استمع إلى الملخص
- يفتقر السوق إلى آليات فعالة لتوثيق الأعمال الفنية، مما يعقد عمليات البيع والشراء ويؤدي إلى "المجازفة البصرية"، حيث تلعب صالات العرض دورًا أكبر من المتاحف في تشكيل الأسماء الفنية.
- ثقافة اقتناء الأعمال الفنية محدودة والنقد الفني لا يواكب الإنتاج، لكن المشهد الثقافي يشهد حركية متزايدة بفضل مبادرات الفنانين الشباب وشبكات التواصل الاجتماعي.
يتميز سوق الفن التشكيلي في المغرب بجمعه بين سمات البدايات ومظاهر النضج، دون أن يحسم بعد موقعه مقارنة بأسواق فنية عربية أخرى أكثر استقراراً وتنظيماً. ففي لحظات معينة، يبدو السوق المغربي وكأنه فضاء نخبوي تُديره دُور المزادات الكبرى، بينما يتحول في لحظات أُخرى إلى مساحة مفتوحة للجميع، يسودها الغموض وتغلب عليها النزعة الفردية في التثمين والعرض. وحين نتحدث عن سوق الفن التشكيلي في المغرب، فإننا لا نتحدث فقط عن عمليات بيع وشراء، بل عن شبكة معقدة من العلاقات، والأذواق، والسياسات الثقافية، والأوهام المشتركة.
قدّرت المعاملات الرسمية في السوق الفنية المغربية سنة 2015 بحوالي 600 مليون درهم (ما يناهز 66 مليون دولار)، في حين يُقدَّر حجم السوق الموازية بما يزيد عن 200 مليون درهم (ما يقارب 22 مليون دولار)، حسب بعض التقارير. غير أن هذه الأرقام تبقى مجرّد تقديرات وتخمينات، لا تستند إلى بحوث استقصائية رصينة، بسبب غياب المعطيات الدقيقة والإحصاءات الميدانية، وصعوبة الوصول إليها.
ويأتي ذلك في ظل قلّة عدد المُقتنين والجامعين مقارنة بعدد الفنانين المكرَّسين والمحترفين، الذين يقارب عددهم 2000 فنان ممارس. ومع ذلك، لا توجد قوانين واضحة تضبط المعايير، ولا مؤسسات تضطلع بدور مركزي في تقييم الأعمال وحمايتها من التزييف أو التضليل البصري أو التسويقي. إذ لا يتوفر المغرب على آليات أو مؤسسة علمية قادرة على التحقق من أصالة الأعمال الفنية، رغم تزايد شكاوى عدد من الفاعلين في السوق من انتشار الأعمال الزائفة بين المقتنين.
غياب آليات فعالة لتوثيق الأعمال الفنية والمنتوجات الثقافية
ورغم بعض المحاولات القانونية التي أطلقتها الدولة والوزارة المعنية بالشأن الثقافي والفني، فإنها تظل محدودة وغير حازمة بما يكفي لوقف النزيف المالي ومواجهة غياب الرقابة والتتبع الدقيق لعمليات البيع والشراء. ويزداد هذا الإشكال تعقيداَ مع غياب آليات فعالة لتوثيق الأعمال الفنية والمنتوجات الثقافية، التي تُدرجها السلطات - كلما أراد الفنان إخراجها من البلاد، رغم كونه مالكها - ضمن "التراث الثقافي والحضاري الوطني".
غياب مؤسسات كبرى تنظم المجال
ويُلاحظ غياب مجلس وطني مختص بتنظيم هذا المجال، كما لا توجد آليات مؤسسية تضمن الشفافية في عمليات البيع والاقتناء، ما يفتح الباب أمام ما يمكن تسميته بـ"المجازفة البصرية"، حيث تتحول الأعمال الفنية إلى سلع خاضعة لمنطق السوق، دون إحاطة نقدية جادة أو سياق معرفي واضح. في مثل هذا المناخ، تتراجع القيمة الجمالية والثقافية للعمل الفني، وتُختزل غالبًا في قيمته التجارية، التي ترتبط باسم الفنان أو مكان عرضه أو الجهة الراعية له.
وفي ظل غياب مؤسسات أكاديمية متخصصة (إذ لا يتوفر المغرب، إلى اليوم، على جامعة للفنون)، تلعب صالات العرض دورًا أكبر من المتاحف أو المؤسسات العلمية. هذه الصالات، المتركزة خصوصًا في الرباط والدار البيضاء ومراكش، تؤدي في كثير من الأحيان وظائف الناشر والناقد والخبير والوسيط، بل وتتدخل في تشكيل الأسماء الفنية وتدويرها. أحيانًا، تنجح هذه الصالات في إبراز مواهب حقيقية، لكنها في أحيان أخرى تُسهم في ترسيخ "نجومية شكلية"، تُفرض من خلال أذواق مرحلية أو دوائر مغلقة أو حتى جهات أجنبية تتحكم في مسارات العرض والتثمين، ما يُفرغ التجربة الجمالية من عمقها ويحولها إلى ظاهرة استهلاكية.
