قرار مجلس الأمن.. وصاية جديدة على غزّة وملامح انتداب

19 نوفمبر 2025
+ الخط -

إنّ الآلية المطروحة في القرار الأميركي بشأن القوّة الدولية لنزع السلاح في غزّة تمثّل امتداداً واضحاً لصيغة الوصاية التي عرفها الفلسطينيون في زمن الانتداب البريطاني، حتى إن جرى تقديمها اليوم بغطاء "دولي" وبدعوى تثبيت الأمن. فالمقترح يقوم على فكرة أنّ مستقبل غزّة يمكن إدارته عبر ترتيبات تُصاغ في واشنطن، وليس عبر إرادة الفلسطينيين، وكأنّ القطاع بحاجة إلى سلطة خارجية تمارس الوصاية عليه، وتحدّد له شكل الأمن ونمط الإدارة وطبيعة الحوكمة. إنّ هذا الطرح يُعيد إنتاج الهيمنة الدولية على القرار الفلسطيني، من خلال آلية أمنية مفروضة لا تختلف في جوهرها عن أنظمة الانتداب الاستعمارية.

تهميش الدور الفلسطيني

إنّ المشروع الأميركي يُهمّش الوجود الفلسطيني بشكل صريح ويجعله غير مرئي؛ إذ لا يمنح الفلسطينيين موقعاً قيادياً في تقرير مصير غزّة، ولا يعترف بسيادتهم على أرضهم، ولا يقدّم تصوّراً يحترم ملكيتهم السياسية والجغرافية، وهم أصحاب الأرض وحقّ وتقرير المصير.

المشروع الأميركي يُهمّش الوجود الفلسطيني بشكل صريح ويجعله غير مرئي

وهذا ما أكدته روسيا والصين في موقفهما الرافض داخل مجلس الأمن؛ إذ شدّدا على أنّ المقترح الأميركي يتجاهل الفلسطينيين، ويخفي حضورهم السياسي، ويُعيد صياغة مستقبل القطاع من دون تمثيلهم، الأمر الذي يشكّل انتهاكاً لمبدأ السيادة الوطنية ويحوّل القوة الدولية إلى أداة فوقية لا تحترم إرادة الشعب.

فصل غزّة عن الضفة الغربية

إن المشروع المطروح اليوم لا يعمل فقط على إقصاء الفلسطينيين سياسياً، بل يحمل خطراً مصيرياً يتمّثل في ترسيخ الفصل بين غزّة والضفة الغربية، فالضفة تشهد اليوم اقتطاعاً ممنهجاً لأراضيها وتقطيعاً جغرافياً متسارعاً بين مدنها وجميع مناطقها، حتى بات التواصل بين المدن والبلدات مُهدّداً إلى درجة خطيرة. وتتزامن هذه التطوّرات مع وجود القوّة الدولية في غزّة، ما يرسّخ الانطباع بأنّ المشروع الأميركي يهدف إلى إضعاف وحدة الدولة الفلسطينية المستقبلية على الأرض. فالاعتداءات الإسرائيلية من قبل الجيش والمستوطنين في الضفة دائمة وممنهجة، وتشمل الانتهاكات مصادرة أراضٍ واسعة، وبناء مستوطنات لفصل شمال الضفة عن جنوبها.

سعي إلى خلق كانتونات فلسطينية مُفكّكة وغير متصلة جغرافياً، بحيث يصبح من الصعب إقامة دولة فلسطينية

كلّ هذا التراكم من الإجراءات، بالتزامن مع إدخال القوّة الدولية إلى القطاع، يعكس رغبة في خلق كانتونات فلسطينية مُفكّكة وغير متصلة جغرافياً، بحيث يصبح من الصعب إقامة دولة فلسطينية. وإذا أضفنا إلى ذلك واقع الضفة الذي يتركّز اليوم في رام الله كأنّها مركز الدولة الفلسطينية الوحيدة المُمكنة، فإنّ الخطر يتضاعف: فالواقع الميداني يُظهر أنّ ما يُطرح بوصفه "حلاً سياسياً" في غزّة، عملياً، يعزل القطاع، ويضعه خارج أيّ سلطة وطنية متماسكة، ويجعل أيّ دولة فلسطينية مستقبلية مرهونة بالقرارات الدولية والهيمنة الإسرائيلية.

