من الهزيمة كعارض إلى الهزيمة كبنية

06 يناير 2026
+ الخط -

قبل سنين، قرأتُ كتابًا ضخمًا في علم النفس التطوّري، يستعيد ذهني منه دراسةً مهمّة حول عرضٍ تمّ قياسه كأحد أعراض الخسارة/ الهزيمة، إذ وجد العلماء أنّ مشجّعي الفريق الرياضي الخاسر يُظهرون نقصًا واضحًا في هرمون التيستستيرون بعد الخسارة مباشرةً، قياسًا بما كانوا عليه قبلها، في مقابل زيادة في الهرمون ذاته لدى مُشجّعي الفريق المُنتصر. وجزءٌ من متابعتي لسلوكيّات بغيضة تطفح بين حين وآخر في مجتمعنا، ويمكن متابعة تزايد طفحها مؤخّرًا، ينطلقُ من هذه الزاوية، بعد الهزائم التي مُني بها مجتمعنا، خاصّةً جيلي (جيل الثورة).

لكنّ أزمةً تلحّ عليّ لأفكّر فيها أكثر، مُرتبطة بإمكانية تحوّل هذه الأعراض من الوقت والتتابع واستمرار المُسبّبات، من أعراض طارئة ومؤقّتة إلى سماتٍ مُزمنة، يمكنها تغيير هرمونات/ سلوكيّات المجتمع مع الوقت، فتبدّلها تمامًا، لو لم يُدرك هذا المجتمع عمق الورطة وخطورتها، ولم يبدأ في البحث عن حلول، وقبل ذلك يجتهد ليوقف إنزلاقتها.

لعلّه غياب استخلاص المعنى من المعاناة، إذ بطريقة ما، بحسب الطبيب النفسي فيكتور فرانكلين، قد تتوقّف المعاناة عن كونها كذلك في اللحظة التي نستخلص منها المعنى والعبرة، لا بمنطق تفاؤلي ساذج، بل بتفتيش صادق وجاد عمّا وقعنا فيه، نقدًا للذات وإنقاذًا لها من تحوّل خسارتها في المعركة إلى يأسٍ دائم وهزيمة مُزمنة.

الهزيمة المزمنة لا تُضعف الناس فحسب، بل تُحوِّل قيمها إلى سجنٍ ثقافي/معرفي يقدِّس الواقع ويُحرّم محاولة تغييره

ما تكشفه دراسات علم النفس التطوّري حول انخفاض هرمون التيستستيرون لدى مشجّعي الفريق الخاسر لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلًا فسيولوجيًا معزولًا، بل باعتباره مؤشّرًا دالًّا على ما هو أعمق: العلاقة المُعقّدة بين الخسارة، والإحساس بالقوّة، وتشكّل السلوك (أليس الإنسان هو الكائن الوحيد المشغول بالمكانة، بحسبهم؟) أو لعلّها في جوهرها تجسيد ماديّ لآليات السلطة التي تنحفر في النفس والجسد على حدٍّ سواء.
فالانخفاض المؤقّت في هذا الهرمون بعد الخسارة لا يعني فقط تراجعًا بيولوجيًا عابرًا، بل يعكس (في مستواه الرمزي) تصدّع الإحساس بالفاعلية والقدرة على التأثير، كما يتحوّل إلى نظام داخلي دائم/مستقرّ يُعيد إنتاج العجز لا كحالة طارئة بل كحقيقة بيولوجية ونفسية تبرّر الخضوع وتقتل الحافز للمقاومة وتُثير العداء غير المبرّر تجاه الذات والآخر، إلا من يستحقّ العداء.
السؤال الحاسم هنا ليس: هل تؤثّر الهزيمة؟ بل: متى ولماذا تتحوّل آثارها من صدمة عابرة إلى نمط دائم؟ ولماذا يشارك المهزومون في ترسيخ هيمنة منتصرهم؟

عند انهيار "المجتمع السياسي" (أدوات التغيير الفاعلة)، تتحوّل الهزيمة إلى "هيمنة ثقافية"، تُصبح قيم الخاسرين (كالانكفاء على الذات، السخرية من الأمل، أو تقديس الواقعية السلبية) أدوات تُحافظ على النظام القائم؛ فالهزيمة المزمنة لا تُضعف الناس فحسب، بل تُحوِّل قيمها إلى سجنٍ ثقافي/معرفي يقدِّس الواقع ويُحرّم محاولة تغييره.

عند انهيار "المجتمع السياسي" تتحوّل الهزيمة إلى "هيمنة ثقافية"

ففي هذه الحال يصبح الخطر الحقيقي، لا في حدوث الهزيمة، إنّما في التطبيع معها والعيش في داخلها، انكفاءً واكتفاءً وتوهّمًا حول النجاة، ومن ثمّ إعادة إنتاجها؛ سلوكًا وثقافة واعتقادًا راسخًا، أي يكمن الخطر لا في تغيّر هرموني بل في مجتمع يُعيد ضبط نفسه على مستوى منخفض من الكفاءة والثقة والفاعلية.

