ستون عاماً بعد اختفاء بن بركة: الرواية الكاملة لأشهر جريمة سياسية في المغرب

16 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:06 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يقدم الكتاب تحقيقًا استقصائيًا حول اختفاء المهدي بن بركة في باريس عام 1965، معتمدًا على وثائق سرية وشهادات استخباراتية من المغرب وفرنسا وإسرائيل، ويكشف عن الأدوار المعقدة لأجهزة المخابرات في الدول الثلاث.
- يكشف عن تحالفات سرية بين المغرب وإسرائيل، حيث قدمت الرباط تسجيلات سرية للموساد مقابل دعم لوجستي في اغتيال بن بركة، ويبرز كيف كانت فرنسا مسرحًا مثاليًا للجريمة بسبب صراعاتها الداخلية.
- رغم تقديم رواية مترابطة، يترك الكتاب بعض الأسئلة معلقة مثل مصير جثة بن بركة، لكنه ينجح في تقليص الغموض المحيط بالقضية.

في كتابهما الجديد "قضية بن بركة: نهاية الأسرار"، يقدّم ستيفن سميث ورونين بيرغمان عملاً استقصائياً غير مألوف في عمقه واتساع مصادره، عن واحدة من أكثر الجرائم السياسية استعصاء على الكشف منذ ستة عقود، معتمداً على مزيج نادر من الوثائق السرية والشهادات الاستخباراتية التي خرجت إلى الضوء بعد عقود من الصمت. يجتمع في هذا العمل صوتان صحافيان من ثقافتين وخبرتين مختلفتين، سميث، أحد أبرز المتخصصين في الشؤون الأفريقية في صحيفتي "ليبراسيون" و"لوموند" الفرنسيتين، وبيرغمان، الصحافي الاستقصائي الإسرائيلي في "نيويورك تايمز" والمختص في تاريخ عمليات الموساد. ويمتزج هذان الصوتان في سرد يتجاوز إعادة فتح ملف المهدي بن بركة (1920 – 1965)، أشهر معارض سياسي يساري لحكم نظام الملك المغربي الراحل الحسن الثاني (1929 – 1999)، ليعيد تركيب زمن سياسي كامل، ويرسم خريطة سرّية لعلاقات ثلاث دول، المغرب وفرنسا وإسرائيل، في لحظة عالمية مضطربة تتقاطع فيها الحرب الباردة مع حركات التحرر وصراعات ما بعد الاستعمار.

اليوم الأخير في حياة بن بركة

ما يميّز هذا الكتاب ليس فقط حجم مادته، بل قدرته على تجميع أرشيف موزّع بين ثلاث دول، وإعادة تركيبه في سرد واحد مكثّف يكشف أدوار مخابرات الدول الثلاث التي اتفقت على تنفيذ جريمة بشعة بكل تعقيداتها السياسية والأمنية، ويضيء مناطق ظلت لعقود بلا رواية مكتملة. وفي قلب هذا البناء السردي، يخصّص الكاتبان جزءاً كبيراً منه لإعادة تشكيل اليوم الأخير في حياة الرجل، يوم 29 أكتوبر 1965، يوم اختفى بن بركة في باريس وإلى الأبد. يبدأ المشهد في المطار، حين غادر المعارض المغربي طائرة "سويس إير" القادمة من جنيف، متجهاً إلى سلسلة من اللقاءات المهنية والشخصية، ثم إلى شارع سان جيرمان، حيث كان يعتقد أنه سيلتقي فريقه في مشروع الفيلم الذي كان سيكون بطله، بعنوان "Basta" (كفى)، لكن ما بدا ترتيباً لموعد انتاج سينمائي، لم يكن سوى فخ محكم النسج للإيقاع بالرجل. ومع أنه كان يعلم أنه مراقَب، فإن السرد يرسم رجلاً يسير بخطوات الواثق وسط عاصمة يعرف دهاليزها ومقاهيها، قبل أن يوقفه شرطيان بلباس مدني أمام مطعم "ليب"، لم يتردّد، ورافقهما بهدوء معتقداً أن الأمر يتعلق بلقاء سياسي مع شخصية سياسية فرنسية مهمة تريد التحدث إليه، يُعتقد أنه الرئيس الفرنسي آنذاك الجنرال شارل دوغول، الذي كان يرى في "حركة عدم الانحياز" التي بدأت تتبلور في دول العالم الثالث حليفا موضوعيا له ضد حِلفي "وارسو" و"الناتو". 

