استمع إلى الملخص
- رغم الظروف الصعبة، يحافظ الأسرى على إنسانيتهم من خلال مواساة بعضهم وترديد الأغاني، مما يحول الرحلة إلى خلوة روحية يستمدون منها القوة والأمل في الحرية.
- يصل الأسرى إلى وجهتهم مرهقين لكن غير مهزومين، بينما يعيش السجان في دوامة الكراهية، ويظل الأسير متمسكًا بالصمود والإيمان، مما يبرز الفرق بين حياتهم.
صرخ السجان بصوته المعدني الخالي من أي إنسانية قد تشي بأن ثمّة صباحاً يلوح في أفق يوم من أيام الأسير الفلسطيني في سجون الاستعمار الصهيوني، صرخ في الوجوه الشاحبة والمنهكة من الجوع والبرد: استعدّوا أيتها البهائم البشرية لكي تصعدوا إلى "البوسطة".
بضعة أسرى محشورون في زنزانة ضيقة ومقيّدون من أيديهم وأرجلهم، قرّر السجان في لحظة منزوعة الإنسانية أنهم بهائم بشرية، هكذا أباد هويتهم وملامح وجوههم التي تشبه ملامحه هو، لكي ينأى بضميره الغائب عن وعي الأخلاق عذابات أولئك الذين سيقتادهم نحو البوسطة في طريقهم إما لينقلوا إلى سجن آخر، أو إلى المحكمة العسكرية.
وأما البوسطة فهي تلك الحافلة التي إذا ما رآها المارون والعابرون من جانبها سيجدونها حافلة سياحية فاخرة، ولربما سيحسدون المسافرين بها من ركاب وسياح، غير أنهم لو أُتيحت لهم فرصة الصعود إليها لفرّوا فزعين من قسوة الحديد والقيود والعتمة في داخلها، إذ هي البوسطة، هكذا يسمونها بالعبرية الصهيونية، ولو أن فيروز الصباحية البهية علمت بذلك لما غنّت أغنيتها الشهيرة "عهدير البوسطة"، والتي يقوم الأسرى الفلسطينيون غالباً بغنائها وترديدها في رحلة العذاب في دروب العالم الصهيوني الكولونيالي، رغم فظاعة المقاعد الحديدية والقيود والنوافذ المغلقة والمسدودة بالصفيح التي تتخلّله ثقوب صغيرة لا تكاد تكفي لسد لهفة عين الأسير لكي يرى العالم منها وبلاده المستعمَرة.
لتبدأ الرحلة، رحلة العذاب والمعاناة بعد أن يتلقّى الأسرى بطبيعة الحال المتوحش للسجانين سيلاً من اللكمات والشتائم قبيل صعودهم لأخذ مقاعدهم الحديدية، حيث يشرع الأسرى في مواساة وتفقد بعضهم البعض، وإذا ما أصيب أحدهم بإصابة بالغة أو رضوض مؤلمة، بلى ليسوا بهائم أولئك الذين يؤازرون بعضهم البعض ويغنّون فيروز رغم الألم، ليسوا بهائم أولئك الذين يسترقون النظر من الثقب الصغير لنافذة البوسطة، محدّقين في بلادهم وأرضهم المسلوبة والمغتصَبة، وفي كل تحديقة يقترب الأسير المنهك من الضرب والجوع والبرد الحديدي ويدنو من حريّته المشتهاة، حيث ينعتق من زمن البوسطة وآلامها ومن مسرب يخترق زمن المستعمِر ويوميات واقعه الذي لا يتوخّى فيه سوى السيطرة واحتجاز زمن الفلسطيني الأسير بأي ثمن، ليحلق عبر التحديقة نحو هويته وأمنياته الإنسانية بحرية قريبة وأرض حرة ويانعة وأكيدة.
والطريق من سجن إلى آخر طويل وبعيد، حيث تبدأ رحلة نقل الأجساد المنهكة والمنتهكَة، في ساعات الصباح الأولى، لينتهي درب الآلام في ساعات الليل المتأخرة، وقد نال الحديد وكل ما يكفل التنكيل الكولونيالي من الأسرى الذين يصلون إلى عالم اعتقالي ليس لهم، مرهقين ولكنهم سالمين من اليأس والخيبة، فما بين تلك الساعات الطويلة التي يقضونها بالبوسطة، يقومون بصد زمن السجان الشائك عبر التحديق، والأهم عبر السعي باستدراج الذاكرة، ذاكرة كل إنسان منهم، لتعجّ البوسطة بالذكريات وليس الأجساد الأسيرة فحسب، ويشرع الأسير في السمو والتجلي في عالم مزدان بتفاصيل أحبّته هناك، هناك وراء البوسطة والأسوار والأسلاك الشائكة، وكأنّ البوسطة تستحيل خلوة روحية تستغرق ساعات عدة من الصفاء وشحذ الهمم وإقناع الجسد بقدرته على الصمود حتى الرمق الأخير، لا، لا يظل الحديد حديداً في تلك الساعات بل يصير حريراً، لا بل بساط الريح السحري، الذي يحلق بالأسير الذي استعاد إنسانيته نحو عالم مفارق ومغاير، لا مكان فيه لعنصرية السجان وهوسه المريض بالسيطرة، عالم لا بهائم فيه، فكيف سيقوى السجان على الإنسان داخل الأسير؟ ليبزغ التساؤل من الوجع؛ من هو المحشور حقاً داخل زمن البوسطة أهو السجين أم السجان؟
هو المقيد والمؤبد والمعذب والمقحم في حافلة حديدية رغماً عنه، أم ذلك الآخر الذي يمتلك خيار عدم الصعود الى الحافلة والبحث عن معنى آخر للحياة سوى التنكيل والتعذيب والأسر؟ ومن يسجن من!
كأنّ البوسطة تستحيل خلوةً روحيةً تستغرق ساعات عدة من الصفاء
إذ تكمن الإجابة في تلك الابتسامة الباهتة على وجه الأسير الفلسطيني حين يصل ليلاً إلى سجن آخر، ابتسامة انتصار على سجانه الذي يصل معه مرهقاً هو الآخر، غير أن تعبه وإرهاقه لا معنى لهما وبلا جدوى، بل هي تفاهة شرّه تستحوذ عليه وتستنزفه لتفوح رائحة صدأ الحديد منه، من قلبه وروحه أثناء عودته إلى بيت اغتصبه من أسيره، والبيت ينقلب سجناً في هذه الحالة للسجان المستعمر، بينما يغدو بيت الفلسطيني الأسير في داخله أينما حل، بيت مؤثث من الصمود والتضحية والإيمان والإنسانية، بيت يرحل منه وإليه، بيته في الطريق، في البوسطة، في السجن، ولكن السجن ليس في بيته، هنا الفرق الصارخ بالأمل والحياة عندما يتحوّل بيت السجان إلى سجن وسجن الأسير إلى بيت مؤقت شيّده من زمنه الخاص وآماله وأحلامه.
هي رحلة "عهدير البوسطة" يُجبر الأسير الفلسطيني عليها في عالم الغربة الحديدية، ولكنها رحلة إلى الحياة، وعبور من عالم مثقل بإجراءات تفكيك الإنسانية إلى عالم طوباوي ضبط الأسير زمنه الخاص فيه على إيقاع الحرية وترانيم فيروز الساحرة، متحرراً من نيّات السجان الرامية نحو كسر إرادته وصموده وأمله.
* روائي فلسطيني