أعمال فنية خاضعة لمنطق السوق دون إحاطة نقدية جادة
وتظهر مفارقة أخرى في تدخل المؤسسات البنكية، التي اتجهت - بشكل غير متوقع - إلى دعم الفنون عبر إنشاء فضاءات عرض خاصة بها، وتمويل معارض وإصدارات توثيقية. ورغم أن هذه المبادرات أضفت بُعدًا ثقافيًا على الدور الاقتصادي لهذه المؤسسات، إلا أنها لم تتبلور بعد في شكل سياسات ثقافية مستدامة، تضبط معايير العرض والاقتناء وتمنح للمشهد الفني إطارًا مؤسساتيًا واضحًا.
ويُعزى هذا الخلل إلى غياب تكوين أكاديمي كافٍ في مجالات الهندسة الثقافية والفنية، بالإضافة إلى محدودية الفرص المتاحة أمام الخريجين القلائل في هذا المجال. ما يجعل السوق الفنية المغربية تراوح مكانها، بين طموح النهوض وثقل العشوائية، في ظل غياب استراتيجية ثقافية واضحة المعالم.
العمل الفني بين الجمهور والناقد
بعيدًا عن مشكلات السوق الفنية وتنظيمها، تبرز مفارقة أخرى تتعلق بالجمهور نفسه؛ إذ لا تزال ثقافة اقتناء الأعمال الفنية محدودة في المغرب، سواء لدى عامة الناس أو حتى بين الفئات الميسورة. ويزيد من تعقيد هذا الوضع غياب استراتيجية واضحة لتثمين الأعمال الفنية بأسعار تناسب مختلف الشرائح الاجتماعية، مما يعزز الانطباع السائد بأن الفن لا يخص سوى النخبة.
من جهة أخرى، يظل النقد الفني في المغرب، بوصفه ممارسة معرفية وتأويلية، في طور التشكّل بعد عقود من التراكم البطيء. فرغم وجود أسماء رصينة تكتب باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، وعلى تباين بين الخطاب الصحافي والنقدي والفكري، فإنَّ هذه المبادرات تظل غالباً فردية، تُنشر في الصحف الثقافية أو المجلات المتخصصة أو ضمن كاتالوغات المعارض. غير أن الخطاب النقدي لا يواكب حجم الإنتاج الفني، لا بسبب ضعفه بالضرورة، بل نتيجة كثافة الأعمال المعروضة مقابل قلة عدد النقاد. كما تطغى على المشهد أسماء أجنبية تفتقر أحياناً للمعرفة الدقيقة بالهوية المغربية وسياقاتها الثقافية، ما يعمّق فجوة التأويل والتمثيل. في المقابل، لا ينجح الخطاب الصحافي المهتم بالفن في الدخول في حوار جاد مع الفنانين أو المؤسسات أو الجمهور، وذلك بسبب غياب التكوين البصري في المنظومة التعليمية،
لكن الإشكال الجوهري يظل في حالة التردد الجماعي: فالمؤسسات تنتظر المبادرة من الفنانين، والفنانون ينتظرون اعتراف النقاد، والنقاد ينتظرون دعوات رسمية من المؤسسات، والجمهور يراقب بصمت. إنها حلقة مغلقة تفتقر إلى ما يُسمى بـ"لحظة الكسر" أو "الحدث المؤسس" الذي يعيد ترتيب العلاقة بين مختلف الفاعلين في المشهد الفني.
ورغم هذا الوضع، لا يمكن إنكار الحركية التي بات يشهدها المشهد الثقافي في السنوات الأخيرة، من معارض وندوات ومقالات ودراسات وأطروحات جامعية، مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقدين. وقد تُوجت هذه الحركية بمناظرات وطنية، كان آخرها المناظرة الثانية التي انعقدت قبل أشهر قليلة في الرباط.
وما يثير الانتباه بشكل خاص هو أن بعض الفنانين الشباب تمكنوا من كسر هذا الجمود، عبر مبادرات ذاتية وشبكات التواصل الاجتماعي والمشاركات الدولية. هؤلاء لا يكتبون نقداً نظرياً، لكنهم يمارسون شكلاً من "النقد العملي"، عبر تجاربهم الفنية التي تتحدى مركزية السوق وتؤسس لنماذج بديلة في العرض والتواصل والإبداع.
* كاتب من المغرب