يقدّم الكاتبان عملاً استقصائياً فريداً في عمقه واتساع مصادره

من هنا ينفتح المشهد على سلسلة الاختفاء، تتوالى بعدها الطبقات الزمنية بسرعة، سيارة سوداء تنطلق بسرعة جنونية جنوباً في شوارع باريس، فيلّا معزولة في منطقة "فونتني لو فيكونت" بضواحي العاصمة الفرنسية، وداخل السيارة تتغير لهجة المرافقين وسلوكهما، لينتهي المطاف بـ "المختطف" داخل سراديب الفيلا، حيث يخضع لاستجواب عنيف وقاسٍ انتهى بإغراق الضحية داخل حوض الاستحمام، ثم لحظة اختفاء نهائي، مازال الغموض يلفّ تفاصيلها الدقيقة حتى بعد ستين عاماً. هل كانت الوفاة نتيجة التعذيب؟ أم كان القرار بالقتل مبيّتاً؟ في كلتا الحالتين، يشرح الكتاب كيف تلاشى الجسد من الوجود بطريقة تحول إلى جزء من أسطورة القضية نفسها، وكيف أُغلقت القصة على نفسها كما لو كانت تريد أن تنسجم مع قدر ملفّها المراوغ منذ البداية.

رأس بن بركة مقابل تسجيلات القمة العربية

لكن السرد الروائي للأيام الأخيرة ليس سوى مدخل ضروري لرواية أعقد، تمتد جذورها إلى عام 1964 حين بدأ مسار التصعيد بين أستاذ الرياضيات السابق المهدي بن بركة، وتلميذه السابق، الحسن الثاني، يبلغ نقطة الانفجار. يكشف الكتاب، لأول مرة بصورة موثقة، أن قرار التخلص من بن بركة اتُّخذ في الرباط قبل عام من اختطافه، بعد أن علم الملك الحسن الثاني بمحاولاته نسج علاقات مع السوفييت ودوائر حركة عدم الانحياز. وفي الوقت الذي كانت فرنسا، مترددة في تقديم المساعدة لـ"تحييد" معارض المملكة الأول، لجأت الرباط إلى شريكها السري إسرائيل. فالعلاقات بين الطرفين كانت ضاربة في العمق منذ بداية الستينيات، على خلفية ملف تهجير اليهود المغاربة وتنظيم قنوات سرية بين الرباط وتل أبيب، وكان الجنرال محمد أوفقير، وزير داخلية المغرب في تلك الفترة، ونائبه أحمد الدليمي قد نسجا صلات قوية مع رئيس الموساد مائير أميت. ويُظهر الكتاب أن المغرب رأى في إسرائيل حليفاً يقدم خدمات استخباراتية دقيقة، بينما رأت إسرائيل في المغرب بوابة استراتيجية ضمن توازنات الشرق الأوسط وأفريقيا.

تكشف الوثائق الإسرائيلية التي خرجت من الأرشيف، أن أميت كان متردداً في التورط في المشاركة في اغتيال سياسي لصالح دولة أخرى، لكنه لم يستطع رفض مطالب حليف يقدّم له معلومات من نوع فريد. ففي أيلول/سبتمبر 1965، سجّل المغرب خلسة جلسات القادة العرب في قمة الدار البيضاء، وقدّم التسجيلات للموساد في واحدة من أبرز عمليات الاختراق الاستخباراتي في تاريخ المنطقة. وصف أميت العملية بأنها "مفخرة كبرى" للموساد ومن بين أعظم مكاسبها الاستخباراتية الخارجية، وكان ثمنها سياسياً وأمنياً معاً، تقديم دعم لوجستي كامل لإنجاز عملية التخلص من المعارض الأول داخل مملكة الحسن الثاني. 

