وعي المستخدم وكسر احتكار الخوارزميات

05 مايو 2026
+ الخط -

في خضم النقاشات المُتصاعدة حول موقعنا كمُستخدمين ضمن المنظومة الرقمية العالمية، تبرز مغالطة منطقية خطيرة تتكرّر على ألسنة البعض، مفادها أنّ علينا، كأفراد أو مجتمعات غير غربية، أن ننصاع لما يقرّره الغرب في شؤون التقنية، بحكم أنّهم من يمتلكون أدوات الإنتاج والتحكّم. 

هذه الفرضية تتجاهل تحوّلات جذرية يُعايشها عالمنا الرقمي اليوم، وتغفل عنصراً مركزياً في الاقتصاد الرقمي الحديث: نحن، المستخدمون، من نصنع القيمة. فمهما بلغت قوّة الشركات التكنولوجية الغربية في السيطرة على البنية التحتية والخوارزميات، فإنّ الوقود الحقيقي لمحرّكات هذه المنظومة يتمثّل في البيانات والسلوك البشري، أي في ما ننتجه نحن، طواعيةً أو غفلةً، من تفاعلات واستخدامات وتفضيلات تُغذّي هذه المنصّات وتزيد من دقّتها وتوسّعها وقدرتها.

ليست التقنية، كما يُراد لنا أن نعتقد، شيئاً مُنزّلاً فوق رؤوسنا لا نملك حياله إلّا الاستهلاك أو التلقي. بل هي نتاج ديناميكي لعلاقة مستمرّة بين المُطوّر مالك التقنية والمُستخدم، بين من يصنع الأداة ومن يحدّد كيف تُستخدم. ولعلّ أكبر دليل على هذا التداخل أنّ قيمة أيّ تطبيق أو منصّة رقمية لا تُقاس بتقنيتها فحسب، بل بعدد مُستخدميها، ومدى تفاعلهم، وكمية البيانات التي يضخّونها يومياً في شبكاتها. نحن لسنا مجرّد مُستهلكين لهذه المنظومات، بل شركاء فعليون (وإن لم يعترفوا بنا رسمياً) في إنتاج القيمة الرقمية. ومتى ما أدركنا ذلك، تغيّر موقعنا من الهامش إلى المركز.

لسنا مجرّد مستهلكين للمنظومات الرقمية، بل شركاء فعليون في إنتاج القيمة الرقمية

في عصر تتوسّع فيه مفاهيم "الإقطاع الرقمي"، إذ تحتكر شركات محدودة البنية التحتية الرقمية، ومسارات البيانات، ومصادر الذكاء الاصطناعي والسياسات والتوجّهات الناظمة له، يبدو التسليم بهذه السيطرة وكأنّه قدر لا فكاك منه. إلّا أنّ التمرّد على هذا الواقع لا يتطلّب ثورة تقنية بالمعنى التقليدي، بل قد يبدأ من وعي جمعي يتبلور في سلوك المُستخدمين. عندما نختار، بوعي، أن نستخدم بدائل تحترم الخصوصية، أو نقاطع منصّات مُنحازة سياسياً أو أخلاقياً، أو نضغط من أجل سنّ تشريعات رقمية أكثر عدلاً، فإننا نمارس شكلاً من أشكال المقاومة الرقمية.

كما أنّ هناك هامشاً قانونياً وتقنيًا مُتاحاً، حتى داخل المنظومات الغربية نفسها، يمكن لنا أن نشتبك معه ونوسّعه. تشريعات وأطر تنظيمية، على قلّتها وعدم وضوح بعضها، تعطي المستخدمين أدوات للمُساءلة والاعتراض وطلب الشفافية. ومبادرات المستخدمين حول العالم، التي باتت تؤثّر على قرارات كبرى الشركات، دليل على أنّ الصوت الفردي، متى ما تحوّل إلى تيار جماعي، يصبح أداة ضغط فعّالة في توجيه التقنية.

الصوت الفردي، متى ما تحوّل إلى تيار جماعي، يصبح أداة ضغط فعّالة في توجيه التقنية

في المقابل، يتنامى في الأطراف خارج المركز الغربي وعيٌ رقمي جديد، يُعلي من فكرة السيادة الرقمية، ويبحث عن بدائل للتقنيات الاحتكارية، ويؤمن بإمكانية تطوير حلول مفتوحة المصدر تشاركية لامركزية. هذه الجهود، وإن كانت مُبعثرة حتى الآن، يمكن أن تمثّل بذور تحوّل مستقبلي يسهم في إعادة توزيع القوّة الرقمية بشكل أكثر عدلاً.

اليوم، نحن أمام لحظة حاسمة، فإمّا أن نواصل الدوران في فلك أنظمة لا نملك منها شيئاً سوى حقّ الدخول والتلقي، أو أن نستثمر وعينا الجماعي في إعادة التفاوض على موقعنا ضمن هذه المنظومة. التقنية ليست قدراً، وإنما حقل نزاع بين من يريد توجيهها لخدمة مصالحه، ومن يطمح لتسخيرها كأداة للحرية والمعرفة والعدالة. وحين نفهم ذلك، تصبح كلّ نقرة، وكلّ خيار رقمي، وكلّ فعل حماية خصوصية، وكلّ مجموعة بيانات نغذي بها المنظومة، وكلّ موقف من تطبيق أو منصّة، خطوة صغيرة نحو استعادة موقعنا كمواطنين رقميين فاعلين، لا مجرّد رعايا في مزارع الإقطاع الرقمي.

محمد صالح
محمد صالح
مستشار وخبير في التنمية الدولية والتطوير المؤسسي، تركز جهوده وخبراته على إصلاح القطاع العام وتنمية المجتمعات المحلية. أدار وعمل في العديد من المشاريع المموّلة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والاتحاد الأوروبي في مجالات التنمية وسيادة القانون.