من حكايات حارتنا: حكاية جوهرة

17 فبراير 2026
+ الخط -

حارتنا واحدة من حارات الدنيا الضيقة التي لا تنتهي حكاياتها، ولن تنتهي. وهنا أدوّن بعضاً من تلك الحكايات.

(1) حكاية جوهرة
هذا هو اسمها؛ واحدة من نساء حارتنا العتيقة (والعتيقة صفة للحارة لا للمرأة، وجب التنبيه حتى لا يحدث التباس).
جوهرة اسم على مسمّى؛ امرأة جميلة، جمالها من ذلك الجمال المقاتل الذي ينطبق عليه قول مولانا عبد الله البردوني:

تحامى قصائدك الناقدون
وأيُّ يدٍ تلمسُ الاشتعالْ
بذا صُنتَ فنّك منهم كما
يصونُ الجميلةَ عنفُ الجمالْ

إلى جانب جمالها، تنتمي جوهرة إلى واحدة من أعرق أسر الحارة، وكل ذلك قلّل من فرص التقدّم لخطبتها، إلى أن تقدّم لها رجل من قرابتها، فتزوّجا، وعاشت في كنفه ردحاً من الزمن.

كان الرجل يحبها بجنون، وله العذر في ذلك؛ فليس في حارتنا امرأة تفوق جوهرة جمالاً وعراقة. وقد شاع خبر هذا الحب في الحارة التي تعشق ترديد الحكايات، بل واختراعها أحياناً.

قد شاع خبر هذا الحب في الحارة التي تعشق ترديد الحكايات، بل واختراعها أحياناً

لم يكن زوجها شاعراً، لكنه نظم بيتاً من الشعر الشعبي، سُكِّنت أواخر كلماته، فظلّت الحارة تردده طويلاً، وصار علامة مميّزة للرجل حتى بعد وفاته:

يا جوهرةْ قلبي يا نُمرةْ الألفْ
كتبت لِكْ مكتوبْ وزِدتْ لَهْ حرفْ

لماذا الألف؟ لا أدري.
أهو امتداد لميل العرب إلى اعتبار الألف غاية الأعداد، فيقولون: الآلاف المؤلّفة، وألف ألف؟ والمليون، كما نعلم، لفظة أعجمية دخلت لغتنا متأخرة.

بعد رحيل زوجها، رفضت جوهرة كل من تقدّم إليها من رجال الحارة ومن خارجها. لم يخفت بريق جمالها، لكنها آثرت أن تكرّس حياتها لتربية أبنائها على أن ترتبط برجل آخر.

ومضت الأيام على رتابتها المعهودة، حتى استيقظت الحارة ذات صباح على خبر وفاتها. رحلت جوهرة، تلك التي ظلّ بديع جمالها حديث الحارة عقوداً طويلة.

(2) حكاية الطوّاف
لا تدري ماذا يريد هذا الرجل من حياته. إنه واحد من أهل الحارة يظل يطوف بها طوال الوقت؛ تراه في أي ساعة تمشي فيها في طرقاتها، كأنه موجود في كل شوارعها في اللحظة نفسها.

مفارقة لا تجد لها شبيهاً إلا في نظريات ميكانيكا الكم، حيث يمكن لجسيم ذري كالإلكترون أن يوجد في مكانين في آن واحد.

ماذا يريد هذا الرجل من طوافه؟
لا أحد يدري.

المؤكد أن محموداً، منذ تلك الحادثة، وهو يطوف بالحارة ليلاً ونهاراً، كأنه يبحث عن زوجته المفقودة، أو هكذا يُخيَّل لمن يعرف حكايته

حتى هو نفسه محاط بغموض حالك. كل ما يعرفه أهل الحارة أن اسمه محمود، وُلد ونشأ فيها من أسرة فقيرة، لم يبق منها أحد غيره؛ فقد هاجر من هاجر، ورحل من رحل، وبقي هو مع زوجته في بيته المتواضع عند طرف الحارة.

وذات صباح بعيد، كما يقول معمّرو الحارة، استفاقت الحارة على خبر اختفاء زوجته. وتوالت التكهنات التي تجيد الحارة إطلاقها في مثل هذه الحوادث: قائل يقول إنها فرت مع عشيق، وآخر يزعم أنها خُطفت في أحد الأزقة الخلفية، وثالث يتكهّن بمقتلها.

كلها روايات لا سبيل إلى التحقق من صحتها.

غير أن المؤكد أن محموداً، منذ تلك الحادثة، وهو يطوف بالحارة ليلاً ونهاراً، كأنه يبحث عن زوجته المفقودة، أو هكذا يُخيَّل لمن يعرف حكايته.

وتستمر الحكايات…
 

عبد الحفيظ العمري
عبد الحفيظ العمري
عبد الحفيظ العمري
كاتب ومهندس من اليمن، مهتم بالعلوم ونشر الثقافة العلمية. لديه عدّة كتب منشورة إلكترونيا. الحكمة التي يؤمن بها: "قيمة الانسان هي ما يضيفه للحياة ما بين حياته ومماته" للدكتور مصطفى محمود.
عبد الحفيظ العمري