يُظهر الكتاب، أن دور إسرائيل لم يكن تنفيذياً بقدر ما كان لوجستياً وتقنياً، بدأ بتتبع تحركات "الهدف" وتحديد مواقع وجوده، وتقديم الخبرات والمعدات اللازمة لإخفاء الجثة، واستشارات حول السُّموم وأدوات إذابتها، بما في ذلك توفير أكياس هيدروكسيد الصوديوم، واقتلاع الأسنان والضروس كونها الأكثر مقاومة للتذويب واخفائها بعيدا عن مكان وقوع الجريمة ومكان تذويب الجثة. وفي الخلفية، كان نائب رئيس الأمن المغربي أحمد الدليمي، الذي كان يحمل رمز "ألبرت"، ينسّق مباشرة مع بعض عملاء الموساد وهو من سينفذ شخصيا عملية الإغراق داخل حوض الاستحمام، فيما يتولى الجنرال أوفقير إدارة العملية على الأرض مستخدماً شبكة من الوسط الإجرامي الباريسي.

باريس مسرحاً لجريمة سياسية معقدة

وبينما يرصد الكتاب التحضير الأمني للعملية، فإنه لا يتجاهل السياق الأوسع الذي جعل باريس مسرحاً مثالياً لجريمة من هذا النوع. ففرنسا الستينيات، كما يصفها الكتاب، كانت تجمع تناقضات دولة تتعافى من حرب الجزائر الدامية، وتتصارع داخلها أجهزة ودوائر ظلّ ومصالح ما بعد الاستعمار. وتظهر الوثائق الفرنسية، التي اعتمدها الكاتبان، صورة دولة غير متماسكة، تعيش صراعاً داخلياً بين أجهزة الشرطة والمخابرات والقضاء، وتحكمها شبكات نفوذ تتجاوز حدود المؤسسات الرسمية. كما تكشف محاضر الشرطة القضائية الفرنسية، وتقارير "مصلحة الوثائق الخارجية ومكافحة التجسس" (الاسم السابق لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسية)، وملفات القضاء الفرنسي عن علم شخصيات رفيعة بأن تهديداً خطيراً كان يلاحق المعارض المغربي بن بركة على الأرض الفرنسية، دون أن يتخذ أحد قراراً واضحاً لمنع وقوع الجريمة. ويذهب المؤلفان إلى أن الجمهورية الخامسة لم تكن في تلك المرحلة جهازاً مركزياً متماسكاً، بل شبكة متداخلة من الولاءات التي أتاحت تمرير عملية خطف معقدة في قلب باريس. أما ردّة فعل ديغول حين انفجرت الفضيحة، فكانت عنيفة، إقالات في أجهزة المخابرات، وحل وحدات نخبوية، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب بعد شعوره بأن جزءاً من الدولة الفرنسية قد كُسرت هيبته على أرضه، قبل أن تعود تدريجياً تحت ضغط الضرورات الجيوسياسية.

السرد الروائي للأيام الأخيرة شكل مدخلاً ضرورياً لرواية أعقد

وإلى جانب الأرشيفين الإسرائيلي والفرنسي، يعتمد الكتاب على كتلة وثائق فريدة من أرشيف المخابرات التشيكوسلوفاكي، الذي أصبح متاحاً بعد سقوط الأنظمة الشيوعية. تكشف هذه الوثائق أن بن بركة كان على صلة بالجهاز تحت الاسم الحركي "الشيخ"، وأنه نسّق معه في سنوات مطاردة النظام المغربي له. لكن المؤلفين لا يقدمان هذه المعلومة بصفتها إدانة، بل بوصفها جزءاً من واقع عالمي كان فيه زعماء حركات التحرر في العالم الثالث يلجؤون لأجهزة المعسكر الاشتراكي للحصول على الدعم والمعلومات. 