هذا التحوّل المزمن للهزيمة من عرض إلى هُويّة هو ما وجب التحذير منه والالتفات له، لا لسهولة الأولى أو غياب الخطورة فيها، فلولا هذه لما كانت تلك، لكنّ ملمحًا "أسطوريًّا" خلاصيًّا، كربلائيًّا، يغازل المهزومين فيوقعهم في فخّ تجميد التاريخ وتحويل هزيمتهم إلى تابو مقدّس لا يُمسّ.
وهو ما يجعله (شخصًا ومجتمعًا) ينتج أنماطًا دفاعيّة كارثيّة، كالعنف التعويضي بالهجوم على الأضعف أو التقوقع الطفولي بالهروب للماضي والعيش في الخيال، أو تبديد طاقاته في صراعات جانبيّة هامشيّة، تافهة، من دون أن يدرك أنّها مجرّد محاولات يائسة لاستعادة وهم السيطرة، غياب الوعي والمعرفة عنها يجعلها قبضُ ريح.
والخلاصة هنا، يُفاقم انخفاض "التيستستيرون الرمزي" (فقدان الإحساس بالقدرة على التأثير) أخطرَ عواقب الهزيمة: الانسحاب من الفضاء العمومي، كما حذّرت حنّة أرندت. فحين ينسحق الإيمانُ بالتأثير المشترك، يتحوّل المجتمع إلى جُزرٍ منعزلةٍ تكرّس "الرضوخ الطوعي"، ويصبح الفردُ سجينَ همومه الضيّقة، سجين ذاته بالأحرى، ويفقد المجتمعُ مساحته الحيوية لصنع المعنى الجماعي، مما يدفع بالهزيمة من حيّز السياسة إلى حيّز الهُويّة.

لا يكمن الحلّ في إنكار الألم، بل في تحويله إلى مسؤوليّة أخلاقيّة عبر النقد الذاتي

لكن في قلب العتمة يكمن ضوءٌ يشير للمَخرج، إذ لا يكمن الحلّ في إنكار الألم، بل في تحويله إلى مسؤوليّة أخلاقيّة (ذاتيّة وجماعيّة) عبر النقد الذاتي، فالبحث الصادق عن معنى يتجاوز الهزيمة هو فعل مقاومة (اجتماعي وبيولوجي) بحدّ ذاته، إذ هي الوسيلة الوحيدة (على ما يبدو لي) لاستعادة التستستيرون الهرمون والرمز، عبر تحويل الهزيمة وألمها من عبءٍ إلى مهمّة: تشريح الجرح لعلاجه لا لمجرّد استساغة مرارته.
أما إيقاف الانزلاق، فلا يبدأ بالشعارات، بل بتفكيك الهزيمة، ونقدها، ونزع سحرها، قبل أن تتحوّل من حدث في الزمن إلى طبيعةٍ فينا.

إشارات لا بُدّ منها:

لا يُختزل هرمون التستوستيرون في كونه مجرّد "هرمون ذكورة" بالمعنى الشائع، بل هو أحد المنظّمات البيولوجية المركزيّة المُرتبطة بالإحساس بالفاعليّة، والمُبادرة، والاستعداد للمُخاطرة، والقدرة على المواجهة وتحمّل الكلفة، لدى الرجال والنساء على حدّ سواء، وإن بنسب مختلفة.

تشير دراسات علم النفس التطوّري وعلم الأعصاب السلوكي إلى أنّ هذا الهرمون يتفاعل مع السياق الاجتماعي تفاعلًا ديناميكيًا؛ فهو لا يرتفع وينخفض فقط بفعل عوامل جسدية، بل يتأثّر بموقع الفرد داخل منظومة المكانة، وبخبرات الفوز والخسارة، والتمكين والإقصاء.

بهذا المعنى، لا يعمل التستوستيرون كمحرّك سلوكي منفصل، بل كمؤشّر حيويّ على العلاقة بين الجسد والسلطة، بين الشعور بالقدرة على التأثير والاستجابة البيولوجية لذلك الشعور. وعليه، فإن أيّ نقاش حوله لا ينبغي أن يُقرأ قراءة فسيولوجية ضيّقة، بل بوصفه تعبيرًا مادّيًا عن حالات نفسيّة اجتماعيّة أوسع، يصبح فيها الجسد مرآةً للسياسة، وتتحوّل التجربة الجماعيّة للفعل أو الهزيمة إلى أثرٍ محفور في بنية الفرد والمجتمع معًا.

هذا المقال لا يحاول تجاهل العوامل المختلفة في النظر للأزمة، لكنّه يتناول زاوية واحدة منها أرى أنّها عامل مؤسّس في التعامل مع غيرها (بنى اقتصادية، قمع مباشر، أدوار نخبة وتنظيمية..).