إقالة أوليفييه نُورا من إدارة غراسيه.. إجراء إداري أم "ترامبية ثقافية"؟

17 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 18:27 (توقيت القدس)
أوليفييه نُورا في صالون الكتاب بباريس، 2025 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- إقالة أوليفييه نُورا من دار غراسيه بعد 26 عاماً أثارت جدلاً واسعاً، حيث اعتُبرت علامة على تحول عميق في صناعة النشر الفرنسية، مع تزايد تأثير رجل الأعمال فينسان بولوري المعروف بنفوذه الواسع ونزعته المحافظة.

- ردة الفعل على الإقالة كانت قوية، حيث أعلن 115 كاتباً قطع علاقتهم مع غراسيه، معتبرين القرار تهديداً لاستقلالية النشر وحرية الإبداع، مما يعكس قلقاً متزايداً من تأثير النفوذ الاقتصادي والسياسي على دور النشر.

- الحدث يعكس تمدد نفوذ بولوري في الإعلام والثقافة، مما يثير مخاوف من إعادة تشكيل المجال الثقافي الفرنسي وفق تصورات أيديولوجية، بينما يرى مؤيدوه أنه إعادة تنظيم إداري واستثماري.

أطاحت إقالة أوليفييه نُورا من إدارة دار غراسيه، عشية الأربعاء الماضي، تاريخاً طويلاً من الاستقرار النسبي داخل واحدة من أعرق دور النشر في فرنسا. نُورا، الذي أمضى 26 عاماً على رأس الدار (تأسست عام 1907)، واحد من أبرز الوجوه التي ساهمت في ترسيخ مكانة غراسيه رمزاً للاستقلالية الثقافية. ولم يُقرأ قرار الإقالة في الأوساط الثقافية بوصفه إجراءً تنظيمياً عادياً، بل باعتباره علامة فارقة على تحوّل أعمق في بنية صناعة النشر الفرنسية، مع تزايد تأثير رجل الأعمال فينسان بولوري على مجموعة هاشيت المالكة لغراسيه منذ عام 2023. فالرجل، المعروف بنزعته المحافظة ونفوذه الواسع في الإعلام الفرنسي، بات يُنظر إليه باعتباره لاعباً مركزياً يعيد تشكيل خريطة المؤسسات الثقافية وفق رؤيته الخاصة.

وبحسب تقارير إعلامية فرنسية، بينها ما أوردته "لو إكسبرس" و"لوباريزيان"، فإن الإقالة جاءت بقرار مباشر من بولوري، على أن يُستبدل نُورا بجان-كريستوف تييري، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً إضافياً إلى إعادة هيكلة داخلية تُقدَّم فيها اعتبارات الولاء والتقارب في الرؤية على حساب الاستمرارية المهنية والخبرة الطويلة. ورغم غياب تفسير رسمي واضح، تتردد في خلفية الحدث رواية تفيد بأن خلافاً نشأ حول توقيت نشر عمل جديد للكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال، المعروف بمواقفه اليمينية، والذي غادر منشورات غاليمار والتحق بغراسيه في منتصف الشهر الماضي، وهو ما أضفى على القرار بُعداً يتجاوز الطابع الإداري البحت.

115 كاتباً أعلنوا قطع علاقتهم بالدار احتجاجاً على القرار

لكن ما منح الحدث ثقله الحقيقي لم يكن القرار وحده، بل ردة الفعل التي تبعته. فقد أعلن 115 كاتباً، في بيان جماعي غير مسبوق من حيث حجمه، قطع علاقتهم مع دار غراسيه احتجاجاً على الإقالة. الأسماء التي وقّعت ليست هامشية في المشهد الأدبي الفرنسي، إذ تضم وجوهاً بارزة، مثل الروائية والمخرجة فيرجيني دِبونتي، والكاتب والروائي فريديريك بيغبدِر، والصحافي سورج شالاندون، وغيرهم من الكتّاب الذين ارتبطت أعمالهم تاريخياً بدور النشر الكبرى. وفي بيانهم، أعلن الموقعون رفضهم نشر أي أعمال مستقبلية داخل الدار، معتبرين أن ما جرى يمسّ جوهر استقلالية النشر ويهدد حرية الإبداع.

ويمثل هذا التصعيد الجماعي، في عمقه، قلقاً متزايداً داخل الوسط الثقافي الفرنسي من تحوّل دور النشر إلى فضاءات خاضعة لمنطق النفوذ الاقتصادي والسياسي، بدل أن تبقى ساحات مفتوحة للنقاش الفكري والإبداع الحر. فغراسيه، التي ارتبط اسمها لعقود بأعمال أدبية كبرى وبأسماء أسست للحداثة الأدبية الفرنسية، تبدو اليوم وكأنها تقف عند مفترق طرق بين إرثها التاريخي ومتطلبات مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.

الأمر لا يتعلق بغراسيه وحدها. فالصورة الأوسع تكشف عن تمدد تدريجي لنفوذ بولوري داخل قطاعات الإعلام والثقافة، من التلفزيون إلى النشر، في سياق يرى فيه منتقدوه محاولة لإعادة تشكيل المجال العام الفرنسي وفق تصورات أيديولوجية واضحة، أو بحسب ما وصفته صحيفة "لوتومب" بـ"الترامبية الثقافية". وبينما يعتبر مؤيدوه أن الأمر لا يعدو كونه إعادة تنظيم إداري واستثماري، يرى خصومه أن ما يحدث يمسّ جوهر "الاستثناء الثقافي الفرنسي"، ذلك المفهوم الذي لطالما دافع عن خصوصية الثقافة في مواجهة منطق السوق.