المناورات الإسرائيلية

وبالرغم من أنّ بعض الأصوات الإسرائيلية تعلن رفضها القرار الأميركي، فإنّ هذا الرفض يجب قراءته في إطار المناورة السياسية لا في إطار الموقف المبدئي. فإسرائيل بمختلف تياراتها اعتادت تحويل أيّ خطوة دولية إلى ساحة للمزايدة الداخلية بهدف انتزاع مزيد من المكاسب، لا سيما عند التعامل مع الإدارة الأميركية. ولهذا نجد تعدّد الأصوات داخل إسرائيل ليس تعبيراً عن انقسام حول جوهر القرار، بل محاولة من كلّ طرف لزيادة أرباحه السياسية، وتحسين موقعه التفاوضي في المرحلة المقبلة.

القوّة الدولية لن تكون قوّة محايدة، بل قوّة تُبنى وفق الرؤية الإسرائيلية لأمنها وحدود مصالحها

أمّا نتنياهو، فقد وصف القرار بأنه إنجاز كبير لإسرائيل، فهو يتماشى مع التصوّرات الإسرائيلية، ويُعزّز من اندماج إسرائيل بالمنطقة، ويسمح بالحديث عن مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية والتطبيع مع دول الجوار، حسب وصفه. ولم يكتف بذلك، فقد قال في مقام آخر إنّ أمن إسرائيل سيبقى تحت سيطرتها الحصرية، في رسالة واضحة بأنّ القوة الدولية لن تكون قوة محايدة، بل قوة تُبنى وفق الرؤية الإسرائيلية لأمنها وحدود مصالحها.

الجدل في إسرائيل حول أيّ إشارة لمسار سياسي

وبالرغم من الضجيج الذي تصدره بعض الأوساط اليمينية الإسرائيلية حول أنّ القرار الدولي يحمل لغة تتعلّق بحوار أو "مسار سياسي"، فإنّ هذا الاعتراض لا يعكس خشية حقيقية من قيام دولة فلسطينية، لأنّ الموقف الرسمي الذي عبّر عنه نتنياهو يشدّد على أنّ معارضته لأيّ دولة فلسطينية لم تتغيّر. أي إنّ الرفض الإسرائيلي هنا ليس دفاعاً عن أمن إسرائيل أو رفضاً للقرار بحدّ ذاته، بل جزءاً من لعبة سياسية داخلية تهدف إلى الضغط على واشنطن للحصول على مزيد من الامتيازات، مع ضمان ألّا يؤدي أيّ حديث دولي إلى أيّ تغيير فعلي في الوقائع على الأرض.

فلسطين بين الوصاية الدولية والمشروع الإسرائيلي

إن اللحظة الحالية تتطلّب وعياً فلسطينياً عالياً بمخاطر المرحلة، فالقوّة الدولية، وفق الصيغة الأميركية، قد تتحوّل إلى أداة لتكريس واقع جديد، يقف عند منتصف الطريق بين الاحتلال والإدارة الدولية، بينما يتحمّل الفلسطينيون وحدهم تبعات هذا الترتيب. ومن هنا تأتي أهمية التحرّك السياسي والدبلوماسية الفلسطينية لاستعادة المبادرة، ورفض أيّة صيغة تُقصي الفلسطينيين من صنع القرار، والتمسّك بوحدة القطاع والضفة بوصفها شرطاً لا يمكن التنازل عنه. فالمعركة اليوم ليست فقط على غزّة، بل على مستقبل فلسطين برُمّته، وعلى قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على وحدة جغرافيتهم وهويتهم ومشروعهم الوطني.