرى الآخرين المحشورين في زنازينهم والذين لم يتسن لهم الخروج إلى الساحة، وأما المحدد الأقصى والأشد تنكيلاً هو ذلك الخط الأصفر المستطيل الشكل، الذي رسمه وحدده السجان في ساحة الفورة لكي يتجول الأسرى داخله، وفي حال تجاوزه أحد الأسرى أو داس عليه فتلك طامة كبرى ربما تكلفه حياته، ففي هذا الحيز المستطيل الأصفر يتحدد المكان والزمان اللذان سيمارس من خلالهما السجان عبر مكبر صوت يختبئ وراءه داخل غرفة تحكم يراقب من خلالها الأسرى دون أن يرونه هم، جميع أشكال وإجراءات اختراقه للأسرى جسدياً ونفسياً وزمانياً ومكانياً، في سعي منه لزج الخط الأصفر داخل وعي الأسير الفلسطيني، خط يحد من إمكانيات هذا الأخير وقدرته على الصمود والتفكير بأولويات بقائه وإرادته. 

ولا تعدو الفسحة الممنوحة للأسرى عدة دقائق فرصة للتخفيف من معاناتهم والقيظ الاستعماري الشديد، بل هي بالأحرى فرصة للسجان من أجل تطبيق سياسات القتل المبتكرة بحق الأسرى، ليشعر الأسير في بعض اللحظات بأن ثمة تسلية ما يمارسها السجان لتزجية وقته وقتل الملل داخل غرفة التحكّم. تسلية مريضة بالأسرى وأجسادهم وأرواحهم وحراكهم، لا بل إن السجان يقوم أيضاً بممارسة لعبة الرهانات والتحديات مع زملائه السجانين الآخرين؛ من يقوى على التنكيل أكثر من الآخر بالأسرى، لتبدأ الأصوات المعدنية باختراق حيز الفورة الضيق، أصوات الشتائم والتهديد بالعقوبات، وبدء العد التنازلي لانتهاء وقت الفورة، وإلقاء سلسلة من الأوامر على الأسرى الهدف منها انتهاك إنسانيتهم، كإجبار الأسير على الركوع على الأرض داخل المستطيل الأصفر، وأن يضع يديه خلف ظهره، لكي تجلده الشمس بسياطها، بعد أن تجرأ على المساس بالخط الأصفر. 

في ذلك اليوم الحزيراني المعبّأ بكل أهوال العنصرية والفاشية الصهيونية، داس أحد الأسرى على الخط الأصفر من الجهة التي تعد أقرب الجهات لغرفة التحكم، مما دعا السجان الموجود فيها إلى الصراخ والزعيق بصوت حاد وأجش شاتماً الأسير، مهدداً بأنه سيُنزل به أشد العقوبات، فما كان رد الأسير سوى الدوس أكثر على الخط الأصفر، لا بل الرقص كما لو كان يرقص الدبكة الشعبية الفلسطينية. داس أكثر وأكثر وهو يحدق ناحية غرفة التحكم ليخترق نافذتها بعينيه المفعمتين بالتحدي والغضب، مربكاً سجانه الذي صعّد من لهجته وصراخه واستحال زعيقاً حاداً: ستدفع الثمن لقد دست على الخط الأصفر، ستدفع الثمن أيها المخرب. 

لم يستجب السجين لأوامر السجان. أما السجناء الآخرون المتجولون في ساحة الفورة، فشعروا بالارتباك والحيرة، وأن الأسير الراقص فوق الخط الأصفر سيقحمهم في حملة تنكيل وقمع جماعي رهيبة، ستحل عليهم بعد قليل، ومنهم من طالبه بالابتعاد عن الخط الأصفر حفاظاً على حياته وجسده من الهراوات التي قد تنهال عليه بعض لحظات، إلا أنه طالبهم بالعودة إلى الخلف بلهجة حازمة وثابتة، قائلاً لهم بأنه وحده من يتحمل مسؤولية الدوس والإساءة للخط الأصفر الاستعماري. 

وما هي إلا لحظات حتى دوت صفارات الإنذار والاستنفار في السجن، وطالب الصوت المعدني الصهيوني قوات القمع كافة بضرورة التوجه إلى القسم الذي تجرّأ فيه أسير فلسطيني منهك ومتعوس على الدوس والمساس بالخط الأصفر، وكان ثمة بوابة حديدية مسيجة بالأسلاك الشائكة تفصل ساحة الفورة عن الممر الذي أقبلت منه قوة القمع، وعلى رأسها ضابط مقنع مدجج بهراوته ودرعه الحامي وقنابله الصوتية والغازية، صرخ بالأسير لينهاه عن الرقص فوق الخط الاصفر، إلا أن الأسير كان يزداد نشوة، ويمعن أكثر في دبكته المقاومة، كما لو أن مساً أصابه مما أربك الضابط وجعله يعجز للحظات عن التفكير وتوجيه أمر لقوته باقتحام ساحة الفورة، هو الذي كان يواجه الأسير من وراء قناعه ودرعه وبوابته الحديدية، يواجه أسيراً مرهقاً ونحيلاً ومتعباً ومستعداً لتلقي الهراوات واللكمات، وهذا ما حدث بالفعل، إذ اقتحمت قوة القمع الساحة، واعتدت على الأسير بوحشية لم تطغ على صوت ما انبعث منه، صوت دبكة شعبية فلسطينية.

لا بل إن آخر ما سمعه الأسرى الآخرون من الأسير الذي اقتادوه إلى مصير مجهول، بعد أن أشبعوه لكماً وتعذيباً، هو صوت ضحكة صاخبة، ضحكة انبعثت منه وهو الذي انتهك خطوط سجانه الصفراء والحمراء كافة، ولم ولن يسمح لها بأن تحد من رقصة تحديه وإرادته وحريته الموعودة.

*روائي فلسطيني
 

آداب
التحديثات الحية