مصالح إستراتيجية وراء الجريمة

 وإذا كانت هذه الوثائق تعطي وضوحاً غير مسبوق للأدوار المختلفة في العملية، فإن الكتاب يذهب أبعد من ذلك بإعادة تشكيل المناخ السياسي الذي سبقها. يظهر بن بركة في الكتاب لا بوصفه مجرد ضحية جريمة سياسية، أو مجرد معارض مغربي مطلوب رأسه، بل شخصية ذات وزن عالمي، لعبت أدواراً محورية في مؤتمر باندونغ الآسيوي الأفريقي وفي تهيئة ظروف انعقاد مؤتمر القارات الثلاث الذي كان سيلتئم في نفس السنة في هافانا، وكانت تحركاته المكثفة بين عواصم الدول بأربع قارات، تمثل تهديداً مزدوجاً لنظام الحسن الثاني وللتوازنات الدولية التي كانت تتشكل على حافة الحرب الباردة. لذلك، فإن قرار تصفيته لم يكن فقط مطلبا مغربياً صرفاً، بل جزءاً من لوحة عالمية تتقاطع فيها مصالح أنظمة ما بعد الاستقلال مع شبكات استخبارات دولية، ومع موجة ثورية تجتاح بلدان الجنوب. 

ويرى الكاتبان أن الصراع بين بن بركة والحسن الثاني لم يكن صراعاً على النفوذ فحسب، بل صراعاً حول مستقبل الدولة المغربية بعد الاستقلال. هل ستكون ملكية تنفيذية مركزية كما أرادها الحسن الثاني؟ أم مشروعا ديمقراطيا اجتماعيا تقدميا كما كان يطمح إلى ذلك جزء من رموز الحركة الوطنية المغربية وعلى رأسهم المهدي بن بركة؟  في هذا الإطار، يصبح اغتيال، بن بركة، بما يحمله من رمزية داخلية وخارجية، أكثر من جريمة سياسية، يصبح لحظة مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر.

ومع أن الكتاب يقدّم رواية مترابطة، فإنه لا يدّعي تقديم إجابة نهائية. لا يزال مصير الجثة لغزاً محيراً، ولا تزال تفاصيل القرار الأخير بالقتل محل جدل، كما أن ملفات المخابرات الأميركية التي لم تكن بعيدة من تنفيذ جريمة بهذا الحجم، لا تزال مغلقة، دون أن نهمل الجزء المخفي من جبل الثلج الذي يمثله أرشيف المخابرات المغربية، وشهود المرحلة من داخل أجهزة الدولة المغربية، الذين مازال بعضهم على قيد الحياة، والذين يخفون الكثير من التفاصيل الحاسمة في الوصول إلى الحقيقة. ومع ذلك، فإن هذا الكتاب يحقق ما لم تحققه الكثير من الكتب الصادرة قبله حول نفس القضية، وأهم ما يحققه هو تقليص مساحة الغموض، وتقديم وثائق يمكن اعتبارها الأساس الأكثر صلابة إلى اليوم لرواية واقعية. فالكتاب، بما له وما عليه، لا تكمن قيمته فقط في الكشف عن تلك الطبقات السرية من جذاذات الأرشيف والكابلات والمراسلات السرية، بل في جمعها في سرد واحد مكثف يكشف كيف تداخلت خطوط المغرب وفرنسا وإسرائيل وعواصم أخرى ضمن لوحة عالمية يتصارع فيها مشروع ملكية تنفيذية صاعدة في الرباط، وغليان سياسي في باريس ما بعد الاستعمار، وحسابات استخباراتية إسرائيلية تبحث عن منافذ قوة في شمال إفريقيا، ومعارضة مغربية تحمل مشروعاً تحررياً عابراً للحدود.

لكن الكاتبين يتركان أسئلة أساسية معلّقة: مصير الجثة، طبيعة القرار الأخير بالقتل، والأدوار التي لم تكشفها بعد ملفات المخابرات الأميركية المغلقة. ومع ذلك، ينجح المؤلفان في تقليص مساحة الغموض التي لازمت القضية، وفي بناء رواية أقرب ما تكون إلى الخريطة الشاملة لملف امتد عبر ستة عقود، ولا يزال صداه يتردّد في ذاكرة المغرب والعالم بوصفه إحدى أكثر القضايا السياسية استعصاء على النسيان.

المساهمون